Define your generation here. Generation What

النوادي الرياضية في معركة التدجين

يستحسن النظر لأزمة الثقة الناشبة مؤخرًا بين أعضاء الأندية الرياضية وبين وزارة الشباب والرياضة على مستويين؛ الأول هو تراث نظام يوليو 1952 في الهيمنة على كل مؤسسات المجتمع وتقويض استقلالها الذاتي، والثاني هو اعتبار هذه الأزمة حلقة جديدة في سلسلة متصلة من الأزمات أدخل النظام الحالي نفسه والبلاد كلها فيها.

فيما يتعلق بتراث يوليو سبق للكاتب أن استخدم تعبير «تعقيم المجتمع» لوصف حرص نظام الضباط على وأد فكرة التنظيم الأهلي المستقل عن السلطة في مصر، وتصفية أو إخضاع وتدجين الموجود منها، من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية، إلى جمعية الرفق بالحيوان، وجمعية منتجي البطاطس، كما قيل حرفيًا في تلك المناسبة.

في حديث مع الكاتب جرى مؤخرًا، قال المفكر والمؤرخ والقاضي سابقًا طارق البشري إن التنظيم المستقل في دولة يوليو يشبه «الشرك بالله» عند الموحدين، مضيفًا أن نظام الضباط لا يكره الإخوان المسلمين لأنه يكره الإسلام، ولكن لأنه يكره الاستقلال التنظيمي، بغض النظر عن كفاءة الاخوان من الناحية السياسية من عدمها.

كانت النوادي الرياضية في مقدمة المؤسسات التي حرص نظام يوليو على السيطرة عليها منذ تحول للشمولية الكاملة في أواخر خمسينيات القرن الماضي

لم تكن النوادي الرياضية يومًا استثناء من هذا المخطط الواعي، بل كانت في مقدمة المؤسسات التي حرص نظام يوليو على السيطرة عليها منذ تحول للشمولية الكاملة في أواخر خمسينيات القرن الماضي وأوائل الستينيات، حين أطيح بأحمد عبود باشا من رئاسة النادي الأهلي في العام نفسه الذي أُمّمت فيه شركاته ومصانعه، وكذلك أطيح بعبد اللطيف أبو رجيلة باشا من رئاسة نادي الزمالك في نفس الوقت الذي أُمّمت فيه شركاته وصودرت فيه ثروته، وجيء بلواء الشرطة صلاح دسوقي محافظ القاهرة، والمقرب من الضباط الأحرار، رئيسًا للنادي الأهلي بالتعيين، أما نادي الزمالك فقد جيء بالمهندس حسن عامر، شقيق المشير عبد الحكيم عامر، رئيسًا له بالتعيين هو الآخر.

كانت هذه مجرد البداية، التي اكتملت برئاسة المشير عامر نفسه للاتحاد المصري لكرة القدم، ورئاسة حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة لاتحاد الفروسية، ورئاسة عبد اللطيف البغدادي عضو المجلس لاتحاد الكروكيه، ورئاسة الفريق سليمان عزت قائد البحرية للنادي الأوليمبي السكندري وأوليمبي القنال في نفس الوقت، وكذلك  جاء الفريق أنور القاضي ليرأس نادي الاتحاد السكندري، ثم جرى الأمر على هذا النحو، أو على نحو قريب في سائر النوادي والاتحادات الرياضية.

كان المطلوب هو إبقاء الحركة الرياضية وجماهير النوادي في حظيرة النظام، بما أن كل مؤسسات الدولة والمجتمع قد أُدخلت الحظيرة، أو قُضي عليها من الأصل.

وبما أن هزيمة يونيو 1967 أوهنت قبضة السلطوية في بعض المجالات، فقد كان لابد لهذه القبضة أن تتراخى كثيرًا على النوادي وعلى الحركة الرياضية، و من ثم عاد أسلوب الانتخاب طريقًا لاختيار رؤساء وأعضاء مجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية، واللجنة الأوليمبية المصرية، مع استبقاء الوسائل غير المباشرة للتدخل للتأثير في هذه الانتخابات، ومع التدخل الإداري بحل هذا المجلس أو ذاك عند اللزوم.

