Define your generation here. Generation What
الشيخ جاكسون .. فيلم آخر عن الهوية
 
 

بعد مشاهدتي فيلم «الشيخ جاكسون» المعروض بالدورة الجارية لمهرجان الجونة السينمائي، اتفقت مع صديق لي، على اختلاط مشاعرنا تجاه الفيلم، ولكن ما اختلفنا عليه بوضوح كان أهمية التعاطي الجاد معه، وإلى أي مدى يصْلُح لاتخاذه مدخلًا لقراءة المشهد السينمائي المصري الحالي، وهل يمكن أن يُفصِح عن سمات جامعة للأفلام العربية المهتمّة بمواضيع التطرف الديني و«الإرهاب» وقضايا الهوية بشكلٍ عام، والتي يُجرى تداولها والاحتفاء بها في الشبكات السينمائية للغرب؟

يعود إلحاح زاوية الرؤية هذه عليّ، لمشاهدتي ثلاثة أفلام مصرية أٌنتجَت هذا العام، تنطلق في بنائِها لشخصياتها من  فكرة الهوية الوطنية أو الدينية. فمثلًا يلعب محمد رمضان  في فيلمه «جواب اعتقال» شخصية الإسلامي الجهادي في صورة «الإرهابي»،

 في حين يُقدّم لنا المخرج طارق العريان في فيلمه «الخلية» رحلة انتقام البطل «أحمد عز» ضابط العمليات الخاصة في الشرطة المصرية، من المتطرفين قاتلي صديقه، في شكل صراع بين«الوطنيين» ضد «الإرهابيين». أما فيلم المخرج مروان حامد «الأصليين» فيذهب إلى أبعد ذلك، مفترضًا وجود كيان غامض يُراقب أغلب المصريين. في هذا السياق يُعتبر فيلم عمرو سلامة الأخير «الشيخ جاكسون» جزءً من الصورة العامة للموجة السينمائية السائدة، ولا يمكن قراءته خارج المشهد العام.

يبني سلامة فيلمه حول طبيعة شخصية البطل الدرامية، أكثر من اعتماده على أحداث تُطوِّر الدراما، فشخصية البطل خالد وتاريخها وتناقضاتها الداخلية هي ما يقود فيلمه. بهذه الطريقة يتجنب سلامة نمط المعالجات الفنية المُسطِّح للمشاكل الاجتماعية والذي يستخدم شخصيات بخطوطٍ واسعة لتمثّل فئة اجتماعية كبيرة، وهو النهج المتعارف عليه في تناول قضية التطرف. لا يٌجرّم فيلم «الشيخ جاكسون» الشخصية أو اختياراتها، وهي وإن كانت نقطة تُحسَب للتناول الدرامي؛ إلا أن المُحبط هو انتفاء الأبعاد الأخرى لتلك الشخصية بخلاف جانبها الهوياتي الديني.

منذ اللحظة الأولى، يختار الفيلم تعريفنا على بطله من خلال هويته الدينية، فنتابع طقوسه الصباحية المتديّنة، فنسمعه يردد دعاء الاستيقاظ من النوم، ثم دعاء الاغتسال، إلى أن يخرج من بيته ويصل لميكروفون المسجد. بطلنا ليس فقط متدينًا وإنما هو إمام يبكي خشوعًا في الصلاة بحشرجة اعتدنا عليها في شرائط وعظ مشاهير الشيوخ السلفيين. ومثلما يَتهم فيلم «جواب اعتقال» الحقد الطبقي في لجوء بطله محمد رمضان للعنف العقائدي، يطرح «الشيخ جاكسون» تصورًا قريبًا، معتبرًا أن القهر الأبوي هو الدافع وراء اتجاه البطل للتدين السلفي، وذلك من خلال مشاهد الرجوع لتاريخ الشخصية في فترة الطفولة والمراهقة.

