بعد قرون من الحلم بـ«كردستان»، هل يكون مسعود برزاني هو من يفعلها؟

لم يتوقف الحلم بدولة «كردستان» عن الحضور فى الأدب الكردي. في قصيدته «الوطن»، عبّر الشاعر فائق بيكس، المتوفى في 1948، عن هذا الحلم بقوله:

«آه .. يا أيها الوطن، فتنت بك بجنون/ وان كنت في ظلمة الليل، وقدماي في القيود/ لكنني أتذكر هامتك/ فلا تظنني أنساك/ لا السجون ولا المعارك تجبرني على بيعك. »

رغم كل الخلافات المتجذرة فى التاريخ الكردي، والتي لا تزال حاضرة حتي اليوم، ورغم كل الإحباط والمشاكل الإقليمية والثورات الموءودة، فقد أصر أكراد العراق على تحديد 25 سبتمبر المقبل موعدًا للإستفتاء على استقلال الإقليم، كخطوة فى طريق إعلان الدولة الكردية، حيث رفض الزعيم مسعود برزاني الضغوط الدولية والتهديدات التي مورست على الإقليم من أجل تأجيل الإستفتاء أو إلغائه.

يسعي برزاني، المنتهية ولايته منذ 2015، لحل القضية الكردية وإنهاء أزمة الكرد والوصول بـ«أبناء الجبل» لمرحلة الدولة، التى طالما كانت حلمًا أجهضته القوي الدولية والظروف الإقليمية والخلافات الكردية الكردية.

خريطة «كرستان الكبرى»، وتحتوي الخريطة على أكبر مساحة تحتوي على وجود بارز للأكراد

طموحات برزاني لم تحظ بقبول دولي، حيث سارعت دول مثل ألمانيا وتركيا وروسيا وأمريكا لمطالبة القيادات الكردية بمراجعة قرارها وعدم اتخاذ إجراءات منفردة، وبالدخول فى حوار مع حكومة بغداد لحل الخلافات من أجل الحفاظ على وحدة أراضي العراق.

بين كل هذه الضغوط، كان الرفض الألماني تحديدًا بمثابة صدمة بالنسبة للأكراد، حيث تعد ألمانيا شريكًا رئيسيًا لكردستان العراق، فقد قدمت لها منذ سبتمبر 2014 أسلحة تقدر قيمتها بنحو 90 مليون يورو، كما يتمركز حوالي 130 جنديًا ألمانيًا في أربيل لتدريب قوات البيشمركة الكردية.

كما أن واشنطن، التي تعتبر حليفًا استراتيجيًا للأكراد، أعلنت تمسكها بوحدة العراق الديمقراطي الفيدرالي معتبرة إجراء الاستفتاء في هذا الوقت يصرف النظر عن الحرب على داعش.

مظاهرة كردية في أنقرة

وبجانب الضغطين الأمريكي والألماني، فالأصوات الأعلى ضد الاستفتاء صدرت من طهران وأنقرة، ففي طهران اعتبر أمين المجلس الاعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، أن «إجراء الاستفتاء في اقليم كردستان العراق سيؤدي إلى فرض العزلة وممارسة الضغوط على أكراد العراق وإضعاف الإقليم والعراق بأسره».

وفي تركيا، وصل الأمر بالنائب البرلماني، محمد عونال، لدعوة بلاده للتدخل فى العراق، معتبرًا استفتاء كردستان مخالفًا للقانون الدولي، وقائلًا إن معاهدة أنقرة، التي جرى التوقيع عليها بين تركيا وبريطانيا والعراق عام 1926، لتسوية الحدود مع تركيا، وباشتراط سلامة وحماية الأراضي العراقية، تمنح أنقرة حق التدخل العسكري إذا تهددت وحدة الأراضي العراقية.

الرفض الدولي لاستقلال إقليم كردستان، ورغم إمكانية تبدل الحال فى أي لحظة، إلا أنه قد يعمق جراح الكرد، الذين سارعوا لامتصاص غضب حلفائهم بتصريح دبلوماسي لوزير خارجية العراق سابقًا، هوشيار زيباري، معلنًا أن الاستفتاء لا يعني «الاستقلال»، كما كشفت مصادر كردية لكاتب المقال عن أن وفودًا من الإقليم ستتوجه للعواصم الغربية لشرح وجهة النظر الكردية حول الاستفتاء.

