Define your generation here. Generation What
غُرباء في دبي: ثلاثة أفلام ودولتان وكريس ماركر
 
 

في 20 يناير 2010، وفي الواحدة والنصف ظهرًا اكتشف طاقم الإدارة بفندق «البستان روتانا» في دبي، نزيلًا متوفيًا في الغرفة 230، والتي عُلّقت على بابها من الخارج لافتة «عدم الإزعاج». كان الطاقم قد حاول الوصول إليه عن طريق الهاتف أكثر من مرة، لكن لم يتلق ردًا. بالفحص المبدئي تبين أن سبب الوفاة هو ارتفاع الضغط في المخ.

كانت الحادثة لتمر لولا أن المتوفى كان «محمود المبحوح»، أحد كوادر الجناح العسكري لحركة حماس.

انشغلت السلطات الإمارتية بالحادث، وقررت تشريح الجثة للوقوف على الأسباب الدقيقة للوفاة، وخرج التقرير مؤكدًا أن الوفاة لم تكن طبيعية. عيّنت الشرطة الإمارتية، بقيادة «ضاحي خلفان»، فريقًا للتحقيق، تمكّن في غضون 24 ساعة من كشف هوية منفذي العملية وتقديم خريطة وافية بتحركاتهم في دبي يومها. بعدها بفترة قصيرة، أخرجت شرطة دبّي شريطًا مصورًا، يحمل روايتها التفصيلية عن عملية الاغتيال، معتمدة فيه على كاميرات المطار، بالإضافة لإفراغ كاميرات المراقبة بفندق «البستان روتانا» وعدد آخر من فنادق دبي.

قام فريق التحقيق بعمل مونتاج للأرشيف المتوفر، ملخصًا رؤيته في 27 دقيقة، يعلّم فيها المتهمين بدوائر حمراء، موفّرًا شرحًا لما يجري في كل مشهد، ومقترحًا تسلسلًا زمنيًا للأحداث، بحيثُ كُتب تحت كل لقطة تأريخًا لوقت حدوثها بالدقيقة. وعلى نهج الأفلام التشويقية، يسير الفيلم بطريقة مقسمة إلى فصول: «قبل يوم واحد من الواقعة» ثم «19 ساعة قبل الواقعة» إلى أن نصل لـ«الجريمة تمت بالفعل».

«هذا فيلم!» كانت الجملة التي أخذت تتكرر في بالي في المرة الأولى التي شاهدتُ فيها الشريط على يوتيوب. فكرت أنني لو كنت بصدد إعداد برنامج سينمائي عن ثيمة الأرشيف، كنت لأعرض هذا الفيديو كفيلم تجريبي حدث بالصدفة أن كانت جهة إنتاجه هي شرطة دبي. ففيلم عملية الاغتيال لا يتضمن لحظة الاغتيال نفسها، ولا حتى تسجيلات لمحادثات بين المتورطين، أو أي شيءٍ ملموس تستطيع وضع يدك عليه، وإنما هو عبارة عن لقطات متتابعة لأفراد يسيرون في طابور المطار، أو يتحدثون مع موظفي استقبال فندق ما، أويتجولون في الطُرقة أمام الغرف أو يتسوقون في مول تجاري؛ ما يجعل من توليف الشرطة الإماراتية لخطة سير الحادثة يعتمد في جزء منه على التكهن والتوفيق بين المعلومات الفعلية المتوفرة لديهم، وبين أرشيف كاميرات المراقبة.

كل هذا كان قبل علمي أن أحدًا ما بالفعل قد فكّر في سينمائية الفيديو، وهذا الأحد كان السينمائي الفرنسي «كريس ماركر» الذي استخدم مادة الشريط لإخراج آخر أعماله «استراحة على الطريق في دبي».

