اعتداءات «السبيكة» بالعريش.. بين الصدفة والخيانة
 
 
علامة تحذيرية فى ضاحية السلام فى العريش
 

في السابعة والنصف من صباح الأربعاء، 9 أغسطس الماضي، ومن عدة نقاط في قلب مدينة العريش، استقل موظفو وعمال شركة النصر للملاحات الميكروباصات التي تقلهم إلى مقر الشركة، والتي تقع في منطقة صحراوية غرب المدينة.

تجتاز الميكروباصات ستة ارتكازات أمنية لكي تتمكن من الخروج من العريش، وبعد آخر ارتكاز أمني (الميدان) بقليل كان ينتظرها شيء مرعب.

أحد العاملين، الذي رفض ذكر اسمه، تحدث لـ«مدى مصر» عن الواقعة: «بعد اجتياز حاجز «الميدان» وبالقرب من منطقة «الحصيني» فوجئنا بعدد من المسلحين يقيمون حاجزًا خاصًا بهم على الطريق الدولي. استوقفوا ميكروباص الشركة وصعد أحدهم وطَالب الجميع بإخراج بطاقات الرقم القومي وقام بجمعها، وكان بحوزتهم كشف كبير مدون به أسماء أشخاص مطلوبين لديهم».

تقع منطقة «الحصيني» التي أقام أمامها المسلحون حاجزهم في منتصف المسافة بين حاجز «الميدان» الأمني ومقر الشركة، وتبعد عن كليهما بضع كيلو مترات.

في نفس اليوم، كانت سيدة أخرى من أهالي مدينة العريش، تستقل ميكروباص آخر، في طريقها إلى محافظة الإسماعيلية. بدأت رحلتها من موقف العريش، وبعد اجتياز حاجز «الميدان» الأمني، مرت على حاجز المسلحين في «الحصيني»، ولكنهم لم يستوقفوا السيارة، وسمحوا لها بالمرور بدون النظر في هويات الركاب، تقول السيدة التي رفضت الإفصاح عن هويتها.

وأضافت أن القدر أنقذ معظم من في السيارة من موت محقق بعد أن فوجئت بأن معظم رفاقها في رحلة السفر أمناء شرطة، وفي حالة اكتشاف هوياتهم يعتبرون «صيدًا ثمينًا» للمسلحين. وبمجرد مرورهم من الحاجز أخرج أمناء الشرطة هواتفهم المحمولة وأبلغوا أصدقاءهم من أفراد الأمن بعدم المرور على حاجز «الميدان»: «علشان في بعده كمين للتكفيريين».

اتفق الموظف في شركة النصر للملاحات، الذي تحدثنا معه، وكذلك السيدة، التي كانت في طريقها إلى محافظة الإسماعيلية، على أن المسلحين كانوا ثمانية أفراد لديهم شعر طويل ويرتدون الزي العسكري للجيوش «المُموه» وبحوزتهم سيارة دفع رباعي ودراجات نارية.

ولكن تجرية موظف الشركة على الطريق كانت مختلفة. فقد أنزل المسلحون أحد العاملين، ويدعى حسام، وانهالوا عليه بالضرب المبرح، «ما اضطرنا للتدخل في محاولة لفهم سبب الاعتداء. فكانت الإجابة: هادة شغال مع الجيش. ومن ثم وضعوه في سيارة الدفع الرباعي، وسمحوا لنا بالمرور»، يقول الموظف.

بعد فترة قصيرة من وصول سيارات العمال إلى مقر الشركة في الدقائق القليلة التالية للثامنة صباحًا، فوجئوا بذات العناصر المسلحة التي كانت تقيم الحاجز تقتحم الشركة، بحسب رواية الموظف.

يسرد لنا موظف آخر ما حدث حينها قائلًا إن أول من سألوا عن مكتبه هو مدير الشركة، ضابط قوات مسلحة متقاعد برتبة عميد، ولكنه لم يكن موجودًا لأنه كان قد سافر إلى القاهرة قبلها بيوم، لافتًا إلى أنه من المعتاد أن يسافر المدير يوم الأربعاء من كل أسبوع، ولكنه هذه المرة سافر يوم الثلاثاء.

