Define your generation here. Generation What

الأكراد: بين أمة حلم بها أوجلان ودولة يسعى لها برزاني

في قصيدته «أيها الأطفال»، التي يتحدث فيها عن زيارته لمقر الأمم المتحدة في عصر الأمين العام يو ثانت، يقول الشاعر الكردي المعاصر عبد الله بشيو، والمرشح من قِبَل رابطة الكتاب الكردية للحصول على جائزة نوبل في الأدب عام 2014:

«أيها الأطفال / ليلًا في الحلم كنت عابر سبيل إلى مقر يو ثانت/ حين بلعتني البوابة / رأيت الأسود كانت له راية / رأيت الأخضر كانت له راية / رأيت الأحمر كانت له راية / كل من رأيت كانت له راية / وفجأة صرخوا بوجهي:/ إلى الخارج يا من لا تملك راية/ قلت لا تصرخوا / حين أعود سأروي هذا الدرس للأطفال»

صحيح أن حلم الأكراد بالدولة، وحنينهم لكيان رسمي يعبر عنهم ويحمي مصالحهم، أسوة بسائر الأمم والقوميات، جرى التعبير عنه في جميع الأدبيات الكردية تقريبًا، إلا أن قصيدة بشيو هذه بالتحديد تتشابه لحد كبير مع الموقف الدولي الحالي من استفتاء إقليم كردستان المنعقد اليوم.

بنظرة سريعة على مواقف عواصم العالم من الاستفتاء، نرى ألا دولة هناك، باستثناء إسرائيل، قد أعلنت موقفًا مؤيدًا بالكامل لإجراء الاستفتاء، وأنه حتى أمريكا والدول الغربية، والمرتبطة بعلاقات استراتيجية قوية مع الأكراد بالشرق الأوسط، أصدرت بيانات رافضة لإجراء الاستفتاء في هذا التوقيت، أو على الأقل غير مرحبة به، حتى أن واشنطن أعربت عن رفضها أكثر من مرة، كما أعلن مجلس الأمن رفضه المطلق للاستفتاء الكردي، فضلًا عن التهديدات التركية والإيرانية والعراقية باقتحام الإقليم وحصاره.

بتعبير الشاعر الكردي بشيو، فالعالم كله صرخ في وجه الأكراد، رافضًا خطة الزعيم الكردي مسعود برزاني للانفصال عن العراق وإعلان الدولة الكردية.

العالم كله، الإ إسرائيل، يرفض قيام الدولة الكردية «الآن»!

رجل كبير في زنزانة صغيرة

ومن بشيو إلى عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، والمحبوس حاليًا في زنزانة مشددة الحراسة بجزيرة إمرالي ببحر مرمرة بتركيا.

في هذه الزنزانة كتب أوجلان كتابه «القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية»، معتبرًا فيه أن الأكراد يعيشون حالة من العبودية المطلقة، ومشيرًا إلى أن قناعة الفرد الكردي بكونه حرًا خارج السجن هي محض خداع، وبنص تعبيره، فـ«حياة الكرد لا تختلف عن سجن مفتوح حالك السواد».

أوجلان: «حياة الكرد لا تختلف عن سجن مفتوح حالك السواد»

لا أحد يعرف موقف أوجلان، الذي يكمل في نوفمبر القادم 19 سنة كاملة من الحبس الانفرادي، من الاستفتاء الكردي؛ قد تتغير نظرته للحياة الكردية ويخلع نظارته السوداء عندما تصله الأخبار داخل محبسه عن نجاح أقرانه بالعراق في تنظيم استفتاء الاستقلال، وقد لا تتغير نظرته، فأوجلان، كما سنرى، كان له موقف مختلف بعض الشيء من «استقلال أمة الكرد».

مع أكراد العراق، ضد من سواهم!

يتوزع الأكراد على أكثر من أربع دول بالعالم، وتتباين نظرة المجتمع الدولي لأكراد كل إقليم، ففي الوقت الذي يدعم العالم فيه أكراد العراق ويمنحهم حكمًا ذاتيًا، متفاوضًا معهم على تأجيل مشروع الدولة، نراه غير مبال بالأساس بأكراد تركيا، الذين يمثلون قرابة ربع السكان، فضلًا عن موقفه المخزي من أكراد إيران.

في قصيدة له بعنوان «ولماذا طلبوا موتك يا أوجلان؟»، عبّر الشاعر الفلسطيني فاروق مواسي عن هذا التناقض، قائلًا:

«السيد الأمريكي يبغي حرية وانفصالًا للأكراد في العراق- يا للكرم-! / أما في إيران فهو حيادي في مسألتهم – يا للموضوعية!/ وفي أذربيجان ثمة إغماض وتجاهل- يا للأكراد-!/ أما في تركيا، فالأكراد هم الإرهاب، واسمهم ‘أبناء الشرق’/ يا للعدل!»