في الـ27 دقيقة، مدة الفيديو، يقدم لنا الشريط رواية اغتيال المبحوح، أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام، الذي دخل دبي يوم 19 يناير 2010 بجواز سفر تضاربت الأقوال حول صحته، يحمل اسم «محمود عبد الرؤوف محمد حسن». تتهم الرواية جهاز الاستخبارات الاسرائيلي، الموساد، وتقترح تورط 24 متهمًا من جنسيات مختلفة في العملية.

ولأن الفقرة السابقة تحوي كلمات مثل «الموساد»، «كتائب» و«جواز سفر»، يتوجه الذهن بالضرورة ناحية أفلام الجاسوسية الرخيصة، التي يخبئ فيها الأبطال الميكروفيلم ويرتدون شعورًا مستعارة وينتحلون هوياتٍ مزيفة، كذلك من المعتاد التندّر على هذه الأفلام، وعدم التعامل معها إلا في إطار التسلية الطريفة والمبالغات الفانتازية، أو في أفضل الأحوال الاستمتاع بحبكاتها الدرامية القديمة المعتمدة على صعوبة التواصل بين الأطراف المعنية؛ بوصفها تنتمي لـ«زمن الجاسوسية الجميل».

لأن الفقرة السابقة تحوي كلمات مثل «الموساد»، «كتائب» و«جواز سفر»، يتوجه الذهن بالضرورة ناحية أفلام الجاسوسية الرخيصة

لكن المفاجئ في رواية الشرطة الإمارتية أنها اقترحت هذا بالضبط، أن المخططين، وفي عام 2010 وبعد كل هذا التطور التكنولوجي، استخدموا هذه الطريقة تحديدًا؛ طريقة الأفلام التشويقية الكلاسيكية، بكل عناصرها من جوازات سفر مزورة وأشخاص متنكرين وأجهزة اتصال مشفّرة.

يعرض الشريط خطوات سير المتهمين بدقة، ويخصُّ بالتحديد خمسة متهمين رئيسيين يبدو أنهم الأكثر أهمية، كما أنهم من أمكنَ تعقُّب جميع خطواتهم بالكامل منذ لحظة وصولهم وحتى المغادرة، في فترة لم تتعد الأربع وعشرين ساعة.

أبطال فيلمنا الأساسيون هم جيل فوليارد وكيفن دافيرسون ومايكل لورانس وجيمس ليونارد وبيتر ألفينج، ولا داع للإشارة لكون جوازات سفرهم التي تحمل هذه الأسماء، مزورّة.

فيلم شباك: كاميرات وعيون وقحة

تبدأ الحكاية في الساعة 12:09 ليلة 19 يناير 2010، وهي لحظة بداية توافد المتهمين لمطار دبي، إما على نفس الطائرة، في مجموعات صغيرة، أو منفردين، ليتوجهوا بعد ذلك للحجز في فنادق مختلفة.

في الساعة 10:30، يزور بيتر مركز تسوق في المدينة، بينما يصل كل من كيفن وجيل بعد عشرين دقيقة. بعد أربعين دقيقة، تغادر جيل بمفردها، ويلحقها كيفن بعد ساعة، لتسوية حسابه في الفندق الذي لم يكمل فيه يومًا واحدًا، ويغادر متجهًا لحمام فندق ثان، وهناك يُبدّل مظهره ويخرج متنكرًا ليصل في الساعة 14:14 لفندق ثالث. وبعد دقائق يتوالى وصول بعض الأعضاء الآخرين لنفس الفندق، ومنهم بيتر الذي سوَّى بدوره حسابه في فندقه الأول، وجاء هنا لينتظر.

يُفترض أن خلية التنفيذ دخلت الغرفة، إما بالتلاعب في نظام تحكم الباب الإلكتروني، أو بمساعدة قدَّمها كل من جيل وكيفن بطرقهما على الباب مدّعين أنهما من طاقم الفندق.

تسلك جيل نفس مسلك كيفن، فتسوي حسابها في الفندق في الساعة 15:12. تتجه لحمام فندق آخر وتغير هيئتها لنشاهدها تخرج بشعر مستعار أسود، وتذهب لنفس الفندق مع باقي الأعضاء.

