Define your generation here. Generation What
في 5 أسئلة.. هل يدعم «الشمول المالي» محدودي الدخل؟
 
 

تستضيف مصر حاليًا المؤتمر الدولي التاسع للشمول المالي، برعاية رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي. وينعقد المؤتمر في مدينة شرم الشيخ السياحية التي تبعد عن القاهرة بأكثر من 500 كيلومتر، وذلك بحضور رؤساء البنوك المركزية لعديد من الدول وممثلين عن المؤسسات الدولية، ليشكلوا السياسات المالية التي تمس محدودي الدخل والطبقات الأكثر فقرًا في المجتمع، يتداولون فيما بينهم مصطلحات متخصصة، قد لا يفهمها أفراد هذه الطبقات المستهدفة، وفي محاولة لعرض معنى «الشمول المالي»، على المستهدفين منه وكيف يؤثر عليهم وعلى الاقتصاد، تحدث موقع «مدى مصر» إلى أربعة اقتصاديين، هم سلمى حسين ورضوى السويفي وعمرو عادلي ونعمان خالد.

  1. ماذا يعني «الشمول المالي»؟ وما أهميته؟

«الشمول المالي» يعني أن يكون كل فرد أو مؤسسة لهم قدرة على الوصول إلى أدوات ومنتجات مالية تكافئ احتياجاتهم وقدراتهم المادية، بحسب تعريف البنك الدولي. ويحدد البنك المركزي المصري خدمات مالية مثل حسابات بنكية، خدمات الدفع والتحويل، التأمين، التمويل واﻹئتمان، وغيرها. ويضيف المركزي أن «الشمول المالي» يعني إتاحة تلك الخدمات  من خلال المؤسسات المالية الرسمية مثل البنوك وشركات التمويل متناهي الصغر والبريد الخ.

وبحسب نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي بشركة سي آي لإدارة الأصول، فإن أهمية «الشمول المالي» تتمثل في أنها تساهم في رفع الدخل الشهري للأفراد، ما يحفز الاقتصاد كما تساهم في دمج مشاريع القطاع غير الرسمي في القطاع الرسمي بما يسمح للحكومة بزيادة إيراداتها الضريبية.

وتؤيد رضوى السويفي، رئيس قطاع البحوث في بنك الاستثمار فاروس، هذا الرأي قائلة إن «الشمول المالي» قادر على «زيادة المعلومات عن التعاملات المالية بما يسمح بتقليل عجز الموازنة من خلال زيادة الإيرادات الضريبية كما يسمح باستهداف أكثر كفاءة للدعم».

لكن عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، قال لـ «مدى مصر» إن مفهوم «الشمول المالي» هو باﻷساس جزء من خطاب المنظمات التنموية العالمية والمنظمات المالية أيضا مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، موضحًا أنه ظهر بنهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات مواكبًا «لبرامج الخصخصة و التقشف وتخفيض موازنات الدول والتوظيف العام للإنفاق على الخدمات الاجتماعية إلى آخره». ويرى «عادلي» أن أهمية «الشمول المالي» تكمن في محاولة دمج الفقراء في السوق، من خلال الشركات متناهية الصغر والمشاريع المنزلية وريادة اﻷعمال، وبالتالي يمكن التعامل مع «الشمول المالي» كإستراتيجية لمكافحة الفقر.

  1.  ﻷي درجة الأدوات المالية متاحة في مصر؟ وكيف تطورت الإتاحة في السنوات الماضية؟

على مستوى الجهاز المصرفي، قال محافظ البنك المركزي، طارق عامر، خلال المؤتمر الصحفي التحضيري للمؤتمر الدولي التاسع للشمول المالي الذي ينعقد من 13 حتى 15 سبتمبر في مدينة شرم الشيخ، إن 32% من السكان  البالغين يملكون حسابات بنكية. وهو ما يرد عليه «عادلي» قائلا إن نسبة عملاء البنوك من السكان البالغين في اﻷعوام السابقة كانت تتراوح بين 10% و 14%،  بحسب مؤسسات دولية والبنك المركزي نفسه، مضيفًا أن ذلك معناه أن الرقم الذي أعلنه عامر لم يكن صحيحًا. ويؤكد أنه «غير منطقي أن تقفز نسبة عملاء البنوك من السكان البالغين، من نحو 14% إلى 32% في غضون عامين، خاصة أن العامين لم يشهدا نمو اقتصادي أو حتى تغير في هيكل إقراض البنوك».

