أيام العيد: العائلة راحتنا وتعاستنا

في أيام الثورة، انتشرت جملة على الفيسبوك، بمفادها فبمقدور النشطاء مواجهة الداخلية والشرطة، ولكن ليس بمقدورهم مواجهة أمهاتهم.

نشأت هذه الجملة عن موقف طريف؛ أحد النشطاء ممن كانوا يواجهون الداخلية، هاتفته أمه، فأخبرها أنه على المقهى مع أصدقائه، وأنه سيعود للبيت حالًا.

علاقة الكثيرين منا، من النشطاء والمثقفين الشباب، بعائلاتهم، ظلت مركبة دائمًا. طول الوقت كان من الأسهل علينا مواجهة عدو يقع خارج البيت من مواجهة آبائنا وأمهاتنا في البيت.

العيد، الأعياد عمومًا، هي فرصة لنا للعودة لبيوتنا، لاستمتاع بالحوارات العائلية، المملة ولكن الأليفة في النفس الوقت.

طلبنا من خمسة كتاب أن يكتبوا لنا حول طقوس عيد الأضحى التي عايشوها، هل بمقدور الممارسات التقليدية إسعادنا في هذا الوضع السياسي والاقتصادي المضطرب؟

الإجابات كانت مختلطة، تعيد أفكارًا عن النوستالجيا، مختلطة بأسئلة مألوفة عن العائلات البديلة التي نختارها، وعن كيفية تقديمنا لأنفسنا في عائلاتنا الأصلية؛ ما الذي نختار الكشف عنه من حياتنا، وما الذي نختار التصالح معه.

عمرو علي

معنى التضحية

منذ صغري، اعتدت على رؤية المناسبات الدينية تُفرّغ من معناها، سواء كان هذا في رمضان المتخم بالتسالي، أو في الكريسماس المتمحور حول الشراء.

ولكن عيد الأضحى يتعدى ذلك، فهو يقوم على مشهد دماء الخراف والمواشي السائلة في شرايين المدن المصرية. أن تسكن مثلي في أحد أحياء الإسكندرية المحاطة بالجزارين يشبه أن تجد نفسك في الشريان الأورطي للمدينة.

عيد الأضحى، والذي يمجد تضحية إبراهيم، مفعم بالمعاني والرمزية، من مثابرة النفس البشرية والالتفاف التقليدي للمجتمع، بالإضافة إلى كونه فرصة للانفتاح الرمزي على المسيحيين واليهود الذين يفهمون هم أيضًا محنة إبراهيم.

يضاف لذلك أن العيد هو فرصة لجموع المصريين، الذين قد أصبحوا نباتيين رغمًا عنهم، لكي يعيدوا اللحم إلى سُفرتهم، بالإضافة للعيديات والعطايا التي يجود بها ميسورو الحال في هذه المناسبة.

عيد الأضحى مثال للصدقة، ولكن ينقصه الكثير من التضحية.

أدمن المجتمع المصري عبر السنين المظاهر الفاحشة للتدين. تدهور عيد الأضحى حتى أصبح مناسبة يصل فيها المجتمع إلى قمة الالتفاف حول المظاهر، بشكل يدمر فرصة وجود أي أثر للحياة العامة. تعود جذور هذه المشكلة إلى التمدن، حيث انتقلت الطقوس من المزارع والمذابح إلى الشوارع. وانتقلت شعائر ذبح الخروف بالتالي إلى مناور المباني لمدة طويلة. ولكن مع الرغبة في التباهي بالثروة أصبح الذبح يجري على نطاق شديد الاتساع، وبدون رقابة أو تنظيم.

رغم معارضة السلطة لتلك الممارسات وتغريم البعض بمخالفات هنا أو هناك، إلا أن الدولة ظلت أسرع كثيرًا في التحرك ضد متظاهر مسالم يرفع لافتة، من سرعتها في إيقاف المسؤولين عن سد نظام الصرف بآلاف اللترات من الدم، مع إطلاق رائحة الحيوانات الميتة في الهواء وتجاهل أدنى معايير الصحة العامة.