في الساعة 15:20 يصل الضحية، محمود المبحوح، والملقّب بين أعضاء الخلية باسم «شاشة البلازما»، لمطار دبي، ويتجه لفندق البستان روتانا، متبوعًا باثنين من أعضاء خلية المراقبة. يصعد للغرفة 230، والتي اختارها بدون شرفة، ليتبعه اثنان آخران، متنكرين في زي لاعبيْ تنس بقبعات تغطي وجهيهما ومضارب في أيديهما. تفترض الكاميرات في هذه اللقطة استخدامهما أجهزة اتصال خاصة، لإبلاغ باقي الفريق برقم الغرفة. وعندما يغادر المبحوح الفندق بعد ساعة، يتبعه أحدهم لإبلاغ الآخرين برقم سيارته.

لم تنف إسرائيل الاتهام ولم تؤكده، ولكن وزير خارجيتها أفيجدور ليبرمان، ولدى سؤاله عن شريط الفيديو الإماراتي، علّق قائلًا:«أعتقد أنكم شاهدتم الكثير من أفلام جيمس بوند، استمروا في مشاهدة المزيد»

في الساعة 15:51، يتوجه بيتر لمركز الأعمال بالمدينة، ومِن هناك يُجري مكالمة لفندق البستان روتانا، ويحجز الغرفة 237 المقابلة لغرفة المبحوح، كما يحجز طائرة متجهة لميونخ في نفس اليوم. أما كيفن فيغادر فندقه في الساعة 16:14 ليتوجه للبستان روتانا، وتتبعه جيل بعد دقيقتين. يصل بيتر لفندق البستان في الساعة 16:40 ليستلم مفتاح غرفته، الذي يسلّمه بدوره إلى كيفن مع حقيبة، قبل أن يغادر الفندق، ويتجه للمطار ليغادر الإمارات بعد ثلاث ساعات.

يصعد كيفن للغرفة 237، تتبعه جيل، وبعد ثلاثين دقيقة يصل لنفس الغرفة أحد الأعضاء الآخرين مرتديًا شعرًا مستعارًا. تتوجه جيل في الساعة 18:21 للجراج لتسلم حقائب لأعضاء آخرين. بعد دقائق، نشهد وصول ما يُفترض أنها خلية التنفيذ الأولى، تتبعها الثانية بعد دقيقتين. وفي توقيت متقارب تصل خلية مراقبة جديدة لتحل محل الأولى التي تغادر الفندق.

يعود المبحوح للفندق في الساعة 20:24، وتتم عملية الاغتيال في غضون دقائق من وصوله، بينما تصور الكاميرات جيل وكيفن وهما يجولان في الطرقة أمام الباب جيئة وذهابًا في نفس التوقيت.

حسب هذه الرواية، يُفترض أن خلية التنفيذ دخلت الغرفة، إما بالتلاعب في نظام تحكم الباب الإلكتروني، أو بمساعدة قدَّمها كل من جيل وكيفن بطرقهما على الباب مدّعين أنهما من طاقم الفندق. حَقنت الخلية المنفّذة المبحوح بمادة مرخّية للعضلات ثم كتمت أنفاسه بوسادة وتركت زجاجة دواء فارغة بجوار السرير لإثارة شبهة الانتحار.

بعد أقل من ساعتين، تغادر جيل فوليارد دبي متجهة لباريس، ويتبعها على مدى 12 ساعة باقي أعضاء الفريق، الذين سيتوزعون بين فرانكفورت وجنوب أفريقيا وزيورخ وهونج كونج، لينتهي فيلم التشويق والإثارة هذا بالنهاية الكلاسيكية لأفلام الجاسوسية.