كما أن التطورات السريعة والثورية في الحركة الرياضية الدولية، أجبرت الإدارة الحكومية المصرية للرياضة على الخضوع للقواعد المعمول بها عالميًا، وبمفادها فالرياضة نشاط أهلي غير حكومي، ويجب أن تبقى إداراتها أهلية وديمقراطية، أي أن تتشكل بالانتخابات الحرة، ويؤدي أي تدخل حكومي فيها لقرار بالحرمان من النشاط الدولي في اللعبة أو الألعاب التي تديرها الحكومة بالتعيين، وقد تصل العقوبة إلى وقف النشاط المحلي الرسمي كليًا.

أرغمت هذه التطورات الإدارة المصرية، وبعد طول تباطؤ، على إصدار قانون جديد للرياضة يستوفي هذه المعايير، وبما أن الطبعة الجديدة والحالية من نظام يوليو 1952 تبدي علنًا حرصها على استنساخ شمولية وسلطوية الحقبة الناصرية، ومن دون انحيازاتها الاجتماعية والتزاماتها الوطنية والتنموية، فقد كان لابد من فتح ثغرات تنفذ منها للسيطرة على الحركة الرياضية ومؤسساتها عند اللزوم، وقطعًا للطريق على أية ديناميات ذاتية من داخل الحركة تشجع على شيء من الاستقلال في هذا القطاع، وتمتد عدواها لقطاعات أخرى.

كعادتها قدّمت البيروقراطية المصرية للجهات الدولية المعنية قانونًا لا غبار عليه، مدّخرة الثغرات للائحة التنفيذية

وبالتالي فلا يتسق مع منطق النظام أن تستقل المنظمات الرياضية بسبب المعايير الدولية، في وقت تُحكم فيه السلطة قبضتها على المنظمات والجمعيات الأهلية بالقانون الجديد، وعلى كبريات المؤسسات الإعلامية والصحفية والجامعات والنقابات، وفي وقت تُجهَض فيه محاولات تشكيل نقابات عمالية حرة، فضلًا عن محاصرة الأحزاب وتقزيم البرلمان، وإلغاء مبدأ الأقدمية الموضوعي في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وتقنين حق السلطة التنفيذية في عزل رؤساء الأجهزة الرقابية.

كعادتها قدّمت البيروقراطية المصرية للجهات الدولية المعنية قانونًا لا غبار عليه، مدّخرة الثغرات للائحة التنفيذية، وأهمها ثغرتان؛ الأولى اعتبار مجلس الادارة الذي لا يقبل حكم مركز التسويات الرياضية في ظرف ستين يومًا منحلًا، مع تعيين بديل له بالطريق الإداري لحين انتخاب مجلس جديد، علمًا بأن مركز التسويات الرياضية هذا مُعيَّن من الإدارة، وليس محصنًا ضد العزل، أي أن الإدارة ستكون هي الخصم والحكم معًا. أما الثغرة الثانية، فهي العضويات الاستثنائية، ومنح أعضاء فروع النوادي حقوقًا متساوية مع أعضاء الفرع الرئيسي، بما يفتح الباب أمام تغير طفري في تكوين الجمعيات العمومية، التي لها وحدها حق انتخاب مجلس الادارة.

سيبدو رفض الجمعيات العمومية في النوادي الكبرى للائحة الحكومية استعلاء طبقيًا، أو أنانية نخبوية ترفض مساواة أعضاء الفروع بأعضاء المقر الرئيسي، كما سيبدو رفض ضم أعضاء استثنائيين حرصًا من الجمعيات العمومية على إبقاء أعضاء كل نادٍ  كجماعة مغلقة على نفسها.

لكن شبهة الطبقية تنهار أمام حقيقة أن جميع المرشحين للعضوية الاستثنائية ليسوا من طبقة أدنى، بل ربما كان بعضهم من شرائح أعلى في الطبقة الوسطى التي جاء منها كل أعضاء الأندية الكبيرة والشهيرة، والأهم أن هؤلاء المرشحين للعضوية الاستثنائية كانوا هم من سيحصلون على امتياز غير قانوني تفرضه السلطة، حين يُعفوْن من رسم الاشتراك لأول مرة، وهو يصل إلى مليون جنيه في بعض الحالات، ولا يدفعون سوى الاشتراك السنوي المعتاد، ثم مع الوقت يشكلون «لوبي» يدين بصوته الانتخابي لمرشح السلطة التي منحتهم هذا الامتياز.

