Define your generation here. Generation What
كوريا الشمالية.. محور حديث السيسي غير المعلن في الأمم المتحدة
 
 

في قلب شوارع حي مانهاتن في مدينة نيويورك تجمع عدد من المصريين اﻷمريكيين يحملون أعلام مصر وصور للرئيس عبد الفتاح السيسي، على خلفية صوتية تحتلها أغنية «تسلم اﻷيادي» لتغطي على أصوات حركة المرور المعتادة في المدينة اﻷمريكية.

«مش هامشي، ما شفناش السيسي لسه، نمشي إزاي؟»، تقولها سيدة مسنة أثناء حملها لعلم مصر.

المجموعة التي تواجدت على ناصية شارعي 49 وماديسون، حيث يفترض أن يكون مقر إقامة السيسي، أتت منذ السادسة صباحًا في حافلات نقلتها من مناطق مختلفة في نيويورك ونيوجيرسي.

ووصل الرئيس المصري إلى نيويورك أمس اﻷول، الأحد، للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في مشاركته الرابعة في الجمعية الأممية منذ توليه الحكم.

وبحسب المتحدث باسم الرئاسة، التقى السيسي بمقر إقامته أمس، الإثنين، مع عدد من الوزراء والمسؤولين اﻷمريكيين السابقين، وقيادات مراكز اﻷبحاث والمنظمات اليهودية والدوائر الفكرية بالولايات المتحدة، كما التقى في اليوم نفسه مجموعة من رجال اﻷعمال اﻷمريكيين الذين أبدوا اهتمامًا بالاستثمار في مصر، حسبما نقلت بعثةمصر لدى اﻷمم المتحدة، والتقى بعد ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أول لقاء معلن بينهما، كما التقى كذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وسيلقي السيسي خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء اليوم، خلال الجلسة الافتتاحية للدورة، على أن يحضر غدًا اﻷربعاء اجتماع مجلس اﻷمن -الذي تشغل مصر مقعدًا غير دائم به حتى نهاية العام- حول إصلاح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

في توقعه لجدول أعمال مصر في الجمعية اﻷممية هذا العام، يقول رامي يعقوب، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، إن الرئيس السيسي سيبرز على الأرجح جهود مصر لمكافحة الإرهاب ويدعو المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم.

ويضيف: «لدى السيسي دائما أجندات محددة.. لم ينحرف أبدا عن رسالته، بل ينتهز الفرصة دائما للترويج للعلاقات مع مصر».

جدول لقاءات الرئيس غدًا اﻷربعاء يشمل كذلك لقاء، ينتظر أن تكون مدته 45 دقيقة، مع الرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب على هامش أعمال الجمعية العامة، وهو اللقاء الثالث للرئيسين منذ وصول ترامب لمنصبه في يناير الماضي.

مصدر مصري حكومي مطلع لفت إلى أهمية لقاء السيسي وترامب قائلًا إن الرئيس المصري ليست لديه النية لفقد الدعم السياسي الذي تقدمه الإدارة اﻷمريكية، والذي ظهر أثناء استقبال ترامب للسيسي في البيت اﻷبيض في أبريل الماضي، وهي الزيارة التي أتت بعد ثلاث سنوات من تولي الرئيس المصري منصبه لم يتلق خلالها دعوة مماثلة من الرئيس اﻷمريكي السابق باراك أوباما، الذي اكتفى بلقاء وحيد جمعه مع نظيره المصري على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2014.

لقاء الغد سيكون اﻷول للسيسي وترامب بعد قرار الإدارة اﻷمريكية الشهر الماضي إلغاء مبلغ 95.7 مليون دولارًا من المنح والمساعدات المقدمة لمصر، بالإضافة إلى تأجيل صرف 195 مليون دولار، ضمن برنامج المساعدات العسكرية، وهو القرار الذي وصفه مايكل حنا -الزميل في المركز البحثي The Century Foundation، ومقره نيويورك- بأنه لن يؤثر سلبًا على العلاقات بين البلدين.

