Define your generation here. Generation What

في حبّ ميرفت أمين (تدوينة)

في أحد مشاهد فيلم حسين كمال الشهير «ثرثرة فوق النيل»، والقائم على رواية نجيب محفوظ، تكتب الصحفية سمارة (ماجدة الخطيب) تأملات حول سائر شخصيات الفيلم، ومنها الفتاة سناء التي تصفها سمارة بكونها «الجيل الضائع. لا ثقافة ولا تربية».

ورغم المسحة الأخلاقية الرجعية التي غلفت رسم شخصية سناء في الرواية والفيلم، وربطها بين التحرر الجنسي والضياع، فإن تلك الجملة تلتقط شيئًا هامًا، ليس عن سناء، وإنما عن الفتاة التي جسّدت شخصيتها في الفيلم: ميرفت أمين.

كان ذلك من أوائل الأفلام التي ظهرت فيها ميرفت أمين، والتي ساهمت في ترسيخ صورتها الطاغية في سبعينيات القرن الماضي. ميرفت هي الجيل الضائع، سينمائيًا وقوميًا ومجتمعيًا. ماذا ستفعل أجيال من الممثلات المصريات بعد فاتن حمامة وسعاد حسني؟ ماذا ستُبقي لهن نكسة 67؟

المصريون، كبعض الشعوب الأخرى، تخيلوا وطنهم امرأة؛ أمًّا في أحيان كثيرة، وحبيبة أيضًا، منذ ثورة 1919 وما تلاها. انعكس تأنيث الوطن هذا على علاقة المصريين (والعرب) بالشخصيات النسائية العامة، ومنها نجمات السينما

فاتن حمامة وزميلاتها لم يكنّ ممثلات فقط. كنّ مجازات واستعارات لأشياء أبعد من فيلم هنا أو مشهد هناك. ذاك زمن لم يكن فيه ربط المرأة بالوطن مكررًا ومألوفًا لحد الابتذال كما هو الحال الآن. مصر امرأة، كما يشير كتاب الباحثة الأمريكية بيث بارون. المصريون، كبعض الشعوب الأخرى، تخيلوا وطنهم امرأة؛ أمًّا في أحيان كثيرة، وحبيبة أيضًا، منذ ثورة 1919 وما تلاها. انعكس تأنيث الوطن هذا على علاقة المصريين (والعرب) بالشخصيات النسائية العامة، ومنها نجمات السينما.

لم يكن التقسيم الساذج الذي شاع في السينما المصرية، بين القديسات (وعلى رأسهن فاتن) ونجمات الإغراء كهند رستم وهدى سلطان، مجرد مسألة أخلاقية، فطبيعة الأدوار التي أسندت لفاتن غلب عليها الضعف ومسكنة الأنثى التي تحتاج لرجل كي يحافظ عليها ويحميها. ومن يقرأ التعليقات التي رافقت عرض فيلم صلاح أبو سيف «لا أنام» في دور السينما المصرية، والذي كسرت فيه فاتن صورتها العامة، يفاجؤه رد فعل الجمهور الغاضب على دور فاتن في الفيلم، الجمهور الذي يكشف عن مماهاة كبيرة بين فاتن حمامة الحقيقية وأدوارها على الشاشة. فاتن هي مصر كما يريدها أغلب المصريين؛ لا تَخْدِش ولا تُخْدَش.

جاءت سعاد حسني طبعًا، وأحدثت ما أحدثته من معان في الوطن/المرأة في ستينيات القرن الماضي، مما لا يسع المجال لذكره هنا، لكن نكسة 67 أجهضت ذلك التطور الطبيعي لحضور المرأة السينمائي وتعقيده. النكسة قتلت مصر، وكسرت زعيمها التاريخي. وإذا كان الوطن الحقيقي ذاته ضائعًا، فأي امرأة تلك التي سيماهيها به الناس؟ الأثر الإيجابي للنكسة على السينما المصرية كان أن تحررت المرأة من أن تكون رمزًا. المرأة في السينما المصرية في السبعينيات هي المرأة فقط، وبالنسبة لي، هي ميرفت أمين.