في ندوة الفيلم، وردًا على سؤاله إذا كانت هناك احتمالية أن يُثير الفيلم غضب الإسلاميين في مصر، قال سلامة أنه لا يظن ذلك، لأنه على خلاف الأفلام المصرية الأخرى التي صورتهم كإرهابيين أو كمتعصبين منغلقين، فإن فيلمه يُنصِف شخصية الشيخ السلفي، ويتجنّب الحُكم الأخلاقي عليها. ورغم أن الفيلم يعكس ذلك فعًلًا، فإنه لا يخلو بدوره من جوانب أخرى للتنميط، مثل التسطيح الهوياتي للشخصية الرئيسية.

فالمعالجة الدرامية لفكرة أن الكبت هو المُستدعي لرغبات تصنّف «دنيوية» كالموسيقى في معجم الشخص السلفي الذي يخشى عذاب القبر، جاءت بشكل كاريكاتورى دفع مشاهدي الفيلم للضحك. لا أقول أن الكوميديا تعني السطحية، ولكنها في هذا السياق لم تأتِ من حبكة الدراما، وإنما جاءت من اللَعب على جوانب ارتبطت بتمثيل الشيخ السلفي في الثقافة الشعبية.

تُعزّز الرؤية الإخراجية للفيلم قطبية «الجانب الدنيوي» للموسيقى في مقابل «الجانب الإلهي الروحاني» للتديّن، ففي لقطات أحمد الفيشاوي وهو يؤم المصلّين، تختار الكاميرا زاويا التصوير العالية، في مقابل زوايا المنظور الطبيعي لمَشاهِد البطل في مراهقته «أحمد مالك»حين كان متصالحًا مع موسيقى مايكل جاكسون، وحركاتها الراقصة، ومطيلًا شعره. تنتصر نهاية الفيلم للجانب الدنيوي وهو الموسيقى، ما يؤكد على المُقاربة المنغلقة لتلك الجدلية، فهناك طرف في المعادلة  يحتكر فكرة «الحياة»وحُبَها على جانب، بينما التدين السلفي مع فكرة «الآخرة» أو ما هو خارج «الحياة»على الجانب الآخر.

فيلم «الشيخ جاكسون» يأتي في سياق عام، تتجه فيه كيانات رسمية تابعة لدول أوروبية مع كيانات ثقافية محلية، نحو الفن، باعتباره سلاحًا ضد «التطرٌف» العقائدي، والإسلامي على وجه التحديد. وهذه ليست بسياسات جديدة ولكنّها إعادة إنتاج لممارسات ثقافية تنويرية متجذّرة في مصر والمنطقة.

فأفكار فيلم «الشيخ جاكسون» المصري القادم من مهرجان تورونتو لمهرجان الجونة والمُسافر إلى لندن، تتفق مع ما سمعته في محاضرات المنتجين والموزعين والجهات الداعمة خلال فعاليات منصة الجونة السينمائية على مدار الأيام الماضية، حيثُ إجماعهم على ضرورة «عالمية» اللغة السينمائية المستخدمة، لتمكين المتلقي خارج السياق المحلي من التماهي أو التعاطف مع شخصيات الفيلم. وربّما ما أعتبره «تسطيحًا» بوصفي مواطنًا محليًا، قد يساعِد في تبسيط ظاهرة مُشفّرة ثقافيًا كالإسلام السلفي بالنسبة للمتلقي الأجنبي.

في تترات الفيلم الأخيرة، لاحظتُ شيئًا قد يستحق الذِكر في هذا السياق، وهو استعانتهم بمستشار للإسلاميين، وهو مُسمّى وظيفي يقترب وقعه في أذني من «خبير الإسلاميين» في مراكز البحث الأمريكية والأوروبية، ما يعزز شعوري بضرورة مناقشة الفيلم في سياق الموجة العالميّة للاهتمام بقضايا الهوية.

اعلان
 
 
أحمد رفعت