أما بالنسبة لمحاولات تحقيق«الشمول المالي»، فيقول «عادلي» إنها بدأت في مصر خلال التسعينيات حين كانت محاولات «دمج الفاعلون الذين هم طبعًا جزء اﻷكبر منهم إما عاطلين أو في القطاع غير الرسمي، وهؤلاء هم الذين يقومون بوظائف ضعيفة المردود وإنتاجيتها ليست مرتفعة». ويضيف أن ذلك المنطق كان الحاضر في العديد من البرامج، بدءًا من الصندوق الاجتماعي مرورًا بالبرامج التي تقدمها المنظمات غير الحكومية التي تعطي قروض ميسرة للمشروعات متناهية الصغر.

وتقول «السويفي» إن «الشمول المالي» يتضمن زيادة أدوات الدفع الالكتروني سواء الدفع من خلال الموبايل أو  كروت اﻹئتمان أو التحويلات الإلكترونية بهدف خلق منظومة تبعد الناس عن التعاملات بالنقود، وتحقيق منظومة الكترونية تتحكم في كل التعاملات، بالإضافة إلى زيادة الاختراق البنكي –زيادة نسبة عدد عملاء البنك-، وهو ما يمكن تحقيقه بعدة أدوات مثل تشجيع الشركات المتوسطة لفتح حسابات الموظفين، وكذلك تعليم الأفراد والمؤسسات التي تدخل القطاع المصرفي بالفعل كيف يمكن أن تستفيد أكثر من تعاملاتها المصرفية. وبدأ ذلك بالفعل من خلال عدد من مؤسسات قطاع خاص، تعمل على القروض متناهية الصغر مثل شركة «تنمية». وتوضح «السويفي»، أن تحويل صرف المعاشات من البنوك كمثال من اﻷداوت التي لجأت إليها الحكومة.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسي، أصدر في مطلع العام الحالي قرارا بإنشاء المجلس القومي للمدفوعات، بهدف خفض استخدام أوراق النقد خارج القطاع المصرفي، ودعم وتحفيز استخدام الوسائل والقنوات اﻹلكترونية في الدفع بديلًا عنه، ودمج أكبر عدد من المواطنين في النظام المصرفي، وضم القطاع غير الرسمي إلى نظيره الرسمي، وتخفيض تكلفة انتقال اﻷموال، وزيادة المتحصلات الضريبية، طبقًا لما جاء في القرار.

  1. من المستهدف بـ «الشمول المالي»؟

بحسب البنك المركزي فإن المستهدف من «الشمول المالي» هم الشرائح المهمشة مثل الفقراء ومحدودي الدخل، خاصة المرأة وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، واﻷطفال والشباب وغيرهم.

ويتصور «خالد» أن المستهدفين من«الشمول المالي» ليسوا فقط اﻷقل دخلًا لكن أيضًا سكان المناطق البعيدة عن المدن الكبرى، التي لا يوجد بها بنوك.

ويوضح «عادلي» أن «جزء من الاستهداف هو التوجه إلى الناس التي خرجت من أشكال اقتصاد الدولة، كي يتمكن الفقراء من توليد دخول من خلال تعاملات في السوق». ويضيف أن الفقراء بالفعل يعتمدون على أنفسهم لتوليد دخولهم ويتم ذلك بشكل غير رسمي، مثل العاملون لحسابهم الشخصي،  ولكن ذلك يعني أيضا من وجهة نظره، أنهم يمارسون أنشطة بهدف البقاء، وهو أمر مختلف عن خطاب «الشمول المالي» الذي يروج إلى أنهم رواد أعمال قادرون على التوسع.

ويرى «عادلي» أن الاستهداف في مفهوم «الشمول المالي» مبهم، حيث إنه من غير الواضح إذا كان يستهدف الاستثمار من خلال القروض الإنتاج أم المستهلكين. ويرجع الباحث في الاقتصاد السياسي ذلك الغموض إلى التصور أن كل المستهدفين هم فاعلين في السوق. والوقت نفسه يحذر أيضًا من مخاطر التوسع في القروض الاستهلاكية.

  1.  كيف يؤثر إدماج الفقراء في النظام المالي الرسمي عليهم؟

تقول سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن ««الشمول المالي» ليس هدف في حد ذاته إنما وسيلة لتحقيق هدف أوسع. موضحة أنه يمكن استخدام«الشمول المالي» كأحد العناصر التي تستهدف زيادة التوظيف أو في مثال آخر، نرى أن تجربة الصين بـ«الشمول المالي» استخدمت كأحد أدوات خفض الفقر، لكن على الصعيد اﻵخر، نرى في تجربة الهند أنه عندما تم إقراض صغار الفلاحين قروض سلسة وسهلة، أدى اﻷمر إلى «انتحار جماعي» بسبب دخول الفقراء في دائرة مديونية كانوا غير قادرين على الخروج منها بسبب غياب آليات للتعامل مع تعثرهم مثل إعادة الجدولة أو إلغاء القروض.. إلخ».

