«القوائم الحمراء» للإنتربول.. كيف تُعد ومتى تُلغى؟
 
 

جدد ما نشرته تقارير إعلامية بشأن إلغاء النشرة الحمراء الصادرة من منظمة الشرطة الدولية «اﻹنتربول» بحق يوسف القرضاوي، جدلًا ثار مؤخرًا حول خلو القوائم الحمراء قبل أيام من معظم المتهمين الذين سبق إضافتهم بناءً على طلب السلطات المصرية من قبل.

ورغم أن مصدرًا مسؤولًا بقطاع الأمن العام بوزارة الداخلية قد نفى ما ورد بشأن إلغاء نشرة القرضاوي بحسب ما نشرت صحيفة «المصري اليوم»، مؤكدًا أن الوزارة بالتنسيق مع الإنتربول كشفت أن النشرة مازالت سارية، إلا أن المنظمة رفضت التعليق لـ«مدى مصر» على حالة القرضاوي أو حذف أعضاء جماعة اﻹخوان من نشراتها الحمراء، واكتفت بتوضيح أن التعليق على حالات بعينها يتم في ظروف خاصة وبموافقة الدولة المعنية.

الخطوة أثارت تساؤلات كثيرة خصوصًا أنها تمت دون إخطار الجانب المصري، وبعد أقل من شهر من احتجاز عبد الرحمن عز، الناشط المحسوب على جماعة اﻹخوان المسلمين، في مطار شونفيلد في برلين بسبب نشرة صادرة بحقه بواسطة اﻹنتربول، قبل أن يُخلى سبيله.

ما هو اﻹنتربول؟

اﻹنتربول هو اختصار لمنظمة الشرطة الدولية International Police Organization. وتم تأسيسها في فيينا عام 1923 بمشاركة 15 دولة من بينها مصر تحت اسم «اللجنة الدولية للشرطة الجنائية».

بعد احتلال ألمانيا النازية للنمسا عام 1938، خضعت اللجنة لسيطرة اﻷلمان وانتقل مقرها إلى برلين، وانسحب معظم الدول اﻷعضاء من اللجنة احتجاجًا. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945، أعيد إحياء المنظمة مرة أخرى تحت الاسم الجديد؛ اﻹنتربول.

وصل عدد الدول اﻷعضاء في المنظمة إلى 190 دولة، ويعمل بها ما يزيد على 700 شخص، بميزانية تبلغ حوالي 113 مليون يورو.

يحدد القانون اﻷساسي للمنظمة أهدافها في تأمين وتنمية التعاون المتبادل على أوسع نطاق بين سلطات الشرطة الجنائية كافة، وإنشاء وتنمية المؤسسات القادرة على المساهمة الفعالة في الوقاية من جرائم القانون العام ومكافحتها.

ويتركز عمل المنظمة في مكافحة جرائم اﻹرهاب، والجرائم الإلكترونية، واﻹتجار بالمخدرات، واﻹتجار بالبشر، والجرائم المرتكبة ضد اﻷطفال، واﻷعمال الفنية المسروقة، والجرائم البيئية، حسبما أوضح التقرير السنوي اﻷخير للمنظمة والصادر في 2015.

وعلى عكس الشائع، لا يملك اﻹنتربول وحدات شرطية خاصة به تعمل في الدول اﻷعضاء، لكنه يعتمد على التنسيق بين وحدات الشرطة المحلية في هذه الدول وفقًا للقوانين الداخلية للأعضاء.

كيف يعمل نظام اﻹنتربول؟

يتم التنسيق بين وحدات الشرطة المحلية للدول اﻷعضاء بواسطة نشرات ترسلها عبر الإنتربول. تنقسم هذه النشرات إلى ثمانية أنواع:

– الحمراء: وتطلب القبض على أحد المطلوبين وترحيله، وتقدم طلباتها إلى السكرتارية العامة للإنتربول لفحصها وتمريرها.

– الصفراء: لتحديد موقع أشخاص مفقودين.

– الزرقاء: وتطلب جمع معلومات إضافية حول هوية أحد اﻷشخاص وموقعه أو نشاطاته فيما يتعلق بالجريمة قيد التحقيق.

– السوداء: وتطلب جمع معلومات حول جهات غير محددة الهوية.

– الخضراء: وتقدم تحذيرات واستخبارات حول أشخاص ارتكبوا جرائم، ويرجح أن يعيدوا ارتكابها في بلدان أخرى.

– البرتقالية: للتحذير من حدث أو شخص يمثل تهديدًا ملحًا على السلامة العامة.

– البنفسجية: لتوفير معلومات حول طرق العمل واﻷدوات واﻷجهزة ووسائل اﻹخفاء المستخدمة بواسطة المجرمين.

– نشرة مجلس اﻷمن: وتختص باﻷشخاص والمجموعات المستهدفين من قبل لجان العقوبات التابعة لمجلس اﻷمن.

وتحظر المادة 3 من القانون اﻷساسي للمنظمة عليها «حظرًا باتًا أن تتدخل في مسائل أو شؤون ذات طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري».

مصر واﻹنتربول

أوضح اﻹنتربول في رده على أسئلة «مدى مصر» الحالات التي يمكن من خلالها رفع بعض اﻷسماء من قوائم النشرات الحمراء المنشورة على موقعها. تنحصر هذه الحالات في اعتقال المتهم وترحيله، أو موته، أو سحب الدولة للطلب، أو إلغاء السلطات القضائية في هذه الدولة ﻷمر الضبط واﻹحضار.