هو فيلم يشبه «أفلام الشباك»، وبالرغم من «التجريب» في طريقة توليف شرطة دبي للفيلم، إلا أنه تجريب هدف لنقيضه تمامًا؛ لإغلاق كل الاحتمالات عبر «تقفيل فيلم» يسير على نهج كتالوج الأفلام التجارية

من جهتها، لم تنف إسرائيل الاتهام ولم تؤكده، ولكن وزير خارجيتها أفيجدور ليبرمان، ولدى سؤاله عن شريط الفيديو الإماراتي، علّق قائلًا:«أعتقد أنكم شاهدتم الكثير من أفلام جيمس بوند، استمروا في مشاهدة المزيد». أما الجمهور الإسرائيلي فلم يهتم بتصريحات حكومته وإنما شَرع في الاحتفال بمقتل المبحوح، المطلوب الأول لدولتهم، والمتهم بقتل جنديين إسرائيليين عام 1989، وبهندسة صفقات السلاح بين حماس والحرس الثوري الإيراني.

فيلم«اغتيال المبحوح» كان بالنسبة للجمهور الإسرائيلي فيلمًا جماهيريًا، به كل مقومات أفلام الجاسوسية التشويقية، التي تحتفي بقيم المكر والدهاء، لينبهر مشاهدوها بالشخصيات الذكية المحتالة. هو فيلم يشبه «أفلام الشباك»، وبالرغم من «التجريب» في طريقة توليف شرطة دبي للفيلم، إلا أنه تجريب هدف لنقيضه تمامًا؛ لإغلاق كل الاحتمالات عبر «تقفيل فيلم» يسير على نهج كتالوج الأفلام التجارية. الفيلم التجاري لا يعيد بالضرورة إنتاج نفس القصة كل مرة وإنما يحافظ على استثارة نفس النوعية من المشاعر مرارًا وتكرارًا. هو فيلم «آمن» لا يكسر العقد الضمني بينه وبين الجمهور، الذي يفترض أن «خروجة السينما» هي فقرة ترفيهية بسيطة. هو فيلم غير مخيف، لا يمد يده لبعثرة دولاب مشاعر المتفرج.

وكعمل سينمائي ناجح، جرى ترويج ملابس أبطال فيلم «اغتيال المبحوح» التنكرية في المحال التجارية بتل أبيب، وعلى رأسها قبعات لاعبي التنس والشعر الأسود المستعار الذي استخدمته جيل فوليارد. بل وصل الأمر لاستضافة شبيهي«النجوم» في برامج المقالب الترفيهية.

فيلم على فيلم: غريب في فندق

بعد عام من إطلاق شرطة دبي فيلم المبحوح، استخدم السينمائي كريس ماركر مادة الفيديو لصناعة فيلمه الأخير «استراحة على الطريق في دبي».

كان طبيعيًا أن يلفت شريط الاغتيال نظر ماركر، فعالمه السينمائي هو نفسه عالمٌ على وشك النفاد، ينتمي للحظات المعلّقة والمؤقّتة؛ ويَحتفي بالواقفين على الحافة.

في فيديو المبحوح وجد ماركر فيلمه مُكتملًا، بأبطال غُرباء مثل أبطاله، حيث دبي ليست وطنًا لأي منهم، وإنما أرض غريبة يزورونها كسائحين، ولم يمكثوا فيها لأكثر من أربع وعشرين ساعة، كانت بالنسبة لهم مجرّد ترانزيت قصير. في الفيديو مطار وفندق وقصة جرى توليفها من الأرشيف ومن أفكار عن الترحال والاغتراب، ووجدت طريقها بسهولة لسينما كريس ماركر.

في أفلامه، اعتاد ماركر، بوصفه مغتربًا مثاليًا غير مقتنع بالواقع، أن يتأمله.

«التأمل»، في أحد معانيه، يعني القبول، أو بالأحرى الاضطرار لقبول ما نتأمله، لأن له سطوة لا يمكن تجاهلها ولا التماهي معها، وليس أمامنا إلا الرضوخ لها على مضض، أو ارتشافها مدعين الاستمتاع. أنت لن تتأمل ما أنت منخرط فيه، بل اغترابك هو ما يدفعك لتأمله، كوسيلة لتضييق الفجوة. مسيرة ماركر هي مسيرة من التأمل والاغتراب؛ ينتبه للعالم في لحظاته القلقة، يتأمله من المطار والسفارة والبلد الأجنبي.