تجرُد الذبح من الأخلاقيات الإسلامية يظهر في غياب عدد من الأسئلة الأساسية مثل: «لماذا يُحتفظ بالحيوانات في ظروف رديئة قبل أن يواجهوا مصيرهم؟»، «لماذا يشاهد الأطفال المجزرة؟» وبعد كل ذلك، «ما هو الحلال أصلًا؟»

في النهاية، يصبح الخروف هو بطل الاحتفال الذي يطمس الرسالة الأصلية ويستهين بالإدمان غير الصحي للحم.

كان أكل اللحوم محدودًا جدًا في العصور الأولى للإسلام؛ كان الرسول وصحابته شبه نباتيين، وكان أحدهم نباتيًا بالفعل. تتفق المصادر على أن الطعام المفضل للرسول كان البلح والشعير والتين والعسل واللبن وأكلات نباتية أخرى. لم يأكل الرسول لحم البقر أبدًا، بل وقد قال: «البقر لحمه داء ولبنه دواء». كما حذر الخليفة عمر: «إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر». تاريخيًا، كان أثرياء المسلمين وحدهم هم من يملكون شراء اللحم، وكانوا يأكلونه يوم الجمعة، بينما ينتظر الفقراء وجبة اللحم كل عيد.

يجب أخذ هذه العوامل التاريخية في الاعتبار، لدى التطرق للحاجة لانتشال عيد الأضحى من الارتباك المحيط به. ربما يجب التعامل مع اللحوم كرفاهية تؤكل بشكل غير منتظم في كل الطبقات الإجتماعية.

لست نباتيًا، ولكن الإفراط في إنتاج وتناول اللحم، بالإضافة للضغط الذي يسببه ذلك على الكوكب، يشير إلى ضرورة تنويع الطعام وإعلاء شأن ما هو نباتي منه.

ما يحدث لم يعد يخص قصة إبراهيم، ولكنه مجرد شيء تفعله لأنك فعلته العام الماضي، وستفعله العام القادم. بعض هؤلاء الجزارين، والمؤتمنين على تنفيذ طقوس مقدسة، لا يجدون حرجًا في الجلوس أمام مجازرهم لشرب الشاي، بينما يصطف المصلون قربهم يوم الجمعة. يبدو أن صلاة الجمعة المفروضة ليست مربحة بشكل كافي لهم.

بشكل متصاعد، نشهد عيدًا عدميًا كل عام. لا يعرف الجزارون لماذا يذبحون، ولا يعرف الناس لماذا يشهدون الذبح، والفئة الوحيدة التي يبدو أنها تدرك أن هناك شيئًا ليس على ما يرام هم الخرفان والماعز والماشية.

إيمان عبد الرحيم

طقوس مملة لا نمل منها

لم أكن أعرف قيمة العيد مع أهلي، أي أمي وإخوتي، إلى أن قضيت أول ليلة عيد لي مع زوجي في بيت الزوجية.

لم أتوقع كل هذا الشعور بالفقد والفراغ الذي خلفه الانفصال عن بيت العائلة المزدحم والصاخب دومًا، إلي بيت هادئ لا يخلو سوى من بعض القطط ومن زوجي الصموت غالبًا.

ليلتها انخرطت في البكاء، وقضيت الليلة أحكي لزوجي عن طقوسي المعتادة مع أهلي في كل وقفة؛ صراخ أمي الهستيري الدائر طيلة الوقت في الخلفية عن السجاجيد التي لم تُغسل إلى الآن، والتي بالتالي لن تلحق أن تجف وتُفرش على الأرضيات قبل مجيء الضيوف في اليوم اللاحق، صوت الراديو المصاحب لصراخ ماما والذي يبث أغاني العيد، والكل منهمك في قسمه المعتاد من العمل.