ويتابع: «بعدها قاموا بإحضار العاملين الذين يبيتون في مقر الشركة، ومعظمهم من البدو، ومهمتهم هي حماية المقر ليلًا، وطالبوهم بإشهار هوياتهم، وتمت مطابقتها بقائمة أسماء كانت بحوزتهم. بعدها قاموا باختطاف اثنين منهم»، انضما إلى حسام، المختطف من حاجز «الحصيني».

ويؤكد الموظف أن عدد من اقتحموا مقر الشركة ستة أشخاص، بالإضافة إلى اثنين في الخارج يقفان على الطريق الدولي لرصد المنطقة. وأثناء وجود المسلحين داخل مقر الشركة سمع الجميع صوت «رصاصة» قادمًا من الخارج، بعدها صاح أحد المسلحين «أرقدوا أرقدوا»، كلمة بلهجة سيناوية تعني انبطحوا. «بعدها سمعنا صوت وابل من الرصاص، خرجنا وجدنا أربع جثث على الطريق الدولي»، يقول الموظف، الذي أضاف: «لحظات واختفى المسلحون ومعهم الثلاثة أشخاص الذين اختطفوهم».

تبين بعد ذلك أن الجثث الأربعة لملازم أول بالقوات المسلحة، تابع لسلاح المهندسين، وثلاثة أمناء شرطة تابعين لقسم مدينة بئر العبد، كانوا في طريقهم إلى مديرية الأمن في مدينة العريش لإنهاء بعض الأوراق الخاصة بهم، وجمعتهم الصدفة بالضابط في أحد الكمائن الأمنية على الطريق الدولي في مدينة بئر العبد، وعرض توصيلهم في طريقه بسيارته الملاكي، ليلقوا جميعًا مصرعهم على الطريق.

يوم الخميس 10 أغسطس، نشرت وكالة رويترز خبر تبني تنظيم الدولة الإسلامية حادث مقتل أربعة رجال أمن في مدينة العريش على يد أفراد التنظيم في شمال سيناء «ولاية سيناء» الذي بايع تنظيم الدولة في نوفمبر عام 2014.

بعد الواقعة

بعد اختطافهم بأيام، أفرج المسلحون عن أحد الثلاثة. وفي 23 أغسطس، بعد السابعة مساءً، حضرت سيارة ملاكي إلى ميدان العتلاوي وألقت بجوال كبير وغادرت المكان. تفحص الأهالي الجوال ففوجئوا برأسين بشريين لشابين من الثلاثة المختطفين. تمكن الأهالي من التعرف على إحداها، وهي لحسام حسين محمود النجار، والرأس الأخرى لشاب من قبيلة الجريرات.

ميدان العتلاوي هو الساحة المفضلة لـ«ولاية سيناء» في العريش لتنفيذ الإعدامات، حيث أعدم التنظيم فيه العديد من المدنيين سواء رميًا بالرصاص أو ذبحًا بالسكين، وذلك لاتهامهم بالتعاون مع قوات الأمن والجيش.

في 25 أغسطس، وعقب صلاة الجمعة، ظهرت عناصر «ولاية سيناء» مرة أخرى في منطقة «الحصيني» واستوقفوا العديد من الأهالي وفحصوا هوياتهم الشخصية، واختطفوا مجددًا ثلاثة أشخاص من ذات القبيلة «الجريرات» واتجهوا نحو جنوب العريش.

وكسابقاتها من الوقائع، صبت أجهزة الأمن جام غضبها بعد الحادث على الأهالي في محيط المنطقة، فانطلقت الحملات الأمنية تعتقل المشتبه بهم.

يوم الخميس التالي لحادثة الشركة، رفض جميع العاملين التوجه إلى مقر عملهم. وأكد أحد العاملين أنهم يعلمون السيناريو الذي سوف يحدث، وأن قوات الأمن سوف تحضر إلى مقر الشركة وتقوم بإلقاء القبض على عدد كبير من الموظفين والعاملين كمشتبه بهم.

وأضاف أحد هؤلاء العاملين أن ذلك ليس محض افتراض، ولكنه حدث قبل ذلك، فمنذ قرابة شهرين حضر اثنان من المسلحين إلى مقر الشركة وسرقوا سيارة دفع رباعي، وحاولوا الهروب بها من خلال صعودها على جبل من الرمال يقع أمام مقر الشركة، ولكن السيارة تعطلت بهم. بعد ذلك تركوها مكانها وحضرت مدرعة أمنية عقب مغادرتهم بلحظات، وليلًا تم إحضار لودر كبير وانتشال السيارة من بين الرمال.