خلافات كردية كردية

في روايته «ثلاث خطوات إلى المشنقة» التي صدرت نسختها العربية في مايو الماضي، يتعقب الكاتب الكردي جان دوست، ما وصفه بـ«اللعنة التي أصابت الكرد»، وفشل وخيبة أمل الشّتات الكردي في تكوين دولة كردية على مر التاريخ، حتى أنه يقول في حوار صحفي: «صرت أنقّب في كتب التاريخ عن سبب الهزيمة الكردية، عن سبب اللعنة الكردية التّي منعت هذا الشعب من بناء دولة مستقلة، كباقي خلق الله».

بعيدًا عن المواقف الدولية المعلنة من الاستفتاء المزمع إجراؤه هذا الشهر، فالأزمة الأكبر التي تواجه استقلال كردستان وتهدد مستقبل الدولة الجديدة، هي الخلافات الكردية الكردية، بين القوي السياسية سواء داخل الإقليم أو خارجه؛ فالاجتماع الذي حُدّد فيه موعد الاستفتاء غاب عنه ممثلو الجماعة الإسلامية وحركة التغييرالكردية، وهما قوتان سياسيتان ذاتا وزن كبير داخل الشارع الكردي، وعلى الأخص حركة التغيير التي تمثل كتلة برلمانية كبيرة داخل برلمان الإقليم «المنحل» بقرار من رئيس الإقليم مسعود برزاني .

كما يعيش إقليم كردستان أزمة سياسية كبيرة، فحركة التغيير، وهي القوة الثانية بالبرلمان، تعتبر برزاني رئيسًا غير شرعي، نظرًا لانتهاء ولايته فى أغسطس 2015، وقيامه بحل البرلمان ونفي رئيسه المنتمي إلى «حركة التغيير» خارج أربيل.

إشهار استقلال الدولة، يعد لحظة فارقة فى تاريخ الأكراد، لا تريد الأحزاب أن يُنسب لقيادات الحزب الديمقراطي من العائلة البرازانية وحدها

كما سبق وأن اتهم حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، بزعامة جلال الطالباني، «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود برزاني، بكونه سبب التراجع الاقتصادي للإقليم، وطالبه بالكشف عن مصادر تمويله، لأنه متهم بالسيطرة بشكل متشعب على كل مفاصل كردستان، والهيمنة على مقاليد السلطة.

كما طالبت الأحزاب الكردية عائلة برزاني بالتنحي عن السلطة وإفساح المجال لغيرهم في رئاسة كردستان، ودعت حركة التغيير لمحاكمة رئيس حكومة الإقليم، نيجيرفان بارزاني، ابن أخي مسعود برزاني، لإهداره ثروات الشعب الكردي، على خلفية إبرام عقد نفطي طويل الأمد، يسري لمدة عشرين عامًا، مع شركة «روس نفط» الروسية.

تكمن أزمة الخلافات الكردية الكردية فى إمكانية تحول الخلاف السياسي لصراع عسكري، خاصة مع سابقة وقوع حرب أهلية بالإقليم، حيث شهد الإقليم اقتتالًا بين الفصائل الكردية المتناحرة في أواسط التسعينيات، وكانت أبرز الفصائل المتناحرة «الاتحاد الوطني الكردستاني» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني». وعلى مدار ثلاث سنوات من الصراع، تدخلت الفصائل الكردية من إيران وتركيا، كما تدخلت القوات الإيرانية والعراقية والتركية والأمريكية في الحرب، التي لقي فيها ما يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة ألاف مقاتل ومدني كردي حتفهم.