كانت تروق لي دائمًا السخرية من أخي الأصغر المختص بغسيل السجاجيد، وإلا فلن يحصل على العيدية التي ينتظرها من العيد للعيد، بينما نحن البنات تنقسم بيننا نظافة غرف البيت والحمام والمطبخ، ولا ننسى البلطجي الأعظم، أخي الذي يصغرني بعام، والذي لا يفعل شيئًا سوى الإشراف الساخر علينا، والشماتة فينا من حين لآخر.

وحين تغيب ماما لساعة أو بضع ساعات عن البيت، إما لشراء الأضاحي أو لتوزيع زكاة الفطر، كنا نترك العمل على الفور ونبدأ حفلاتنا الجانبية المجنونة الضاحكة، إلى أن يرن جرس باب الشقة فجأةً معلنًا عودة ماما، فيهرع كل منا إلى ما كان يعمل، وتبدأ ماما حتى الساعات الأولى من الصباح في عزف السيمفونية المصدومة: «دا أنا هخلي عيدكم إسود».

مع آذان الفجر يكون الجميع قد انتهوا تقريبًا من عمل ما يلزم، ثم يبدأ طابور الاستحمام، وارتداء بيجامات الوقفة الجديدة، وصراخ أمي لسبب ما، لا يزال متواصلًا في الخلفية. نحصل منها على العيدية بشق الأنفس، ويكون أول ما أصرف منها أنا وأختي الوسطى والصغرى، في طقس ثابت لنا كل عيد، على طلب بيتزا هت، أو وجبة من ماكدونالدز؛ المطعمان الوحيدان اللذان يتمتعان بخدمة توصيل تغطي الأربع وعشرين ساعة.

أما أختي الوسطى الأخرى فتحرص على صلاة العيد حاضرة في الجامع، و أخي الأصغر غاسل السجاجيد، يختفي بالعيدية اليوم بأكمله، ويعود في اليوم التالي. وأمي مع أخي البلطجي يشاهدان البث المباشر لصلاة العيد من التلفزيون.

 باقي أيام العيد في الغالب نقضيها معًا في البيت، في ملل تتخلله طقوس أخرى مملة في ظاهرها، لكننا لا نمل من تكرارها؛ مشاهدة فيلم «طأطأ وريكا وكاظم بيه»، أو مسرحية «العيال كبرت» على سبيل المثال، متابعة فرقعة الصواريخ في حوش العمارة مع أختى الصغرى، لعب البلاي ستيشان، والأهم استقبال الأقارب، ومجالستهم، حتى نحصل على العيدية، والاختفاء بعدها على الفور، حتى غدا الأقارب أكثر وعيًا، وصاروا لا يمنحونا العيدية إلا عند عزمهم على الرحيل.

لم يكن العيد مع أهلي أبدًا مملًا. الممل هو العيد بدونهم!

نسخة للعائلة من كل كتاب

أحمد الفخراني

رغم أني في الأساس غادرت بيت أهلي في الإسكندرية هربًا من شعور غامض بأن العائلة والمدينة سيجعلان عقلي يومًا أضيق من ثقب إبرة، أو خوفًا من تحجر رأيته يحدث أمامي متمثلًا في أقاربي الأكبر سًنا، أو الأدباء الذين قابلتهم في تلك الفترة في الإسكندرية، ربما عدا الشاعر والمترجم علاء خالد، وعدا جماعة عبد الرحيم يوسف، إلا أني لا أفهم العيد إلا مع أهلي، ولا أستطيع قضاءه إلا في الإسكندرية.

كوّنت عائلة وأصدقاء في القاهرة، ورغم ذلك يتضاعف الشعور بالغربة في الأعياد. هذا غريب، فلم أعد أصنف نفسي سكندريًا، بل أقول إني تخلقت بأخلاق أهل القاهرة.