أوجلان نفسه، الذي توجهت إليه القصيدة السابقة، كان لديه تفسير، وإن كان حادًا بعض الشيء، لهذه الازدواجية تجاه الأكراد. ففي المجلد الخامس من كتابه «الشعب الكردي»، المكتوب في السجن، يري أن سياسة القوى المهيمنة بحق الكرد بعد سنة 1945، كانت تتجسد في تشييد «كردستان العراق»، ضمن إطار الحكم الذاتي أولًا، ثم كدولة قومية صغيرة بعدها.

يشير أوجلان إلى أن الحركة الكردية بالعراق كانت تفي بالدور المرسوم للكرد منذ القرن التاسع عشر، لذا ساندتها القوى المهيمنة بكل ما في وسعها للإبقاء عليها متماسكة، كما دعمت إسرائيل أيضًا تلك الحركة لمآرب مماثلة، ولم تتوان أحيانًا عن ارتكاب الخيانة في سبيل مصالحها، وفقًا لأوجلان الذي شاركت إسرائيل في عملية اعتقاله.

بحسب أوجلان، فهناك خطة دولية لإقامة دولة لأكراد العراق، كمكأفاة لهم على تنفيذ الدور المرسوم للكرد من قبل الدول المهيمنة.

أسباب التعجل

قد يقال إن هذا مردودٌ عليه بالموقف الدولي غير المرحب بالاستفتاء، وظاهريًا، يبدو هنا بعض الصحة، ولكن بالقراءة المتمعنة لبيانات عواصم العالم حول الاستفتاء، نجد معظمها متمحورًا حول فكرة «التوقيت الخاطئ»، الذي قد يعرقل عمليات مكافحة الإرهاب ويهدد استقرار المنطقة، كما ظهر في بيانات الخارجية الأمريكية والروسية وتصريحات السفير البريطاني ببغداد.

ما يعضد هذا الطرح ما كشفه رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، خلال زيارته لجبهات القتال بالموصل، بتاريخ 16 نوفمبر 2016، حينما أعلن عن اتفاقه مع واشنطن على عدم الانسحاب من المناطق الكردستانية المحررة من داعش، وذلك في إشارة واضحة على موافقة أمريكا، ليس فقط على الدولة الكردية بل أيضًا على ضم المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك وسنجار، للدولة الكردية المحتملة.

سياسيًا ودستوريًا، فكل القرارات التي يتخذها برزاني باطلة، وذلك بحكم كونه رئيسًا فاقدًا للشرعية

إذن، فعدم الترحيب الدولي يتعلق كله بـ«تعجل» برزاني ورغبته الملحة في الاستقلال وإعلان الدولة الكردية. وهنا يثار سؤال عن سبب تعجل برزاني، وعن دافعه لتحدي كل القوى الدولية والإعلان عن استعداده للموت من أجل استقلال كردستان؟

سياسيًا ودستوريًا، فكل القرارات التي يتخذها برزاني باطلة، وذلك بحكم كونه رئيسًا فاقدًا للشرعية، حيث انتهت ولايته الدستورية في أغسطس 2015، ولا يحق له إبرام أي اتفاقات دولية أو إصدار قوانين، وذلك وفق تصريحات صحفية للدكتور يوسف محمد، رئيس برلمان كردستان، و«المعطل» بقرار من برزاني.

وعلى الصعيد الاقتصادي، وبحسب مصادر داخل الإقليم، لا يتقاضى الموظفون هناك رواتبهم منذ شهور نتيجة الأزمة الاقتصادية، وبسبب الخلاف بين بغداد وأربيل على عوائد النفط وتأخر أنقرة في دفع مستحقات الإقليم من البترول، فضلًا عن انتشار الفساد وغياب الشفافية والتداخل ما بين أموال عائلة برزاني والحزب الديمقراطي والحكومة الكردستانية.

في ظل هذه الأزمات، كان برزاني بحاجة لحدث جلل يسترد به شعبيته، ويجدد به شرعيته «المنتهية»، ويوحّد الأكراد خلف زعامته. بمعنى آخر، كان برزاني يحتاج للقفز على مشاكله الداخلية، وليس هناك أفضل من فكرة «الدولة الكردية»، ذلك الحلم القديم في عقول أكراد العالم، وليس أكراد العراق فحسب.

ورغم الخلاف السياسي داخل الإقليم حول توقيت الاستفتاء واهتزاز الجبهة الداخلية في كردستان ومطالبة قوى سياسية بعودة البرلمان، ورغم قيام حملات شعبية، مثل «حراك لا للاستفتاء»، بقيادة شاسوار عبد الواحد في مدينة السليمانية، رفضًا لإجراء الاستفتاء في هذا التوقيت، مضى برزاني في طريقه باحثًا عن زعامة جديدة تُحسب له، ليُذكر اسمه في النهاية بجوار «قاضي محمد»، مؤسس جمهورية «مهاباد»، التي أسسها الكرد في إيران في أربعينيات القرن العشرين ولم تستمر سوى لـ11 شهرًا فقط.