أما المراقبة، بوصفها أحد الأداءات القريبة من التأمل، فيلجأ إليها اثنان، المغترب والمتسلط. ومع تفاوت ميزان القوة بينهما، إلا أن التخوف من عدم إحكام السيطرة يجمعهما. كفعل وحيد ومتخف، تُشبِع المراقبة شهوة الاقتحام وتسكّن آلام الخوف من المجهول، وتخلق في أحيان قليلة تلك الرهافة الناتجة عن الإنصات.

يتغلب المغترب على سطوة الواقع، عبر فعل المراقبة المُطَمْئِن لإيحائه بالسيطرة. أما المتسلط فيحاول التأكيد على نفوذه بالتتبع الدقيق للمراقّب، مثلما رمت شرطة دبي، عبر نشرها لتسجيلات الكاميرا، للتأكيد على امتلاكها زمام الأمور. فيلم الشرطة الإمارتية خارج من منطقة المراقبة، بينما فيلم كريس ماركر «استراحة على الطريق في دبي» قادم من منطقة التأمل.

في فيديو المبحوح وجد ماركر فيلمه مُكتملًا، بأبطال غُرباء مثل أبطاله

«استراحة على الطريق في دبي» هو فيديو الشرطة كما هو، بدون أي حذف أو تعديل؛ فقط يضيف ماركر عليه شريط صوت يغير كل شيء. فماركر الذي اختار اسمه المستعار من قلم «ماجيك ماركر»، والمستخدَم لتظليل الأجزاء المهمة في الصفحة، يوظّف شريط الصوت كوسيلة للانتقام من سطوة الصورة/ ما هو حادث بالفعل. هو لا يشتغل في أفلامه بالصور، ولكن على الصور. لذا يأتي عمله على موجتين؛ يخلق الصور ويأخذ مسافة يتأملها منها، ثم يضيف عليها طبقة أخرى.

في اشتباكه مع فكرة الواقع، لا يلجأ ماركر للإمكانية السهلة التي تتيحها السينما الروائية للمغتربين، بإشاحة النظر عن واقعهم الحقيقي، وإنما يضع الكاميرا بينه وبين الواقع. العالم يحْدُث وماركر يعلَق عليه، يعيد إنتاجه ببصمته، مخربًا الصورة التي تجسّده، باستخدام شريط صوت يشوّش على ما تسعى إليه الصورة، أي الإقرار بأن هذا «يحدث فعلًا».

يشتغل ماركر أيضًا على تمويه فكرة «الحاضر»، ليتألف خطه الزمني من ماض ومستقبل، من «ما حدث» و«ما يُتطلع إلى حدوثه»، ما يجعل أعماله تجمع بين إحساسين غير متجانسين؛ الرِثاء والاستشراف.

شريط الصوت في فيلم «استراحة على الطريق في دبي» عبارة عن مقطوعة موسيقية، ليست من تأليفه هي الأخرى، وإنما هي عبارة عن مقطع من السيموفنية رقم 3 لهنريك جوريكي، واقتبس عنوانها «الأغاني تُغنّي» من آخر سطر في قصيدة لفيلمير خليبينكوف، أحد رواد حركة المستقبلية الروسية: «عندما تموت الأحصنة، تزفر. عندما تموت الأعشاب، تذبل. عندما تموت الشموس، تغادر. أمّا عندما يموت الناس، فإنهم يغنون أغاني».