في أفلام السبعينيات كان على ميرفت أن تحضر على الشاشة فقط كي يبدأ إغواؤها وسحرها. ليس ثمة سرد يبرّر انجذاب الرجال لها. لا قصة حب تنمو وتتطوّر. تفتح ميرفت الباب وتدخل كي يشهق الممثل الذي معها، ويشهق معه الجمهور. فتنتها أراحت المخرجين وكتاب السيناريو من تطوير الأحداث وتعقيدها.

خلافًا لنجلاء فتحي التي أعادت تمثيل أدوار الخمسينيات القائمة على قصص حب مستحيلة يتخللها عذاب الفراق والشوق والانتظار، فإن ميرفت كانت العنوان الفوري لعلاقة ملتهبة لا مجال فيها سوى لجسدها الأخاذ كي يفرض حضوره الذي لا يقاوم على من أمامها. تجسد ذلك المشاهد الأولى التي تظهر فيها في أفلامها. في «الحب تحت المطر»، تدخل الاستديو فيترك الممثل خطيبته لأجلها. في «ثرثرة فوق النيل»، تظهر في أول مشاهدها فيلغي أحمد رمزي جلسة التصوير ويصطحبها للبيت. تقتحم مكتب محمود ياسين في «غابة من السيقان» فينتهي كل شيء. وحتى في أدوارها الأكثر براءة في «أبي فوق الشجرة» و«الحفيد»، فإن الفيلم يبدأ بعد قصة الحب، لا قبلها. أية قصة هذه التي ستبرّر انجذاب الرجال لميرفت؟

من فيلم «الحفيد»

محظوظة ميرفت أمين. هي ليست استعارة ولا مجازًا لشيء. لا تصلح لأن تكون «مصر» ولا سواها. لا تعيش لغيرها في السينما. ميرفت شيطان وملاك معًا، تقفز من صورة لأخرى بسهولة كسهولة الزمن الذي أنتجها. لا تحمل على عاتقها تمثيل أمة. هي الجيل الضائع السعيد بضياعه. أدوارها ذاتية جدًا، رديئة في أحيان كثيرة وجيدة في أحيان أخرى، لكنها فيها كلها ميرفت أمين. وعلى عكس فاتن حمامة التي أبحث في أدوارها عن رموز أخرى خارجها، فإنني في أدوار ميرفت أمين لا أبحث إلا عنها هي فحسب. في «ثرثرة فوق النيل» و«أنف وثلاثة عيون» و«الحفيد» و«غابة من السيقان» و«أعظم طفل في العالم» و«السلم الخلفي» وغيرها، من الصعب أن أتابع الدور ذاته. من الصعب أن تكون ميرفت أمين شيئًا آخر سواها. حضورها الأنثوي الرهيب يخنق تلك المسافة المطلوبة بين المؤدِي والمؤدَّى. لا أدري حتى اللحظة إن كانت ممثلة عظيمة أم لا. لا يعنيني في الحقيقة. فقط ميرفت أمين تعنيني .

ميرفت امتحان خطير أمام التزام المرء بأفكار تقدمية هامة قدّمتها لورا ميلفي وسواها حول ما يسمى بـ«تلصص الرجل» و«المتعة البصرية». تعاملت السينما في أغلب مراحلها مع جسد المرأة من منظور الرجل/ المخرج، الذي كانت كاميراه تتلصص وتدعو المشاهدين لمشاركتها التلصص على جسد المرأة. وتحرر المرأة سينمائيًا هو، في جزء أساسي منه، تحرر من هيمنة المتعة البصرية الذكورية التي تسيطر على الإنتاج السينمائي في العالم. ماذا نفعل مع ميرفت أمين إزاء كل هذا؟ أين نضع الخط الفاصل بين عشق الجسد وتشييئه؟

فيلم «أعظم طفل في العالم» مثلًا تلصصي بامتياز، وهو واحد من أردأ ما أنتجته السينما المصرية. هذه نقطة. لكن النقطة الثانية أنني ممتن لكل لحظة ظهرت فيها ميرفت أمين في هذا الفيلم. المشاهد ذاته يتلصص على كاميرا المخرج الذي يتلصص على جسد ميرفت هنا، يحاول أن يسرق منه الهواء الذي يلفها، يريدها له وحده، يريد القبض على رائحتها، أن يسكن بين نهديها وهي تعريهما وتقبض عليهما في لقطات قلَّ مثيلها في السينما المصرية.