يمكن القول إن برزاني، الذي لم يعهد نفسه سوى رئيس أو زعيم أو صاحب سلطة، دخل السياسة من باب «أبناء العاملين»، فوالده هو الملا مصطفى برزاني الذي يلقبه الأكراد بـ«الزعيم الخالد»، كما شارك مسعود مع والده في تأسيس «الحزب الديمقراطي»، وانتُخب رئيسًا له وهو لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره بعد وفاة والده، كما أنه يتولى حكم إقليم كردستان منذ تأسيسه في تسعينيات القرن الماضي.

الكرد أكبر من الدولة

على الصعيد المقابل، وعودة لأوجلان الذي عاش حياته مناضلًا في الجبال أو متنقلًا بين العواصم هاربًا من الأعداء قبل أن يسقط أسيرًا في يد الحكومة التركية، في مؤامرة دولية اشتركت فيها عدة أجهزة مخابرات للإيقاع به، ليُنقل على إثرها في طائرة خاصة من اليونان لتركيا ويحكم عليه بالإعدام، قبل أن يُخفّف الحكم فيما بعد للسجن الانفرادي مدى الحياة.

أسفرت سنوات السجن عن تحول أوجلان لفيلسوف له مريدون وأتباع، فهو «آبو» كما يُطلق عليه باللغة الكردية، ومؤيدوه هم «الآبوجية»، وكلماته ترانيم يتغني بها أتباعه بسوريا وتركيا، وكتبه مراجع تتدارسها شبيبة «حزب العمال الكردستاني» بتركيا والاتحاد الوطني بشمال سوريا.

وخلال سنوات سجنه، توصل أوجلان لما أطلق عليه اسم «حل الأمة الديمقراطية»، وهو الحل الذي يرفض الدولة القومية بكل أشكالها، باعتبارها أحد أشكال السلطة المتوغلة في المجتمع.

أسفرت سنوات السجن عن تحول أوجلان لفيلسوف له مريدون وأتباع، فهو «آبو» كما يُطلق عليه باللغة الكردية، ومؤيدوه هم «الآبوجية»

في كتابه «القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية»، المكتوب داخل السجن هو الآخر، يرى أوجلان أن الأكراد أمة أكبر من فكرة الدولة القومية، والتي يعتبرها «قفصًا حديديًا للمجتمعات»، كما يعتبر الصراع في سبيلها «حربًا من أجل الرأسمالية»، كما ورد

في هذا الكتاب، يقول أوجلان إن «الأمة شيء يحتم وجود الدولة، وإذا كان الكرد أمة فمن الضروري وجود دولة لهم، بيد أنني انتبهت إلى أن مصطلحي الحرية والمجتمعية [أو حكم المجتمع لنفسه] أثمن بكثير.»

يرى أوجلان أن الأمة الديمقراطية هي التي تتشارك فيها جميع مكونات المجتمع، بلا تمييز لقومية ولا إقصاء لعرق أو دين، أمة يحكم فيها الشعب نفسه وفق نظام فيدرالي تتوزع فيه السلطات والثروات، نظام ليس فيه زعيم ملهم ولا وزير مقرب، لا حصانة فيه لمسؤول ولا إقصاء فيه لخفير.. الكل سواسية أمام القانون.

بين برزاني وأوجلان، بين الأمة والدولة

الفرق بين دولة برزاني وأمة أوجلان أن الأولى برلمانها معطل بأمر رئيسها المنتهية فترة رئاسته، حيث برزاني يريد صنع دولة يحكمها ويتحكم في شعبها، ولا مانع فيها من توريث السلطة لأبنائه. برزاني نتاج ثقافة الأهل والعشيرة و«الأقربون الأولى بالمعروف»، فابنه وزير الأمن ونجل شقيقه رئيس وزراء الإقليم.

أما الأمة الديمقراطية التي يحلم بها أوجلان، فتتجسد في فيدرالية شمال سوريا التي بدأت فيها الجمعة الماضية انتخابات الكومينات «القرى والنجوع»، وفي أفكاره هو نفسه الذي يرى الحرية أغلى من الدولة، ويسعى لخلق شعب يحكم نفسه بنفسه، والذي هو نتاج عقل يبحث عن الحرية والتحرر الفكري، لكونه قضى قرابة عقدين من عمره خلف القضبان مدافعًا عن فكره وأمته.

أمة أوجلان تتطابق بشكل كبير مع فكرة دولة المواطنة التي طالبت بها ثورة يناير في مصر، أما دولة برزاني فيبدو أنها لن تختلف كثيرًا عن دولة مبارك التي أسقطتها ثورة يناير.

وبين «الأمة» و«الدولة»، بين سلطوية طبقة حاكمة، وشعب يبحث عن حريته، سيظل الصراع قائمًا.

اعلان
 
 
محسن عوض الله