أخذ ماركر المقطوعة كما هي، وركّبها على الفيديو، ليصنع بها جنازة للمبحوح، فعندما يموت الناس، لابد أن يحدث صخب. وبالإضافة للطابع الدرامي والجنائزي في الموسيقى، تُقدّم كواليسها بُعدًا آخر، يتوافق مع الخط الزمني الخاص بماركر. فجوركي البولندي مشغول في موسيقاه بفكرة التفكٌّر في الماضي، كونه حورب مرارًا من دولته التي حظرت موسيقاه وسلبت منه جواز السفر. أما الشاعر الطليعي خليبينكوف فكان مهتمًا، بالإضافة لتجديده في شكل القصيدة، بكتابة مقالات عن تصوراته لطبيعة الحياة في المستقبل، مقترحًا في إحداها أن يسكن الناس في مكعبات زجاجية يسافرون فيها.

في فيديو المبحوح مطار وبلد أجنبي وجوازات سفر مزورة وكاميرات تراقب الواقع وأبطال يحاولون مغافلتها، ورجل يموت غريبًا في فندق. ربما وجد ماركر في الفيديو كل الثيمات التي شغلته طوال حياته الفنية، جاهزة دون أي تدخل منه، ليصنع بها، وقبل رحيله بعامٍ واحد، فيلمه الأخير «استراحة على الطريق في دبي».

فيلم سياحي: كأوروبي يساري في أوائل الستينيات

«هذه الأرض تتكلم إليك من خلال العلامات. علامات الأرض والمياه والإنسان. هذه هي الأرض الموعودة، هذه القدس على الأرض. هذه هي إسرائيل. بالتأكيد سمعتَ عنها. الدولة ذات الـ12عامًا، بسكان يبلغ عددهم مليونين، سيصبحون عما قريب ثلاثة ملايين.»

يرد الاقتباس السابق في مقدمة الفيلم الوثائقي الفائز بجائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي عام 1961. اسم الفيلم «وصف للكفاح» مأخوذ من عنوان قصة قصيرة لفرانز كافكا، أما مخرجه فهو كريس ماركر.

ماركر: هذه الأرض تتكلم إليك من خلال العلامات. علامات الأرض والمياه والإنسان. هذه هي الأرض الموعودة!

لن تُخطئ بصمته، التعليق الفلسفي والشاعري، وإن جاء هنا بنبرة مخيبة للآمال؛ مجوّفة وتشبه صوت معلقي الأفلام التسجيلية السياحية التي تتقاطع مع الأفلام التجارية في «نقطة التقفيل»، وفي كونها تروم لإثارة حزمة من المشاعر التي يحددها صانع العمل مسبقًا. الفيلم السياحي فيلم دعائي، له أهداف ترويجية؛ التبشير والإبهاج. ورغم كون أهم أفلام كريس ماركر صُوّرت دائمًا عن «هناك»، إلا أنه ليس سائحًا سينمائيًا. هو فقط يوظف المسافة الحتمية التي يفرضها التواجد في مكان غريب، لتكون مجرد حاضنة تتداعى داخلها أفكار تأملية وذاتية.

لكن في هذا الفيلم الذي صنعه في بداياته، تعامل ماركر، للمرة الوحيدة في مشواره السينمائي، مع المكان الغريب كـ«سائح»؛ كسائح أوروبي تحديدًا، فالفيلم السياحي، لا يُعرّف فقط بالمكان الجديد، ولكنه يستبطن أيضًا جذور صانعه.

بعد سبع سنوات وصل ماركر للجواب، فبعد حرب 1967، سحب فيلمه «وصف للكفاح» من التوزيع، وامتنع عن التعليق عليه

بوصفهما الشخصين المنوط بهما تمثيل «الاغتراب» في العالم، يتلاقى «السائح» مع «المهاجر»، في انتماء اغترابهما للنظام الرسمي للأشياء. هو اغتراب محمود ومُعترَف به ومصدّق عليه بأختام رسمية. لكن بينما تؤرق المهاجر فكرة عدم الأُلفة المصاحبة للوطن الجديد، ويشغله هاجس الانتماء، فإن السائح لا يكترث بالفكرة، وإنما يحتفي بالمسافة التي تخلقها، واعيًا بكونها سر استمتاعه، بل ويؤكد عليها بنفسه من خلال عملية التقاط الصور من منظوري «الغرابة» أو «الطرافة»، مؤجلًا فكرة «الانتماء». ولأن اسرائيل عبارة عن تجمع من المهاجرين، فيمكن اعتبار فيلم «وصف للكفاح» فيلم «السائح» عن «المهاجر».