وأما شبهة انعدام المساواة بين أعضاء الفروع والأعضاء الأصليين، فإنها تسقط أمام حقيقة أن هذه الفروع أنشئت بأموال الأعضاء الأصليين، وأن من تقدموا لعضوية الفروع لم يتحملوا أعباء رسوم الاشتراك لأول مرة في المقر الأصلي، ثم إنهم كانوا على علم بكل ذلك وقبلوه، والأهم أنهم لم يطالبوا بتلك المساواة من وزارة الشباب والرياضة، وأن الباب مفتوح لهم للحصول على المساواة إذا دفعوا الرسم المقرر.

إذن، فقضية النوادي الرياضية في مواجهة اللائحة الحكومية هي في الجانب الأكبر منها قضية حقوق وحريات في مواجهة السلطة، وليست قضية استعلاء أو انعزال طبقي في مواجهة بقية المواطنين، وسائر الشرائح الاجتماعية.

هذه الحقيقة هي ما تفسر الإقبال الكثيف من أعضاء النوادي الكبرى؛ هليوبوليس والأهلي والزمالك والجزيرة في القاهرة، وسموحة في الاسكندرية، على حضور الجمعيات العمومية الطارئة، كلٌ في ناديه، والتصويت الإجماعي لصالح لائحة كل ناد، رفضًا للائحة الحكومية، إذ أن الأعضاء خافوا على هذه المساحة المحدودة التي يمارسون فيها قدرًا من الحرية والخصوصية من التغول السلطوي، المنذر بتغريبهم على المدى الطويل، في مكان ألفوه، وعن تقاليد حرصوا على احترامها، وعن جماعة يعتزون بالانتماء إليها.

هذه الأزمات كلها تندرج في سياق واحد، وهو معاناة النظام المصري في اللحظة الراهنة من أزمة اتصال وحوار وإقناع، رغم كل الصخب البادي على السطح

ولا يصح هنا الجدال بأن وزارة الشباب والرياضة هي نفسها من  أتاحت للأندية حرية الاختيار بين اللائحة الاسترشادية الحكومية، وبين لائحة خاصة يضعها كل ناد بشرط إقرارها من جمعية عمومية طارئة، لأن عدم إتاحة هذه الفرصة كان ليعد مخالفة جسيمة للقوانين الدولية للحركة الرياضية، ولأن الحكومة كانت تراهن على تعذر انعقاد الجمعيات العمومية بالنصاب المحدد، بشكل تعسفي، وفي شهر أغسطس المتعارف على كونه «شهر العطلات الصيفية».

***

أما عن المستوى الثاني للنظر في هذه القضية، بوصفها حلقة في سلسلة أزمات اختلقها النظام، وعرّض نفسه وعرّض المجتمع لها، فلنتذكر أولًا هذه السلسلة المطوّلة، بداية من أزمة تيران وصنافير، والتي لا تزال تبعاتها تتداعى لدى الرأي العام، ثم أزمة إضراب عمال المحلة، فأزمة جزيرة الوراق، فأزمة محاولة تعديل الدستور، وأخيرًا أزمة خفض المعونة الأمريكية الذي أُعلن أن سببه هو السجل المحزن للنظام في انتهاكات حقوق الإنسان المصري، وقبل كل ذلك، ومعه وبعده، الأزمات الاقتصادية الطاحنة.

هذه الأزمات كلها تندرج في سياق واحد، وهو معاناة النظام المصري في اللحظة الراهنة من أزمة اتصال وحوار وإقناع، رغم كل الصخب البادي على السطح، وأن المعادلة الحالية هي رفض شعبي يتنامى، وفرض سلطوي يتزايد، وكانت هذه هي الدائرة الخبيثة التي وقعت مصر فيها في السنوات الأخيرة من حكم حسني مبارك، إلا أنها جاءت مبكرة في النظام الحالى.

إن تساوي قوة الرفض مع قوة الفرض يؤدي إلى الجمود، أما تفوق قوة الفرض فلا يضمن الاستقرار، في حين يجب أن يؤدي تفوق قوة الرفض إلى الاصلاح والتغيير.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد