Define your generation here. Generation What

على هامش «مشروع ليلى»: دور النقابات الفنية من حماية الفنانين للمبادرة باتهامهم

في الأسابيع القليلة الماضية، برزت أخبار عن احتجاز فنانين بعد فحصهم في نقاط تفتيش، حتى أن أحدهم قبع في الحبس الاحتياطي لما يقارب الشهر، لاتهامه بحيازة مواد مخدرة. من الطبيعي ألا يلتفت جمهور المشاهدين لهذا في دولة كمصر، تُجرم الحيازة والتعاطي والإتجار، وتقيم لجان تفتيش بخصوصها، إلا أن الملفت للانتباه في هذه الأخبار، وعلى غير العادة، أن تكون النقابات الفنية هي من تساند موجّهي هذه الاتهامات، حتى أن إحدى هذه النقابات أرسلت مستشارين من النقابة لمتابعة الموقف.

ولعل المفارقة القاسية أنه على مدار عام 2016، كان هذا هو الدور الأبرز للنقابات الفنية، وأخُص بالذكر منها النقابتين التمثيلية والموسيقية، واستغلالهما لكل مناسبة يتواجد فيها وزير العدل، لدفعه لإصدار قرار لهاني شاكر وأشرف زكي ورفاقهما، بصفة «الضبطية القضائية» التي تسمح لهما بالقبض على أي فنان تسوّل له نفسه العمل دون دفع رسوم النقابة، وصدر القرار بالفعل لكل من النقابتين.

وكوني ممثلًا لمجموعة من الفنانين، فقد طعنت على القرار أمام المستشار أحمد الشاذلي، والذي أصدر قراره بوقف تنفيذ القرار، تمهيدًا لإلغائه بالكامل.

تجدّد تملق هذه النقابات للسلطة التنفيذية مؤخرًا، حين صرح رضا رجب، وكيل نقابة المهن الموسيقية، بقرار النقابة بمنع أي تصريح لفرقة «مشروع ليلى»، واصفًا ما تقدمه الفرقة بـ«الفن الشاذ»، وذلك بعد البلاغ المقدم من المحامي سمير صبري، والمعروف عنه رفع قضايا على الفنانين، كان آخرها ضد الفنان الشاب أحمد الفيشاوي، وبعد طلب الإحاطة الذي صرح النائب مصطفى بكري، المعروف بموالاته للدولة، بأنه سيقدمه.

فرقة «مشروع ليلى» اللبنانية، والتي تعرف نفسها عبر صفحتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنها تقدم موسيقى عربية بديلة معاصرة، أحيت حفلًا بجانب فرقتي «المُربع» و«شارموفرز»، وصدرت للحفل كافة التصريحات والموافقات الأمنية والقانونية المطلوبة، إلا أن «مشروع ليلى» وحدهم هم من كانوا مهددين بعقوبات «قانون مكافحة الدعارة بالجمهورية العربية المتحدة»، والمُطبق من ستينيات القرن الماضي، وتصل عقوباته للحبس لثلاث سنوات، ولمنعهم من العودة، لاتهامهم بنشر الفجور خلال الحفل.

لذا يصبح من الضروري، أن نتعقب مواقف النقابات الفنية و تفضيلاتها فيما يخص من تقرر دعمهم ورعايتهم، وذلك من خلال تتبع التدخلات القانونية لهذه النقابات في العام الحالي وسابقه، للوقوف على حقيقتها.

بدأ عام 2016 بمجموعة اقتحامات للمراكز الثقافية والفنية، بحجة تأمين العاصمة لقرب حلول ذكري ثورة 25 يناير، وحينها برز الحدث الأكبر؛ فيديو «الكوندوم» للممثل أحمد مالك، وكان ساعتها كان أول تصريح لنقابة المهن التمثيلية على لسان نقيبها، وعلى صفحتها الرسمية بموقع الـ«فيسبوك»، يتمحور حول إيقاف منح التصاريح لأحمد مالك.

من المؤسف مقارنة هذا الحماس من النقابات الفنية لإدانة الفنانين، لمجرد قيامهم بعمل فني ولو اختلفنا على تقييمه، بما يتبع هذه الإدانات من أخطار فعلية على حياة الفنانين. فقد ظهر في فيديو عدد من الضباط يتوعد أحدهم مالك بالمحاسبة، وهدد آخر على مواقع التواصل الاجتماعي، محرضًا ضده المشاهدين بقوله إنه لن يقبل الاعتذار وإن «إحنا هناخد حقنا، ولو مجاش بالقانون هناخده بطريقة تانية».

هذه الفيديوهات أثارت المخاوف على أمن مالك وسلامته الشخصية، ما استوجب معه تدخل النقابة، إلا أن النقابة لم تحرك ساكنًا ولو بتصريح إعلامي، وكأن الاتهام بإهانة مؤسسات الدولة أهم من حياة أحد الفنانين.