رغم كل هذا لم تُصنَّف ميرفت كنجمة إغراء، على غرار ناهد شريف وشمس البارودي، وحتى في شبابها لم تصل لأن تكون فتاة غلاف كبرى كنجلاء فتحي ومديحة كامل. ثمة شيء خاص بميرفت، شيء يحجبها حتى في أشد لحظاتها فتنة، ربما لهذا تواصل العين البحث عنها حتى وهي أمامنا. قد يكون صوتها الخافت الذي تحتاج أحيانًا للاقتراب من الشاشة كي تسمعه.

يغيظني صوتها أحيانًا. أشعر أنه لا يعنيها وجودنا كمشاهدين. هي لا تتحدث إلينا. لا تقف أمام الكاميرا لتقول شيئًا. جسدها نص ناطق. لا تحاول أن تغري أحدًا. هي تكون ذاتها فقط. ليس ذنبها أن تكون ميرفت أمين. كيف تحمَّل المخرجون رؤيتها؟ كيف تعاملوا مع جسدها بتلك الاعتيادية التي تسمح لهم بتوقيف المشهد مرارًا وتكرار تصويره؟

مع أحمد رمزي في «ثرثرة فوق النيل»

اشرح ما يلي: ميرفت أمين.

التنورة التي تلتف على المؤخرة والفخذين. قلم الحمرة التي يصطك خائفًا بشفتيها. بقية اللعاب على شفاه الممثلين الذين قبلوها. المسافة التي تفصل بين ركبتيها والشورت الذي ترتديه. الجزمة التي ارتدتها في «أنف وثلاثة عيون». راحة يديها حين تلتف على أعناق عشاقها. الخاصرة التي ضغط عليها محمود ياسين. الأظافر المطلية بالأحمر التي اعتصرها أحمد رمزي. كل شبر فيها. كلُ كلٍ فيها.

أهم أفلام ميرفت أمين هي تلك التي لم تكن فيها ميرفت أمين. تلك التي لم يكن جسدها محور العالم السردي للفيلم. منحها تقدمها في السن في الثمانينيات وما بعدها فرصة عظيمة سينمائيًا، قلَّل من وهجها، خفف من سطوة صدرها وفخذيها. ما اجتمع جسد ميرفت أمين ونص إلا وكان التلصص ثالثهما. وحين غاب التلصص ظهرت أفلام مثل «زوجة رجل مهم» و«سواق الأوتوبيس» و«الأراجوز»، رغم أن ميرفت لم تكن البطل الأساسي فيها. أفلام هامة طبعًا، لكن المشاهد، في جزء خفي منه، يحنّ إلى ميرفت الأخرى، وربما تكون ميرفت ذاتها تحن إليها. كسبنا سينما، لكننا خسرنا ميرفت أمين.

تدرك ما يحدث داخل عقله. تقف أمامه بعنفوانها، وهو واقف أمامها كأبله، وتسأله: «واقف ليه؟ مش كنت خارج؟ مش كنت هربان؟ ما تهرب.. حد ماسكك؟»

ثمة مشهد معبر في فيلم «غابة من السيقان». يحاول محمود ياسين عبثًا الهروب من سطوتها. يواعدها في النادي وهو متردد، ويخرج مصممًا ألا يراها في اللحظة التي تدخل فيها هي لحديقة النادي. تدرك هي ما يحدث داخل عقله. تقف أمامه بعنفوانها، وهو واقف أمامها كأبله، وتسأله: «واقف ليه؟ مش كنت خارج؟ مش كنت هربان؟ ما تهرب.. حد ماسكك؟» ثم تجرُّه من يده.

المخاطَب في المشهد ليس محمود ياسين فقط، بل نحن. تتحدانا ميرفت أمين. تراهننا على أن نغمض أعيننا أمامها. أن نهرب من ظلالها. أين نهرب حين نهرب؟ هذه ليست سينما. ليست تمثيلًا لواقع ما. ميرفت تكون، وعلى الكل أن يتعامل مع هذا الواقع الجنوني، تمامًا كما تعامل معه محمود ياسين في الفيلم.

«ما تهرب.. حد ماسكك؟»

أجل يا ميرفت، ثمة شيء يمسكنا، شيء لا ينفع معه هدم الجدار لبريخت ولا نظريات أرسطو التطهيرية. لا نشاهد ميرفت لنخاف أو نحزن أو نشعر بالسعادة. نشاهد ميرفت كي نشاهدها، فقط.

اعلان