كما تُرفع اﻷسماء من النشرات الحمراء في حالة طلب الدولة تغيير حالتها من علنية إلى سرية، أو في حالة تقدم الشخص المطلوب باستئناف على إضافته للقائمة.

وبحسب تصريحات الداخلية، فإن الوزارة لم تكن على علم برفع أسماء هذه المجموعة من نشراتها الحمراء، وهو ما يعني أن رفع اﻷسماء من القوائم المنشورة لم يأت بناء على طلب من الحكومة المصرية لتحويل هذه النشرات من علنية إلى سرية.

وﻷن المتهمين قيد التحقيق لم يموتوا أو تُلغى أوامر ضبطهم وإحضارهم، فإن سبب الرفع هو على اﻷرجح تقدمهم بطلبات استئناف ضد قرار إدراجهم.

يقول عبد الرحمن عز لـ«مدى مصر» إن السلطات اﻷلمانية احتجزته منتصف أغسطس الماضي لفترة تقترب من ستة ساعات بسبب ورود اسمه على قوائم اﻹنتربول، وأخبروه بأنه قد يتم ترحيله إلى مصر أو عرضه على أحد القضاة هناك.

وأضاف أنه في نهاية فترة احتجازه حضر إليه رئيس شرطة الهجرة في المطار واعتذر له، مبررًا احتجازه بأنه أمر إجرائي بسبب نشرة اﻹنتربول، موضحًا أنهم لم يجدوا أي دليل ﻹدانته وأن بوسعه الانصراف.

كما أوضح عز أنه وكًل أحد المحامين اﻷلمان لمتابعة تطورات المسألة، لكنه لا يعرف ما إذا كان رفع اسمه من قوائم اﻹنتربول المنشورة جاء بسبب إجراء اتخذه محاميه أم بسبب من جانب اﻹنتربول.

واعتبر عز أن النظام المصري يستخدم اﻹنتربول للنيل من معارضيه، مطالبًا المنظمة الدولية ألا تتحول إلى أداة تستخدمها السلطات الاستبدادية لملاحقة معارضيها.

الانتقادات الموجهة واﻹصلاحات الجديدة

واجه اﻹنتربول انتقادات متعددة بسبب طريقة عمله، والتي أدت إلى تداخل عمل المنظمة مع اﻷمور السياسية بعكس ما يحدده قانونها اﻷساسي.

أحد اﻷمثلة على هذا كان حالة الناشط السياسي اﻹيراني رسول مزراي. طلبت السلطات اﻹيرانية إصدار نشرة حمراء بخصوص مزاري، والذي كان متوجهًا إلى النرويج عبر سوريا عام 2006. وبحسب تحقيق نشرته الرابطة الدولية للصحفيين الاستقصائيين، احتجزت السلطات السورية مزاري بناء على النشرة التي أصدرتها اﻹنتربول وقامت بترحيله إلى إيران، حيث واجه حكمًا باﻹعدام. ولم يُعرف ما إذا تم تنفيذ الحكم فعلًا أم لا. كما كشف تحقيق نشرته نيويورك تايمز في نوفمبر الماضي عن استخدام الحكومة الروسية الإنتربول لملاحقة معارضيها السياسيين.

لهذه اﻷسباب، طالب عدد من المنظمات الحقوقية بإصلاح نظام عمل اﻹنتربول. في تقرير لها حمل عنوان «نظام اﻹنتربول في حاجة للإصلاح»، أشارت منظمة الحوار المفتوح إلى نقاط الضعف في نظام عمل المنظمة. ﻹصدار نشرة حمراء بخصوص أحد المطلوبين، ترسل الدولة طلبًا ممهورًا من جهة قضائية إلى السكرتارية العامة للإنتربول، والتي ترسل بدورها تنويهًا إلى باقي الدول اﻷعضاء بعد التحقق من الطلب. وتمتلك الدولة العضو التي يقيم بها المطلوب حق تقرير الخطوة التي ستتخذها، وما إذا كانت ستلقي القبض عليه أم لا.

يلاحظ التقرير أن عملية التحقق التي يفترض أن تجريها السكرتارية العامة ليست علنية وتفتقر للشفافية. «في بعض اﻷحيان، تظهر النشرات الحمراء في قاعدة البيانات قبل التحقق منها وإقرارها»، يقول التقرير.

كما يلاحظ التقرير غياب أي بيانات إحصائية عن عدد النشرات الحمراء التي يصدرها كل عام، ونسبة النشرات المتعلقة بمعارضين سياسيين. في قسم اﻷسئلة الشائعة، يحيل موقع اﻹنتربول إلى خريطة تحمل بيانات عدد هذه النشرات، لكن زيارة الرابط المتوفر ينتهي برسالة «ممنوع الدخول: ليس لديك صلاحية الولوج إلى هذه الصفحة». وحين سألت الرابطة الدولية للصحفيين الاستقصائيين اﻹنتربول عن نسبة النشرات السياسية إلى مجموع النشرات التي تصدرها، جاءت اﻹجابة تقريبية: «حوالي 3%».

وتقدمت منظمة الحوار المفتوح بعدد من المقترحات لتحسين عمل اﻹنتربول من بينها تطوير نظام التحقق من طلبات النشرات، وتغيير نظام الاستئناف عليها، وخلق آلية لحماية حقوق اﻷفراد الذين يتمتعون باللجوء، وتطبيق عقوبات على منتهكي قواعد اﻹنتربول.

نتيجة للضغوط المختلفة، بدأ اﻹنتربول في التوسع في تطبيق المادة 3 من قانونه اﻷساسي، والذي يمنعها من التدخل في المسائل السياسية. أصدرت المنظمة في 2013 دليل ممارسات حول تطبيق المادة.

اعلان