فيما اتفق مصدران مصريان منفصلان على أن القرار اﻷمريكي المتعلق بالمعونة كان صادمًا للقاهرة، رغم التحذيرات اﻷمريكية التي سبقته، وأعربت واشنطن فيها عن غضبها من استمرار التعاون بين القاهرة وكوريا الشمالية، خاصة بعد حديث أمريكي صريح حول توقعات واشنطن من القاهرة في هذا الشأن.

بحسب المصدرين، أتى الحديث اﻷمريكي المقصود على خلفية واقعة توقيف سفينة أسلحة آتية من كوريا الشمالية في طريقها إلى مصر، وربما إلى ليبيا بعد ذلك، بالتعاون مع شركة نقل صينية.

مصدر في وزارة الخارجية المصرية قال إنه كانت هناك محاولات داخل الإدارة الأمريكية لحث ترامب على مساءلة مصر علنًا حول هذا اﻷمر، وصل بعضها لضرورة إثارة اﻷمر في مجلس اﻷمن، بما يمثله من خرق للعقوبات الدولية المفروضة على بيونج يانج، إلا أن ترامب، بحسب المصدر، قرر عدم الذهاب إلى هذا المدى بعد وعد مصري صريح بمراعاة أسباب القلق اﻷمريكي.

وكان مصدر أمريكي قد قال قبل أسابيع إن واشنطن كانت واضحة جدًا مع القاهرة بشأن أي تعاون غير معلن مع كوريا الشمالية في مجالات التسلح، حتى لو كان الهدف من ذلك هو دعم القوى المواجهة للإرهاب في ليبيا.

المصدر الحكومي المطلع قال إن ملف علاقة مصر مع كوريا الشمالية ستكون له اﻷولوية في لقاء السيسي وترامب، مضيفًا أنه في أعقاب مكالمة تلقاها الرئيس المصري من نظيره اﻷمريكي الشهر الماضي، كلف السيسي كبار معاونيه العسكريين والدبلوماسيين بالتفاعل إيجابيًا مع المخاوف الأمريكية من تصاعد التعاون العسكري المصري مع كوريا الشمالية، خاصة مع ما قالته مندوبة أمريكا في اﻷمم المتحدة من أن ملف كوريا الشمالية سيكون أحد الملفات المهمة للوفد اﻷمريكي في نيويورك.

بحسب المصدر نفسه، سيقدم السيسي لترامب خلال اللقاء أربعة نقاط تدعم الموقف المصري في ملف كوريا الشمالية، أولها هو تصويت مصر إيجابيًا، قبل سبعة أيام، لصالح قرار مجلس اﻷمن تصعيد العقوبات الدولية المفروضة على بيونج يانج بسبب تجاربها النووية، وثانيها هو بيان الخارجية المصرية الرسمي السابق للتصويت، والذي أدان تجارب كوريا الشمالية الصاروخية، وكان اﻷول من نوعه من حيث اللغة والمضمون.

ثالث النقاط المصرية، بحسب المصدر، هو قرار القاهرة تخفيض عدد من تم زيادتهم من أعضاء بعثة كوريا الشمالية الدبلوماسية في القاهرة، بناء على تفاهمات تم التوصل إليها خلال زيارة غير معلنة قام بها مسؤول مصري أمني رفيع لواشنطن الشهر الماضي. كانت الزيادة قد تمت دون تدوين عدد من انضموا لسفارة بيونج يانج في القاهرة، وهو العدد الذي تراوح تقدير المصادر له بين عشرة إلى عشرين دبلوماسيًا.

أما رابع النقاط التي ينتظر أن يدفع بها السيسي أمام ترامب هي قرار القاهرة إيقاف التعاون العسكري مع بيونج يانج، وتعليقها عمل مكتب التعاون العسكري في عاصمة كوريا الشمالية قبل أسبوع، وهو القرار الذي تم بالتزامن مع بدء مناورات النجم الساطع بين قوات مصرية وأمريكية، والتي ألمحت واشنطن لاحتمال تأجيل استئنافها بعد توقفها عام 2009، في حال لم تتحرك القاهرة لإعادة النظر في علاقتها ببيونج يانج.

