Define your generation here. Generation What
«قانون الفتوى».. محاولة للتنظيم أم للسيطرة؟
 
 

أثارت فتوى دينية تسمح للزوج بمعاشرة جثة زوجته جنسيًا، والتي أطلقها أحد أساتذة جامعة اﻷزهر، لغطًا جديدًا حول ما يعرف بفوضى الفتاوى الدينية، وأعادت إلى السطح مطالبات بالحاجة إلى تنظيم الفتاوى والسيطرة عليها.

ورغم أن أستاذ اﻷزهر نفى أن يكون هذا هو المقصود من تصريحه، وأكد أن «فتواه تعرضت للتحريف»، إلا أن انتقادًا للفتوى قدمته سعاد صالح، أستاذة الفقه المقارن بجامعة اﻷزهر، زاد من اللغط وحدة الجدل حول فوضى الفتاوى، حيث دللت على عدم صحة الفتوى بأن «بعض الفقهاء أباحوا معاشرة البهيمة من الحيوانات» ﻷنه لا عقل أو تكليف عليها. وبالتالي، فإن فتوى معاشرة الزوجة الميتة بالنسبة لها تقيم الشبه بين الزوجة الميتة والبهيمة، وهو اﻷمر الذي تستنكره.

أثارت الفتوى جدلًا كبيرًا لكونها تحمل صورة مقززة يصعب تجاهلها تتعلق بممارسة جنسية مع جثة. كما أنها تأتي من أستاذ بجامعة اﻷزهر، والتي يفترض أن تحمل لواء تجديد الخطاب الديني، وهو اﻷمر الذي مثل عنوانًا أساسيًا من عناوين سياسة الحكومة المصرية خلال اﻷعوام السابقة.

وفي تعليقه على الفتوى، طالب شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في مقال له بجريدة «صوت الأزهر»، أمس الأربعاء، بـ «بالحجر على أصحاب الفتاوى الشاذة؛ لأنها تضر المجتمعات»، محددًا الجهات المخول لها إصدار الفتوى وهي: «الهيئة الكبرى “هيئة كبار العلماء”، ومجمع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء، ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، ولا يكون ذلك لفردٍ أو أفراد»، محذرًا «من اختيار المسلم الحكم الشرعي بمزاجه مستفتيًا  قلبه؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان يميل قلبه إلى ما يحقق له رغباته ومصالحه الشخصيةَ».

وفيما يبدو تنصلًا من صاحب فتوى جماع الجثة، أشار الطيب في مقاله إلى أن بعض ممن ينتسبون إلى الأزهر «يحيدون عن منهجه العلمي المنضبط»، وبالتالي «الأزهر الشريف ليس مسئولًا عن هؤلاء الشاردين عنه».

كان البرلمان قد أدلى بدلوه في القضية في مايو الماضي، حين وافقت لجنة الشؤون الدينية في اجتماع مشترك مع لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على النص النهائي لمشروع قانون تنظيم الفتوى العامة، المقدم من النائب عمرو حمروش. يتوعد القانون المتسببين في هذه الفوضى بالحبس.

ما هي الفتوى؟

يلاحظ بحث فقهي نُشر في مجلة البحوث اﻹسلامية التابعة للرئاسة العامة للبحوث العلمية واﻹفتاء بالمملكة العربية السعودية أن الأصل اللغوي لكلمة فتوى يأتي من «الفتى»، وهو الشاب القوي الحدث. يقول البحث: «وكأنه -أي المفتي- يقوي ما أبهم ببيانه وقوته العلمية».

من ناحية الفقه اﻹسلامي، يلخص البحث مفهوم الفتوى بحسب ما اجتمعت عليه معظم التعريفات بأنه «الإخبار عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام». التعريف ذاته تعتمده دار اﻹفتاء على موقعها.

بهذه الطريقة، يكشف الفارق بين المفهوم اللغوي للفتوى وبين مفهومه الفقهي تناقضًا دائمًا في هذه المسألة الحساسة. مفهوم اللغة حول «الشاب القوي»، الذي يوضح اﻷمور المبهمة بعلمه، ينم عن شكل من أشكال السلطة الرمزية التي يكتسبها المفتي، لكن شرط «عدم اﻹلزام» الذي يحدده المفهوم الفقهي يُضعف من هذه السلطة الرمزية وتأثيرها. يمثل هذا التناقض سمة ملازمة لكل جدالات الفتاوى: ليست ملزمة لكنها تأتي من سلطة ما يفترض احترامها.