ويعتقد «عادلي» مرة أخرى أن استهداف زيادة «الشمول المالي» في حد ذاته هو أمر «مبهم»، لأنه لا يوضح ﻷي هدف يتم الاستهداف. مؤكدًا أن «تلك الطريقة في التعامل مع (الشمول المالي) لا تخلق استراتيجية للتنمية».

ويقول «عادلي» إن «(الشمول المالي) حتى اليوم ثابت أن آثاره محدودة من ناحية التنمية، اﻷمر ليس ببساطة أن يجعل المواطنين يتعاملون مع البنوك من خلال فتح حسابات.  على سبيل المثال، تجربة الهند منذ عدة سنوات حيث تبنت برنامج يغطي ملايين، ثم في دراسات لاحقة أدركوا أن الناس لا تتعامل فعليًا مع الحسابات إلا كي تتلقى المال، ما جعل الحسابات كلها خاملة».

لكن تعتقد «السويفي» أن «حتى الحسابات الخاملة وجودها يتيح إلى العملاء استخدامها للتحويل أو في خدمات أخرى، لكن اﻷمر يتطلب زيادة الوعي. ذلك أوضح في خدمة الدفع من خلال الموبايل، وهي الخدمة التي أتيحت بالفعل، لكن معظم حاملي التلفون وهم أغلبية الشعب، لا يعلمون نوعية الخدمات المالية المتاحة من خلال الموبايل، وبالتالي الأمر يتطلب توعية».

من جانب آخر يعتقد «عادلي» أن «اﻷمر مرتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية»، ويضيف أن «حتى بنك جرامين الذي يعد من الاستثناءات التي نجحت، كان الأمر حينذاك مرتبط بقراءة العلاقات الاجتماعية المتواجدة في الريف البنغالي».

ويعد بنك جرامين، الذي أنشأه محمد يونس ليحصد بسببه جائزة نوبل لاحقًا، هو من التجارب الرائدة في إتاحة الخدمات البنكية للفقراء، حين أتاح قروض متناهية الصغر تصل في المتوسط إلى 100 دولار، دون ضمانات، وبناءًا على مشاركة فعالة من المقترضين وثقة متبادلة بين اﻷطراف المختلفة. حقق بالفعل نسبة استرداد للقروض مرتفعة. و في نهاية عام 2015، كان عدد المقترضين أكثر من 8 ملايين شخص، معظمهم من فقراء الريف.

  1. كيف يؤثر التوسع في إتاحة اﻷدوات المالية على القطاع المالي؟

ترى «السويفي» أن «المخاطر على القطاع المصرفي واضحة أكثر في حالة اﻹقراض دون مصدر دخل ثابت أو دون ضمانات، لكن في حالة فتح حسابات فلا توجد مخاطر لكن توجد تكاليف مرتفعة».

وتنوه «حسين» إلى أن عادةً ما يكونوا «الفقراء أكثر انتظامًا في السداد، وبالتالي أقل خطورة من الشركات المتوسطة»، لكن توضح أن تكاليف التعاملات البنكية الصغيرة مرتفعة وغير مجدية للبنوك.

ويضيف «عادلي» أن المشكلة هي أن ربحية المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، محدودة خاصة في بلد مثل مصر التي تعد البنوك فيها تاريخيًا لا تتعامل مع تلك الفئات. كما يرى أن تلك الفئات تشكل أيضًا مخاطر على البنوك، بالتالي «البنوك ليس عندها لا الرغبة ولا القدرة المؤسسية أنها تتوسع في إقراض تلك الفئات».

ويؤكد «عادلي» أن حجم عملاء البنوك في مصر «محدود للغاية حتى مقارنة ببلدان مثل الهند والبرازيل والمكسيك، وذلك بسبب أن الجهاز المصرفي محافظ جدا، كما أنه عازف عن التعامل مع العملاء الصغيرين سواء كمدخرين أو كمقترضين، مضيفًا أن «مصاريف التعامل معهم عالية جدا والعائد صغير جدا. وجزء من ارتفاع التكاليف سببه غياب قاعدة بيانات تجعل العملية تجري بكفاءة».

 

اعلان