مدفوعًا بعقدة الذنب الأوروبية تجاه اليهود، يصوّر ماركر إسرائيل، يصنع فيلمًا كان رغم حساسيته الفنية، متخمًا بمقادير الخلطة الدعائية. بفرحة الاكتشاف الساذجة، يصوّر المدن والجبال والبحر، احتفالات السفارديين بأعيادهم، المدرسة والمعبد والسوق؛ إسرائيل كحلم مشرِق في بدايته، إسرائيل المستقبل؛ التي تحمل بذور نظام مُبشّر لشكل الدولة الحديثة، بالنسبة لأوروبي مثقف يساري في أوائل الستينات يشعر بالسأم من حضارته، ويفتّش عن الأمل وعن المختلِف في مكانٍ آخر.

بفرحة الاكتشاف الساذجة، يصوّر المدن والجبال والبحر، احتفالات السفارديين بأعيادهم، المدرسة والمعبد والسوق

يتجول ماركر بين المدن كسائح مشدوه، ويستعرضها جغرافيًا في حماس: «هذه هي إيلات، التي من المنتظر أن تصبح كميناء السويس أو ميامي»، و«هذا سهل الحولة الأخضر الذي كان يومًا ما موطنًا للملاريا والصراعات»، و«مدينة الجليل، التي حلم بها الكثيرون؛ المسيح والملوك والعابرون. حلموا ببلد تدعى إسرائيل، حين يجتمع الرعية مجدّدًا تنفيذًا لوعد قديم».

ولأن الفيلم السياحي تبشيري فهو مبهج بالضرورة، وهل هناك أكثر إبهاجًا من رؤية أطفال يمرحون؟ الأطفال هم المجاز الأكثر نمطية عن الحياة النابضة. لذا يحتل الأطفال، في حدود الثانية عشرة، من نفس عمر الدولة، أغلب لقطات الفيلم؛ صغيرات يمرحن على الشاطئ، أطفال يسبحون في النافورة، أفراد من الكشافة المدرسية يسيرون في موكب موسيقي رافعين العلم. ولأنهم يمثلون المستقبل مثل دولتهم الحديثة، يستحضر ماركر لهم ولها تاريخًا، فبجانب إشارته لقصة مدينة سدوم، يشير لشمعون بَر كوخبا، قائد ثورة تمرد اليهود ضد الرومان، والذي «كان أحفاده حطبًا لجميع أعداء اليهود، من هامان وحتى هتلر».

هل هناك أكثر إبهاجًا من رؤية أطفال يمرحون؟ الأطفال هم المجاز الأكثر نمطية عن الحياة النابضة

فيلم «وصف للكفاح» مهم للغاية من الناحية الأرشيفية، ليس فقط للقطات النادرة والفنية التي صوّرت إسرائيل في بداية نشوئها، ولكن لأنه يحمل تصورًا عن كيفية نظر أوروبا لهذه الدولة في هذا الوقت. في أحد أهم المشاهد نتابع اجتماعًا للكيبوتس في قاعة متواضعة، تبدو السكينة على وجوه الحاضرين، بينما تغزل إحداهن التريكو في وداعة مُنصِتة للسيدة التي تحاول عدَّ الأصوات للتصديق على قرار ما، فيما نستمع لتعليق صوتي يُلخِّص آمال اليسار الأوروبي حينها، الذي نظر للتجربة في شغف:

«إذا كان الكيبوتس يحمل سمات إسرائيل، فيمكننا هنا ملاحظة أن القرارات تُتخذ بالنقاش الجماعي. إنها التمثيل المطلق لفكرة الديموقراطية. هؤلاء الناس لا يملكون أي شيء في العالم، بل تُلبَّى كل احتياجاتهم من خلال مجتمعهم الصغير هذا. هنا يُربَّى الأطفال وتجري رعايتهم بشكلٍ تشارُكي، وكل أسبوع يعقدون هذا الشكل من اليوتوبيا».