يضيف البحث أن قيد «عدم اﻹلزام» هو الفارق اﻷساسي بين الفتوى والقضاء: «فالمفتي يبين الحق للسائل ولا يلزمه، أما حكم القاضي فهو ملزم واجب التنفيذ».

هل يكفي القانون؟

على الرغم من عدم إلزامها، مثلت قضية الفتوى أولوية محورية للمؤسسات الدينية على اختلافها. أحد اﻷمثلة على هذا كانت معركة وزارة اﻷوقاف مع الشيخ ياسر برهامي، أحد أبرز قيادات تيار «الدعوة السلفية» في اﻹسكندرية.

في ديسمبر 2015، أصدر وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية قرارًا بمنع برهامي من اعتلاء المنابر أو إلقاء الدروس فى مساجد الإسكندرية. القرار جاء بعد خطبة تناولت أعياد الميلاد والأقباط وأفتى فيها بعدم جواز تهنئة المسيحيين فيها.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يثير فيها برهامي جدلًا بسبب آرائه ومواقفه الدينية. مع هذا، استعاد برهامي تصريح الخطابة من وزارة اﻷوقاف مرة أخرى، لكن تحت إشراف مستمر منها. مدير عام المتابعة بمديرية أوقاف الإسكندرية، محمد لطفي، قال في أبريل الماضي إن الشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية، «ملتزم حرفيًا بجميع تعليمات وتوجيهات الوزارة بشأن ممارسة الخطابة، وينفذ الضوابط نصًا، ما جعل الوزارة لا تمانع في تجديد التصريح له شهريًا»، مؤكدًا تواجد إمام وخطيب معين من الوزارة في المسجد الذي يخطب فيه برهامي، «لمتابعته بشكل جيد والتأكد من عدم مخالفته».

على ضوء هذا، يمكن فهم مشروع قانون حمروش. تحظر المادة اﻷولى من القانون «التصدي للفتوى العامة إلا إذا كانت صادرة من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف أو دار الإفتاء المصرية أو مجمع البحوث الإسلامية أو الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف، ومن هو مرخص له بذلك من الجهات المذكورة».

وتعاقب المادة الثالثة «بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر وغرامة لا تزيد عن خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين» لمن يخالف هذا الحظر.

خلال اجتماع للجنة الدينية في أبريل الماضي، اعتبر شوقي علام، مفتي مصر، مشروع القانون «أمرًا مهمًا»، مشيرًا إلى أن خطورة الفتوى في أنها لا تقف عند القول فقط؛ وإنما أصبح لها آثارًا كبيرة في المجتمع.

ويوضح حمروش لـ «مدى مصر» أن الغرض اﻷساسي من القانون هو مواجهة «من يوظفون الفتوى ﻷغراض سياسية أو شخصية أو فتاوى التعصب والتشدد وعدم قبول اﻵخر»، مضيفًا أن القانون يتعلق بتنظيم الفتوى عبر وسائل اﻹعلام بشكل خاص وليست مسألة الفتوى عمومًا.

يضرب حمروش مثلًا بفتوى جماع الزوجة الميتة. يقول إن فتوى مماثلة لا أهمية لها بالنسبة لأولويات المجتمع المصري اﻵن، لكنها تسبب الفتنة في المجتمع.

بحسب رأيه، فإن مشروع القانون يوفر مدخلًا مهمًا للسيطرة على هذه اﻷزمة، ولا يمثل بأي حال شكلًا من أشكال القمع الفكري أو تكميم اﻷفواه.

يختلف عمرو عزت، مسؤول برنامج حرية الدين والمعتقد في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، مع هذا الرأي. طبقًا له، فإن النزوع نحو السيطرة على الفتوى يمثل سمة أساسية في مختلف المدارس الفقهية تاريخيًا. يتم تزكية اﻷشخاص المؤهلين للفتوى بحسب رؤية أرباب هذه المدارس ويُمنحون إجازة فقهية.

ينطبق اﻷمر ذاته على المدرسة السلفية، ويشترك الجميع في أن سلطتهم أدبية وليست مادية. يقول عزت إن اقتصار هذه السلطة على الطبيعة اﻷدبية سمح بشكل من أشكال التعدد الفقهي.