استمرت الانتهاكات ضد الفنانين، حتى وصلت إلى أقسى أشكالها في السنوات العشر الأخيرة، بحسب ما ذكر تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بواقع 78 انتهاكًا، منها أربع حالات منع من السفر لفنانين و 22 حالة قبض وحبس لمبدعين، وذلك بعدما كانت 46 انتهاكاً في 2015 و 21 انتهاكًا في 2014. وصلت هذه الانتهاكات إلى 44 في النصف الثاني فقط من العام الجاري، منها 24 حالة تتمثل في قرارات قضائية ضد المبدعين، بسبب علانية منتجهم الفني أو الأدبي أو الفكري.

تحكم تدخل النقابات الفنية عدة ضوابط، فالأمر لا يتوقف على مساندة زملاء مهنة واحدة، إنما يخضع لمدى ملائمة التدخل لطبيعة العمل الذي قام به الفنان و سبب الاتهام، فإن كان بسبب هو «العمل الفني» وجب تدخل النقابة لحمايته.

وبخصوص المعايير التي تُلزم النقابة بالتدخل في الدعاوى ومتابعة المواقف الخطرة التي تواجه الفنانين، فهناك قانون موحد لنقابة المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، وهو قانون رقم35 لسنة 1978 بشأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، ولم تصدر له لائحة تنفيذية من الوزير المختص حتى الآن. لذا فاللوائح الداخلية لهذه النقابات، بجانب أحكام المحاكم المصرية، هي من تحدد الشكل الأساسي لعمل هذه النقابات. وبالتمعن في تفاصيلها نصل بسهولة إلى أنه ليس من حق النقابات الفنية التدخل في قضايا لا علاقة لها بالعمل الفني.

أما قانون النقابات الفنية، وبالتحديد لمادة رقم (3) من قانون – رقم 35 – لسنة 1978 بشأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، فقد حصر أهداف هذه النقابات في رعاية مصالح أعضائها، وحدّد شكل هذه الرعاية بتقديم الخدمات الثقافية والاقتصادية والمعاش والعجز والوفاة والتأمين الصحي، وذلك بحسب المادة رقم (3) من قانون – رقم 35 – لسنة 1978 بشأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية.

أما نقابة المهن الموسيقية بالتحديد، فإن لائحتها الداخلية، وبالتحديد البند «خامسًا» من المادة رقم 1، قد ألزمت نقابة الموسيقيين بحماية أعضائها وحل مشاكلهم، مشترطة في هذا التحرك أن تكون المشكلة ناشئة بسبب عمل موسيقي، سواء داخل مصر أو خارجها، ولم يأت في اللائحة الداخلية لنقابة المهن السينمائية ما يزيد على سابقتها، لذا فهذه اللوائح إنما هي ترديد للقانون بتفصيلات أدق، ولا أكثر من ذلك.

وضعت المحاكم المصرية يدها على تعريف واضح لأهداف النقابات الفنية، ورسمت لها حدودها. وواحد من هذه الأحكام، والصادر لإلغاء «الضبطية القضائية لأعضاء المهن التمثيلية»، يوضح أن دور النقابات الفنية هو رعايتها للمبدعين «في نطاق المهنة»، وذلك بحسب حكم محكمة القضاء الإداري، الدائرة الثانية، الدعوى رقم 8330 لسنة 70 قضائية.

أصبح من الصعب أن تؤخذ «حماية النقابات الفنية لأعضائها» على محمل حسن بوصفها مجرد رؤية شخصية للنقيب. حيث تعسف هذه النقابات في استعمال سلطتها وملاحقتها للمبدعين، وتقاعسها في الدفاع عنهم، دعا الكثيرين للإحجام عن الالتحاق بهذه النقابات الهشة، وأصبح لزامًا معها تغيير المادة 77 من الدستور المصري الحالي، بحيث يُسمح بتنظيم المهنة لأكثر من نقابة.

لم تكن هذه المرة الاولى التي تُمنع فيها الفرقة اللبنانية من تقديم حفلاتها بالوطن العربي، فقد سبقت مصر جارتُها الأردن، حين اتهمت أعضاء الفرقة بترويج أفكار «عبدة الشيطان» واستفزاز المشاعر العامة، ومنعهم وزير الداخلية الأردني من إقامة الحفل.

والآن، ما بين الاتهام بـ«الفجور» في مصر، وبـ«عبادة الشيطان» في الأردن، تظل فرقة «مشروع ليلى» مصممة على تقديم فنها، ومهددة في بلد يصعب فيه على الدولة أن يستمتع الناس بيوم موسيقي واحد.

اعلان
 
 
محمود عثمان