ماركر: إذا كان الكيبوتس يحمل سمات إسرائيل، فيمكننا هنا ملاحظة أن القرارات تُتخذ بالنقاش الجماعي

يحوي الفيلم أيضًا لقطات أرشيفية نادرة للاجئين يهود على متن سفينة متجهة من روما إلى فلسطين في ديسمبر 1947. نشاهد سيدات مرهقات بأسمال فقيرة وأطفال رقيقي الحال مثيرين للشفقة، وهم يتكدسون فوق بعضهم، بينما نستمع لوصلة جلد للذات: «نحن السبب. نحن أوروبا المتحضرة. دفعنا الآلاف من الناس للهرب منا. نحنُ ألمانيا وما ارتكبته من جرائم، نحنُ فرنسا وعدم تسامحها مع الاختلاف، حتى عندما لجأ اليهود لإنجلترا، أعادتهم هذه للمخيمات.»

ولأن الإنسان لا يمكنه التعامل مع أكثر من عقدة ذنب، يحاول ماركر كأوروبي تبرير حرب 1948 التي، على حد قوله، لم تكن في الحسبان، فـ«إسرائيل وُلدَت من الحرب التي وقعت لقلة البصيرة. لم يتوقع هرتزل سفك الدماء، ولم تستطع إنجلترا تخمين تبعات وعدها لليهود بوطن. ولم يأت على بال الغَرْب أن العَرب سيقاومون».

بالتالي تُصوَّر «الأقلية العربية» بما يتماشى مع الأجواء الحالمة، فهؤلاء مجموعة من البدو يحتسون الشاي في خيمة ويتفاخرون بسلالات خيولهم. وهذه فتاة، تنظّف البيت وترعي أشقاءها، وتعترف أن ما يهون عليها انتظار الانتقال لشقة جديدة، هو الرقص الذي تحبه أكثر من أي شيء.

كلمة «الكفاح» الواردة في عنوان الفيلم، ترمي للإشارة لنوعين من كفاح اليهود؛ الأول هو شتاتهم وشقاؤهم في البلدان الأوروبية، والثاني كفاحهم في دولتهم الوليدة من أجل صمود «مثالية التجربة»، التي يُخشى عليها من الخدش، ومن النزعة الاستهلاكية على غرار الدول الغربية. يتساءل ماركر عن عمر براءتهم المفترض وعن الكيبوتس: «إلى أي مدى سيستمر نقاؤهم، وهم هنا أسرى مثاليتهم؟»

يتساءل ماركر عن عمر براءتهم المفترض وعن الكيبوتس: «إلى أي مدى سيستمر نقاؤهم، وهم هنا أسرى مثاليتهم؟»

بعد سبع سنوات وصل ماركر للجواب، فبعد حرب 1967، سحب فيلمه «وصف للكفاح» من التوزيع، وامتنع عن التعليق عليه. وبعد 51 عامًا قدم فيلمًا آخر عن نفس الدولة، ولكن بعد أن اشتد عودها وأصبحت تقوم بعمليات اغتيال استعراضية ترمي بها لرسم صورة ذهنية عن جبروتها.

أما بعد عامين من وفاته، في عام 2014، فتتعاون «أرجوس فيلم»، الشركة المنتجة لفيلم «وصف للكفاح»، مع أرشيف الفيلم الاسرائيلي، وبمساعدة المركز القومي الفرنسي للسينما، على ترميم الفيلم الذي كان متكتّمًا عليه، وإعادة إصداره.

اعلان