لكن اﻷمر تغير مع الدولة العثمانية. يوضح عزت أن محاولات السيطرة على سوق الفتوى بدأت مع بدايات مأسسة التعليم الديني وقتها، حيث امتلكت مؤسسة «شيخ اﻹسلام»، وهي المقابل التاريخي لدار اﻹفتاء في الدولة العثمانية، سلطة إصدار تراخيص للأئمة والفقهاء لتدريس الدين في اﻷماكن المختلفة، وذلك في إطار محاولات الدولة العثمانية لجعل الدين جزءًا من الحالة القانونية في البلاد.

يشير عزت إلى أن ما يحدث اﻵن يمثل امتدادًا لما بدأته الدولة العثمانية. يرى أن الدولة المصرية تمتلك تصورًا عن دور الدين في الحياة الاجتماعية، ترتكز أولوياته على إقصاء المعارضين السياسيين من اﻹسلاميين، والسيطرة على الميول الدينية المختلفة عن الشائع، وتقليص تأثير الدين على باقي جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية كعمل البنوك وغيرها.

في ضوء هذا، يعتقد عزت أنه يمكن فهم التأكيد المستمر من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة تجديد الخطاب الديني، والذي يستند على ما يسمى بمنهج اﻷزهر الوسطي، كما يمكن فهم مشروع القانون المقترح.

يرى عزت أن محاولات التجديد الديني غير ممكنة اﻵن بسبب غياب اﻹرادة السياسية الحقيقية لها. ويقول إن السلطة تدعو إلى التجديد، لكنها لا تسمح به خوفًا من إمكانية بروز شخصيات كاريزمية تحمل مشروعًا فكريًا مختلفًا يسحب البساط من تحت أقدامها. يصف عزت هذه الحالة بأن «السلطة تعطي للأزهر المكانة لكنها تنزع عنها التأثير». ولهذا أيضًا، تخضع كل الترقيات داخل المؤسسات الدينية إلى قرار اﻷجهزة اﻷمنية وليس إلى مجهودها الفكري، بحسب عزت.

لهذا يصف عزت «منهج اﻷزهر الوسطي» بالخرافة. ويدلل على رأيه بحادثة إيقاف الدكتور يسري جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، عن العمل من قبل جامعة اﻷزهر بعد اتهامه «بالإلحاد ومحاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، والهجوم على التيار الإسلامي، ووصفه بالتيار الظلامي».

لا يعني هذا عدم تدخل الدولة على اﻹطلاق. يقول عزت إن تدخل الدولة في أي نشاط مهني يقتصر على ما يتعلق بالسلامة العامة للمواطنين. «مجال الدين هو مجال اعتقاد ورأي واختلاف»، يقول عزت، «لا يحق للدولة التدخل فيه إلا إذا كان يهدد السلامة العامة للمواطنين». بالنسبة إليه، فإن هذه «هي حدود التدخل في الفتوى والتعليم الديني».

من جانبه، يرى عبد الغني هندي، مقرر لجنة الحوار بالمجلس الأعلى للبحوث الإسلامية، أن ما يقدمه القانون «قليل وليس به أفكار لمواجهة الإشكاليات».

واعتبر هندي القانون غير كافٍ، لأنه لا يهتم سوى بحصر الإفتاء في المختصين، مضيفًا: «الناس لا تلجأ لغير المتخصصين، المشكلة في الآراء الشاذة للمتخصصين على الإنترنت».

ورأى هندي المشكلة الأساسية هي عدم تواجد الأصوات المعتدلة بشكل كافٍ على وسائل الإعلام والإنترنت، ما يجعل الآراء المتطرفة أكثر انتشارًا.

«الكثير من الناس لا يلجأ للجهات الرسمية، ولكن يبحث على الإنترنت ومن يفعل ذلك سيجد الآراء المتشددة أكثر انتشارًا من الإجابات التي هي من صحيح الدين، ماذا فعلنا بشأن ذلك؟»، يقول هندي.

ينتقد هندي أيضًا إعطاء حق الفتوى لعدة مؤسسات في القانون ويرى ضرورة حصرها في مؤسسة واحدة.

اعلان
 
 
محمد حمامة