في الوقت نفسه قالت المصادر المصرية إن القاهرة تعلم أن قرار إلغاء وتأجيل صرف أجزاء من المعونة الأمريكية مرتبط أيضًا بتمرير مصر لقانون الجمعيات اﻷهلية.

وبحسب هذه المصادر، كانت القاهرة تعهدت لواشنطن بمراجعة نص القانون الخلافي لمحاولة تحسينه، قبل تمريره دون أي تعديلات، ما أثار حفيظة الخارجية الأمريكية التي نقلت أسباب عدم ارتياحها للسفارة المصرية في واشنطن وللحكومة المصرية في القاهرة.

ولم تتطابق أقوال اثنين من أهم المصادر المصرية حول تعامل السيسي مع هذا الملف خلال اجتماعه بترامب، وما إذا كان سيتعهد قطعيًا بإعادة النظر في القانون مع إلقاء اللوم على بعض معاونيه في تمريره، أم أنه سيحاول تبرير موقفه عبر حديث، أعدت أجهزة أمنية محاوره، حول الحاجة لهذا القانون لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين التي سيذكر السيسي ترامب بمحاولة «تلاعبها باﻷمن المصري والإقليمي».

كما سيشمل حديث السيسي عن الأمن الإقليمي السعي المصري لشرح الجهود المبذولة إزاء الوضع في ليبيا وسوريا، وكذلك في الملفين الفلسطيني-الفلسطيني، والفلسطيني-الإسرائيلي، فضلًا عن سعيه لشرح موقف القاهرة من الدوحة -وهو اﻷمر الذي قالت المصادر المصرية إنه سيتم تكراره في لقاءات أخرى تجمع مسؤولين أمريكيين مع ممثلي الدول الخليجية المشاركة لمصر في مقاطعة قطر- مع اﻷخذ في الاعتبار ما هو متوقع من إصرار سيبديه ترامب حول ضرورة الحوار بين الدول العربية الخمسة للوصول لتفاهمات تضمن الاستقرار الإقليمي.

وفيما اتفقت المصادر المصرية التي تحدثت لـ «مدى مصر» أن لقاء السيسي وترامب لن يكون سلسًا كسابقه، لم تتوقع المصادر نفسها أن تنعكس أي من ملفات النقاش بين الرئيسين في تصريحاتهما العلنية، مرجحين أن تبقى في إطار التصريحات الودودة المعبرة عن الحرص على التعاون المشترك والدعم اﻷمريكي لمصر في مواجهة الإرهاب، والتعاون لتحقيق اﻷمن الإقليمي والعالمي، فيما استبعد أحد المصادر أن يدلي الرئيسان بتصريحات نظرًا لكون اللقاء على هامش أعمال الجمعية العمومية وليس في البيت اﻷبيض.

بخلاف اجتماعه مع ترامب، من المقرر أن يعقد السيسي عدة اجتماعات ثنائية مع قادة وممثلي دول آخرين، منهم وزير الخارجية الايطالي أنجيلينو ألفانو.

كانت العلاقات الدبلوماسية المصرية الإيطالية شهدت توترًا منذ اختفاء واكتشاف جثة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مطلع عام 2016، فيما بدأت العلاقات في العودة إلى سابق عهدها مع عودة تبادل سفراء الدولتين منذ أيام، للمرة اﻷولى منذ استدعت إيطاليا سفيرها في أبريل 2016.

يقول حنا: «من اللافت للنظر انهما يلتقيان بعد الأزمة. من منظور مصر لقد تمكنوا أن ينتظروا أكثر من الجميع وأخروا [التحقيقات]، فتراجع الإيطاليون في النهاية».

وفقًا لرامي يعقوب، فإن هناك فصائل في الحكومة الإيطالية لا تريد تصعيد التوتر في علاقاتها الثنائية مع مصر، لأن هناك مصالح مشتركة مثل صفقة الغاز الطبيعي مع شركة إيني الإيطالية للنفط.

خلال جدول أعماله في نيويورك، من المقرر أن يحضر السيسي غدًا اﻷربعاء اجتماعًا حول تطورات الوضع في ليبيا مع اﻷمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس.