لكني أيضًا أتجنب الحوارات العائلية، إلا مع أشقائي. ما أفعله في القاهرة ليس غامضًا لأبي وأمي، إلا أني لا أفضل الخوض في تفاصيله، أختصر الأمر في عموميات، ولا أتحدث أبدًا عن مشاكل واجهتني، أو أي مآزق أخرى أعيشها. كل الأشياء تمر، لكن قلق الأهل دائم.

لا أقلق بشأن أبي، فقد تعودنا أن نقضي ساعات في صمت، وفي ظل كلمات ضيقة، وقد صار الأمر عادة مريحة لكلينا. فالكلمات خطيرة، قد تتحول إلى قلق أو عتاب أو غضب.

نفس التواطؤ هو ما يجعل ما أكتبه أو أفعله، مهما كان غامضًا، أمرًا مفهومًا، على الأقل يفهمون أنه يمثل أهمية لي. أكثر من هذا، فأنا أحرص على زيارتهم كل مرة مع نسخة من كتاب صدر لي. ولا أسألهم أبدًا عن رأيهم. الأمر لا يعدو أكثر من إشارة دخان في سماء العائلة: أنا بخير. ما خططته لحياتي يسير على مايرام، حتى لو لم يكن يشبه خطة أبي لحياتي.

عبر تلك الزيارات، الإشارات المرسلة بأني سعيد على الأقل، حدث تصالح ما، لم يكن ليحدث لو كنت قضيت حياتي هناك. لكن مع الأقارب الأمر صعب. حدث ما توقعته، لا أقول إن حياتي أفضل، لكن العائلات مخيفة، فحياتهم تنغلق إلى طقوس مسمومة، لا أحدثهم أبدًا عما أفعل، ولا أسعى لاثبات أي شيء. أنا من وجهة نظرهم، رجل عصى أباه بإنكار خطته وسيُعاقَب بلعنة أو متاهة. أبي نفسه لم يعد ينظر للأمر بنفس الطريقة، كل ما يهمه أن يتأكد أني في حال جيدة.

الزيارة القصيرة لأهلي في العيد، تشعرني بالسكينة، لكن إذا طالت، أشعر برغبة هائلة في العودة إلى القاهرة مجددًا، خوفًا من تبدد تلك السكينة، حقيقة كانت أو وهمًا.

سؤال العيد: هنفرح بيكي إمتى

دينا وهبة

هذا أول عيد أقضيه في مصر منذ انتقلت لبرلين منذ حوالي عامين. العيد كان دائمًا أمرًا كبيرًا بالنسبة لي، بالكثير من ذكريات الطفولة السعيدة التي تصاحبه.

تعودت على العمل خلال العيد في أوروبا، وعادة ما كنت أشعر بالوحدة والعزلة، بدون أي شخص لتقول له «عيد مبارك». ونحن أصغر، لم نكن نحتفل أبدًا بالكريسماس. ولذا، فبعد عيد كئيب في المكتب خارج مصر، قررت الاحتفال بكل الأعياد مع عائلتي البديلة. العائلة البديلة هي عائلة يختارها المرء وتختاره، هذا ما يحدث غالبًا في «الغربة» عندما يكون المرء بعيدًا عن عائلته بأميال، يخلق عائلة. هم أصدقاء، أشخاص نحبهم، ورفاق. قد يكونون أشخاصًا نعرفهم لسنوات، أو أصدقاء التقيناهم للتو وتعلقنا بهم. أنا محظوظة لكوني أملك عائلة بديلة. نتجمع في كل عيد، نأتي بالطعام ونجلس سويًا ونخلق تقاليدنا.