في صباح اليوم التالي، فوجئ الجميع في الشركة بحضور حملة أمنية واعتقال ستة من العاملين والموظفين، أُخلي سبيل أربعة منهم، وظل اثنان قيد الاحتجاز حتى الآن.

عقب واقعة اقتحام الشركة من قبل المسلحين في 9 أغسطس، حذر عبد القادر مبارك، الصحفي والباحث في التراث السيناوي، في تدوينة له على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك من رد فعل الأمن على الأهالي في محيط منطقة الحادث في منطقتي «السبيكة» و«الميدان»، واعتقال عدد كبير منهم، وكذلك اعتقال العاملين بشركة النصر للملاحات.

وأشار مبارك إلى أن العناصر «التكفيرية» هي عناصر مسلحة، وأن الأهالي عُزل من السلاح «فلا تطالبنا بمواجهتهم»، موجهًا كلامه إلى أجهزة الأمن متسائلًا: «أين الدوريات الشرطية عندما أقام المسلحون حاجزهم على الطريق الدولي أكثر من ساعة؟».

صدفة أم خيانة؟

تبنى «ولاية سيناء» عملية اغتيال جديدة في سيناء، ربما جاءت بطريق الصدفة، نفس الصدفة التي أنقذت أمناء الشرطة في ميكروباص المدنيين من القتل، والتي أنقذت مدير شركة النصر للملاحات من الاختطاف والمصير المجهول على يد المسلحين، هي نفس الصدفة التي جمعت أمناء شرطة قسم بئر العبد مع الضابط صاحب السيارة.

ولكن الاشتباه في الصدف القاتلة تشوبه أيضًا تساؤلات حول الخيانة.

في شهر يونيو من العام الماضي، نشرت عدة مواقع إخبارية مصرية تقارير تفيد بالقبض على شبكة من أمناء الشرطة العاملين في شمال سيناء تم تجنيدهم من قبل تنظيم «أنصار بيت المقدس أو ولاية سيناء»، وأنهم يفشون معلومات عن تحركات أفراد الأمن.

ولكن تقرير جريدة «الشروق» المصرية كان الأكثر تفصيلًا، حيث ذكر أن أميني الشرطة المتهمين كانا يرصدان تحركات رجال الأمن ونوعية تسليح كل قوة أمنية، وأنهما كانا يستخدمان ست شرائح اتصالات مختلفة للتواصل مع العناصر الإرهابية، وجاء ذلك الكشف بعد عدة حوادث إرهابية طالت عدد من قيادات جهاز الشرطة في مدينة العريش.

هل هي الصدفة أم الخيانة ما يقف وراء عمليات قتل على يد مسلحين، يذهب ضحيتها رجال أمن يتنقلون بزيهم المدني خارج سياق خدمتهم؟

ومن أشهر الحوادث التي وقعت في شمال سيناء وكانت تحمل بين طياتها هذا التساؤل، مذبحة رفح الثانية في شهر أغسطس عام 2013، التي قُتل فيها 25 مجندًا من قوات الأمن المركزي التابعين لمعسكر الأحراش في مدينة رفح، بعد أن استوقف مسلحون حافلتين كان المجندون يستقلونهما في زيهم المدني أثناء عودتهم من الأجازة، في طريقهم إلى مقر المعسكر.

وكذلك حادثة اغتيال نائب مأمور قسم «القسيمة» في وسط سيناء أثناء سيره بسيارته الملاكي في مدينة العريش يوم 24 يوليو 2016.

وفي 24 يناير الماضي قُتل خمسة جنود تابعين للقوات المسلحة أثناء عودتهم من الأجازة إلى معسكرهم في مدينة «الحسنة» في وسط سيناء، وكانوا يستقلون سيارة ملاكي وتم إيقافهم وقتلهم رميًا بالرصاص، بعدها حظرت أجهزة الأمن سير الجنود والضباط والأقباط على الطريق الأوسط في شمال سيناء لاعتباره منطقة خطرة.

اعلان
 
 
مراد حجازي