كان اﻷمين العام للأمم المتحدة قد قال خلال مؤتمر صحفي منذ أيام: «إذا طلب مني اختيار موضوع أعتقد أنه بإمكاننا إحراز تقدم فيه على المدى القصير، ويمثل بالنسبة لنا أولوية هامة، فسوف أختار ليبيا».

وأضاف: «أعتقد أن هناك فرصة في ليبيا… سيكون لدينا مرة أخرى لحظة هامة هنا خلال الجمعية العامة لجمع كل الأطراف المعنية وأعتقد أن هناك فرصة للسلام والاستقرار في ليبيا».

كان المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، قد وصل إلى القاهرة في منتصف أغسطس لإجراء محادثات مع المسؤولين المصريين حول حل الأزمة الليبية.

رغم ذلك، يعتقد حنا أن مصر فشلت في إقناع الأعضاء الآخرين بمناقشة نهجها تجاه الأزمة الليبية.

وقال: «كانت مصر تأمل في أن يكون هناك تغيرًا كبيرًا مع وصول ترامب للضغط بقوة لصالح [المشير خليفة] حفتر والحملة العسكرية ولكن تلك اللحظة الحاسمة لم تأت بعد».

وفي حين تدعم مصر قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، تدعم اﻷمم المتحدة رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج.

أما بخصوص التعامل مع القضايا الأخرى في المنطقة، يعتقد يعقوب أن قطع العلاقات الدبلوماسية بين قطر ومصر، إلى جانب بقية دول الخليج، لن يتم ذكره خلال الجمعية العامة، معتبرًا أن الدول العربية «لا ترغب في نشر غسيلها القذر».

فيما يضيف حنا أنه حتى لو لم تجد القضية طريقها إلى جدول الأعمال الرسمي، فإنه سيتم بالتأكيد مناقشتها في جلسات مغلقة. قائلًا: «مصر سوف تطرح الأمر في أي فرصة تسمح بذلك».

ويوضح أن مصر انتقلت من حالة التوتر في علاقتها مع المملكة العربية السعودية في وقت سابق من هذا العام، خلال المناقشات حول ملكية جزيرتي تيران وصنافير، والتي ردت عليها السعودية بوقف اتفاقيات المساعدات المالية لمصر، لتصبح الآن جزءًا من الائتلاف الدبلوماسي ضد «أكثر نظرائهم الإقليميين محل كراهيتهم».

ورأى حنا ذلك باعتباره «تبدلًا كاملًا في موقف مصر، وسيريدون تسليط الضوء على أنهم جزء من هذا التحالف إلى جانب السعوديين والإماراتيين».

وبغض النظر عن جدول أعمال مصر هذا العام، يشعر يعقوب بالقلق إزاء المهارات الدبلوماسية المصرية.

يقول: «لقد تدهورت قوتنا الدبلوماسية». مضيفًا: «إنها في حالة من الغموض، إنها في أزمة.. هي بحاجة إلى أن تكون أكثر مواكبة للأحداث».

بحسب يعقوب، فإن طريقة الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية لم يتم تجديدها منذ أكثر من 20 عاما.

يتفق حنا مع ذلك ويقول “إنهم ليسوا مرنين، فهم يأتون إلى هذه الفعاليات حاملين شعورًا متضخمًا بأهمية الذات ويعتقدون أن مصر لاعب سياسي أكبر بكثير من قوتها في العالم».

ويضيف: «يتصرفون مثلما كانوا قبل 40 عامًا، حين كانت مصر هي المحرك للسياسة؛ إنه دور يرغبون فيه لكنهم غير قادرين على لعبه في الواقع».

فيما يضيف يعقوب أن الوقت الحالي هو عصر الدبلوماسية الديناميكية، مع قادة العالم الأصغر سنًا، والأكثر تنوعًا، وبالتالي فإن مصر بحاجة إلى أن تكون أكثر مرونة في هذه الأنواع من الفعاليات.

ويقول: «لا أعتقد أن مصر تحصل على أفضل ما يمكن من فرصة الاشتراك في الجمعية العامة للأمم المتحدة».

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
بسنت ربيع