في هذا العيد كنت متحمسة للعودة للبيت. شعرت بقدر أقل من الوحدة، واستمتعت بالاستماع لصلوات العيد، وبالإحساس بأني جزء من الاحتفال. ولكن لقاءات العائلة جلبت معها الكثير من القلق أيضًا. مع كوني امرأة عزباء في الثلاثينيات، أعيش وحدي في أوروبا، فليس من السهل أن أحاط بعائلتي المحافظة. عادة ما تواجهني أسئلة لا أملك بالضرورة إجابات عليها، فبجانب أسئلة حول نمط حياتي في برلين، هناك أسئلة مثل «هنفرح بيكي امتى؟»،«ما تجوزتيش لغاية دلوقتي ليه؟» و«انتي مش عاوزة عيال ولا إيه؟»

يدق جرس الإنذار في عقلي، أضطرب وأبدأ في الغمغمة بأغرب الإجابات. ولكن ما يخترقني بالفعل هو نظرات الشفقة والعدوانية المكتومة حول وحدتي واختيارات حياتي. لذا، مجددًا، أشعر بالعزلة والوحدة حتى وأنا في البيت، محاطة بعائلتي.

في لحظات كهذه، أفتقد عائلتي البديلة. العائلة التي اخترتها؛ العائلة التي تعرفني فعلًا وتحبني لما أنا عليه. أبحث عن زاوية أختبئ فيها حتى ينتهي اليوم. أحاول عدم سماع أي تعليقات «تسم البدن» حول مظهري أو ما ألبسه. تنتابني مشاعر أسوأ مما جئت به، وأتذكر كيف اعتاد والدي على حمايتي. كان يُجلسني ويتباهى بي ويجيب على أي أسئلة قد تنتاب المرء بخصوصي، عندها ينتهي الأمر، يمكنني الاستمتاع لباقي اليوم. ولكن بعد رحيله تعقدت الأمور أكثر.

أنا أحب عائلتي فعلًا. أتمنى لهم أن يعرفوا هذا، وأتمنى لهم أن يعرفوا أني سعيدة بما أصبحت عليه. ربما سأضيف أطفالًا يومًا ما إلى العائلة، ولكن قبل هذا، أحتاج ألا تكون تجمعات العائلة عبئًا عليّ، كما هي عبء على الكثير من النساء في عمري.

الحيوانات لها عيون

عمرو عزت

كنت أقيم مع أهلي في «أرض الجمعية» في إمبابة، وهي منطقة جديدة تعد من ضواحي إمبابة، يعيش فيها الجيل الثاني من سكان إمبابة، معظمه من المهنيين الجامعيين الذين ارتقوا لأول شرائح الطبقة الوسطى، أما الجيل السابق فيعيش في إمبابة القديمة الشهيرة.

كنت أنا وأبي وإخوتي في العيد نزور بيت جدتي، أم أبي، في إمبابة القديمة، والخطة كانت أن نقيم هناك كل أيام العيد.

«أرض الجمعية» تكاد تخلو من البشر في معظم أيام العيد. سكانها، مثلنا، يذهبون لإمبابة القديمة أو لمدنهم وقراهم خارج القاهرة.

إمبابة القديمة كانت ملعب العيد، ويبدأ فيها ما يشبه الكرنفال فيها منذ وقفة العيد؛ الأطفال يرتدون الملابس الجديدة والمبهرجة، بعضهم يرتدي ملابس الجيش والشرطة، بعضهم ملابس خليجية، والشباب ينزلون بآلات موسيقية منذ ليلة العيد، طبلة ورق ومزمار وما إلى ذلك، يبدو لي هذا شبيهًا بكرنفالات أمريكا اللاتينية التي لم أحضرها، باستثناء عدم وجود «بنات» بالطبع.

في وقت ما، كان العيد فرصتي للتمتع ببعض الاستقلالية في البيت. كنت أزور بيت جدتي مع أهلي في أول يوم العيد، هذا يوم يصعب التهرب منه، ثم أقضي سائر الأيام في بيتنا في أرض الجمعية.
في البيت في «أرض الجمعية» كانت هناك فرصة للطيفة للقراءة أو الكتابة أو لمشاهدة الأفلام. إخوتي كانوا صغارًا، وبالتالي كانوا محتجزين في بيت جدتي كل أيام العيد، وأنا كنت الأكبر، فكانت هذه فرصتي لتجربة أن أكون وحدي في المنزل لبعض الوقت.