رغم وجود شبه توافق على إجراء الاستفتاء، إلا أن كثيرًا من القوي الكردية ترى أن الأجواء غير مناسبة حاليًا له، مطالبة بعودة البرلمان وحل أزمة رئاسة الإقليم قبل الحديث عن استقلال الدولة، الذي سيعد إشهاره لحظة فارقة فى تاريخ الأكراد، لا تريد الأحزاب أن يُنسب لقيادات الحزب الديمقراطي من العائلة البرازانية وحدها، وبحسب مراقبين، فإن إعلان موعد الاستفتاء هو محاولة من السيد برزاني للقفز على المشاكل الداخلية دون حلها.

غياب التوافق الكردى قبل إعلان الدولة يهدد بتفجيرها من الداخل، فى ظل ارتباط قوى وأحزاب كردية بعواصم مناوئة للحلم الكردي. فمن المعروف أن حزب «الاتحاد الديمقراطي»، الذى يتخذ من السليمانية مقرًا له، تربطه علاقة وثيقة بطهران، وهو نفس الاتهام الذى يلاحق «حركة التغيير»؛ أما أربيل، عاصمة الإقليم ومقر «الحزب الديمقراطي»، فترتبط سياسيًا واقتصاديًا بأنقرة، كما يرتبط «حزب العمال» المنتشر بمنطقة سنجار شمال العراق بالأجندة الإيرانية، وتلاحقه اتهامات بالعمل مع نظام الأسد فى سوريا.

هذه الارتباطات كلها تجعل من الدولة المحتملة فريسة سهلة لما يعرف وسط الأكراد بـ«الدول المغتصبة لأرض كردستان»، والتى هي فى واقع الأمر ممولة وراعية لكل الأحزاب الكردية!

دولة بلا بحر

في قصيدة «طريق مسدود»، يعبّر الشاعر الكردي شيركو بيكه س عن المأساة الكردية بقوله: «كل مرة لكي أقابل الله/ أقف.. أصطف.. أقف/ أنغرس.. أنبت.. أنفّض./ الطابور طويل../ رأسه يبتديء من أنفالي/ ورأسه الآخر عند صليب المسيح

ولا ينتهي/ ولمّا يحين دوري/ بعد الجميع/ وعلى وشك الوصول/ إلى عرشه المقدّس/ إذا به ينهض ويغادر/ وهو يقول لي: أعرف من أنت/ ولماذا أتيت/ اعذرني/ لا حلّ للقضية الكُرديّة حتى عندي!»

ثمة تحديات اقتصادية كبيرة تنتظر الدولة الكردية التي تفتقد لمنفذ بحري، ما سيجعلها عرضة للحصار من دول الجوار، وتحديدًا تركيا وإيران

رغم الإصرار على إجراء الاستفتاء، فإن حل القضية الكردية لا يزال أمرًا معقدًا حتى الآن، فحتى بعيدًا عن الخلافات السياسية، ثمة تحديات اقتصادية كبيرة تنتظر الدولة الكردية التي تفتقد لمنفذ بحري، ما سيجعلها عرضة للحصار من دول الجوار، وتحديدًا تركيا وإيران، وهما بالأساس دولتان تعاديان فكرة الوطن الكردي. كما ستضطر الدولة المستقبلية، التي ستعتمد غالبًا على تصدير النفط، للجوء للموانئ التركية، ما يجعلها أسيرة لوجهة النظر التركية، ويجعل أى اختلاف سياسي مع الحكومة التركية قابلًا لخنقها اقتصاديًا.

يضاف إلى ذلك أن تصدير النفط من كردستان إلى تركيا، ولضمان استمرارية تدفقه عبر موانئ تركيا، دون تعرض الأنابيب لأعمال إرهابية، سيحتاج لسلام دائم بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، وهو ما يصعب حدوثه حاليًا فى ظل المواجهات العسكرية بين الطرفين على أرض سوريا، أو العمليات التي ينفذها «حزب العمال الكردستاني» فى الداخل التركي.

لا أحد ينكر على الأكراد حقوقهم فى الدولة القومية، ولكن من المؤكد أن إقليم حكم ذاتي مستقل ضمن دولة فيدرالية مستقرة، أفضل بكثير من دولة تهددها الخلافات السياسية والحروب الأهلية، ولا ينعم أهلها بالأمن والامان.

اعلان
 
 
محسن عوض الله