كنت أحب «لمّة العيد» في أول يوم، فبجانب الوجبة الأساسية، الفتة واللحمة، كان عندهم دائمًا برنامج غذائي مسلي يشغل اليوم، ولم يكن التليفزيون يحتل كل الوقت، فكنا، نحن أطفال العائلة، نحاول إنتاج الفكاهة؛ ما يشبه عروض ستاند أب كوميدي جماعية.

ولكن الفكرة أني لم أكن أحب لهذا أن يطول. كانت لدي خطط أخرى، للقراءة أو للقاء أصدقاء.

الآن وأنا أحكي أكتشف أن لديّ بعض الحنين لهذه الأيام، أن نتجمع في بيت العائلة مجددًا؛ فكرة «لمّة العائلة» ليست سيئة دائمًا. عندما أتجمع بأبناء العائلة مثلًا الآن، نكتشف أننا، كأطفال صغار، كبرنا، صرنا في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، وصارت لنا حياتنا المستقلة. كل مرة يدهشنا هذا الاكتشاف. ويصبح اللقاء مرحًا وصاخبًا وحميمًا، رغم أننا لا نلتقي إلا في المناسبات.

وأمر آخر مدهش، فشباب العائلة كلهم لديهم مزاج متقارب، كلهم في العشرينيات والثلاثينيات الآن، كلهم يملكون حسابات على الفيسبوك، وكلهم ضد الإخوان وضد السيسي، في ميل سياسي متقارب. كل «الأطفال» بلا استثناء، مع الثورة. على عكس الأقرباء الكبار في السن المحافظين والمؤيدين في معظمهم للسيسي الآن، والذين يحسون بالصدمة مني ومن إخوتي، يقولون إن عمرو ومحمود يكتبان أحيانًا أشياء حادة ويستخدمان لغة حادة. يبدو لي أن بعضهم يتعاطفون مع الثورة، ولكنهم فقط يخافون على أبنائهم.

بالإضافة إلى ذلك، كنت أكره طقس الذبح في العيد. جدتي وأخوها كانا يأتيان بجزار ليذبح. وفيما يشبه «غرفة عمليات صغيرة»، كانت إناث العائلة تتولى تقسيم اللحم لتوزيعه على أبناء العائلة أو المساكين، أما نحن، الذكور، فكنا نتولى نقل اللحم من مكان الذبح لغرفة العمليات ثم من غرفة العمليات للناس. كانت مهمة مزعجة جدًا بالنسبة لي.

في مرحلة معينة، أثناء فترة التدين، قرأت أنه من السنة أن يذبح الشخص بنفسه. ذهبت للجزار وطلبت منه أن أذبح أنا، فقبض هو على الخروف وثبّته، وأعطاني السكين لكي أذبحه، حتى ولو «رمزيًا». مررت السكين على رقبة الخروف في حركة بطيئة، ولم أستطع المواصلة. وظل هذا يضايقني، كوني شرعت في ذبحه، وكوني حاولت فعل شيء ضد طبيعتي. كان لدي إحساس طول الوقت أني لا أحب مواجهة منظر الدم ولا الجروح، ولذلك لم أفكر أبدًا في مسار كلية الطب، ولذلك ظللت لوقت قريب لا أحب مشاهدة أفلام تارنتينو.

الخروف الذي حاولت ذبحه، زارني في الحلم بعدها، أو تحديداً حلمت بعينيه. الحيوانات لها عيون تنظر إليك وأنت تذبحها، وهذا مرعب، حلمت كثيرا بعيون فئران أو سحالي قتلتها. ربما لو لم يكن لهذه الحيوانات عيون ما كان الأمر ليصبح سيئًا جدًا.

اعلان
 
 
عمرو علي، إيمان عبد الرحيم، أحمد الفخراني، دينا وهبة وعمرو عزت