في رفح.. مدينة الدماء والرحيل
 
 
في رفح مدينة الدماء والرحيل. الصورة: مراد حجازي
 

مع نهاية يوليو الماضي، انتهت حملة أمنية سيطرت خلالها قوات الجيش على مدينة العريش طوال أسبوعين، عانى خلالها سُكان المدينة من أوضاع شديدة السوء، مليئة بالمعاناة والدماء، وبانتهاء الحملة عادت الاتصالات – التي انقطعت طوال الحملة – للعمل بشكل جزئي في مدن شمال سيناء الثلاث الكبرى؛ العريش والشيخ زويد ورفح، إلا أنها كانت عودة دامت أيامًا قليلة فقط. وذلك قبل أن تنقطع مرة أخرى عن المدن الثلاثة.

مع انقطاع الاتصالات مرة أخرى، توقع سُكان العريش أن تعود الأيام العصيبة مع حملة جديدة، إلا أن الحملة -واﻷوضاع السيئة والمعاناة والدماء- كانت من نصيب آخر المدن المصرية على الحدود الشرقية؛ رفح.

الصورة: مراد حجازي

***

يقطن في مركز رفح والـ 11 قرية التابعة له أكثر من 81 ألف نسمة، بحسب آخر إحصاء رسمي، يعود لعام 2016، على موقع محافظة شمال سيناء. تناقص العدد بشكل كبير، في السنوات اﻷخيرة، خاصة مع موجات النزوح التي بدأت في نهايات 2014، وذلك مع بداية إخلاء الدولة لمنطقة عازلة بعمق 1000 متر، في اﻷراضي المصرية المتاخمة لقطاع غزة، وهي العملية التي تم خلالها هدم 2100 منزل.

ظروف الحياة في مدينة رفح عصيبة بشكل واضح؛ يقول عدد من السُكان إن إمدادات المياه لا تصل نهائيًا إلى أحياء المدينة منذ ثلاث سنوات، فضلًا عن النقص الحاد في مستلزمات المعيشة والمواد الغذائية والخضروات، والتي ارتفعت، مؤخرًا، أسعارها بصورة مبالغ فيها. وصل سعر صفيحة السولار، على سبيل المثال، إلى 400 جنيه، وهي الوسيلة التي يعتمد عليها اﻷهالي في توليد الكهرباء لعدد ساعات محدود خلال اليوم. يحاول الأهالي تعويض استمرار انقطاع التيار الكهربائي بالكامل طوال 60 يومًا عبر المولدات.

وفيما تشهد رفح، والشيخ زويد، فرضًا لحظر تجوال، منذ أكتوبر 2014، ويبدأ في الخامسة مساءً وحتى السادسة من صباح اليوم التالي، يطلب اﻷهالي من السلطات السماح بمرور اﻷغذية، خاصة ألبان الأطفال والدقيق، إلى المدينة.

***

في العاشرة من صباح الأحد، 20 أغسطس الجاري، عُزلت مدن شمال سيناء الثلاثة؛ رفح والشيخ زويد والعريش، عن العالم لمدة زادت على 48 ساعة، إثر انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت بشكل مفاجئ.

في البداية حاول الأهالي معرفة ماذا يحدث، ليتبيّنوا بعد ذلك أن حملة أمنية كبيرة تستهدف رفح. أغلقت جميع الطرق المؤدية للمدينة بسواتر رملية. وأصبح دخول المدينة أو الخروج منها ممنوعًا إلا بالسير على اﻷقدام.

يقول «أبو محمد»، أحد سكان رفح، لـ «مدى مصر» إنهم فوجئوا مع بداية يوم 19 أغسطس بقيام قوات الأمن بإغلاق الطريق الفرعي، والوحيد، للدخول والخروج من مدينتهم رفح. جرى وضع ساتر ترابي كبير بالقرب من منطقة «ياميت»، في قرية أبو شنار.

يشير أبو محمد إلى أن الطريق الدولي الرئيسي مُغلق في وجه اﻷهالي وسياراتهم منذ عام 2014. لا تسير عليه سوى الحملات العسكرية أو الأقوال الأمنية أو القوافل الرسمية. يصبح الطريق الفرعي القريب من أبو شنار، القريبة بدورها من ساحل رفح، هو الحل الوحيد للوصول للمدينة. لكن مع الحملة الأخيرة أغلق هذا الطريق نهائيًا.

طالت الحملة كل قرى وأحياء مدينة رفح، وبحسب أبو محمد، كان انتشار قوات الجيش على الأرض بشكلٍ غير مسبوق، بداية من ساحل رفح وحتى قرى جنوبها. نقطة الارتكاز الرئيسية للحملة كانت في «أبو شنار» ما أقلق أهل المنطقة، ليقوم عدد كبير منهم بجمع أمتعته والرحيل بعيدًا عن منطقة العمليات خوفًا على أرواحهم.

***

لم ينتظر اﻷهالي كثيرًا، ما خافوا منه بدأ في الحدوث سريعًا، في يوم الثلاثاء، 22 أغسطس، سقطت قذيفة مجهولة المصدر على منزل في قرية نجع شيبانة، لتقتل أسرة كاملة من قبيلة الريشات؛ أم عمرها 45 عامًا، وابنتيها (عامان ونصف، و14 عامًا).

بعدها، وإثر قذيفة أخرى مجهولة المصدر، قُتل شاب وأصيب آخر على أطراف مدينة الشيخ زويد، وأنهت طلقات نارية طائشة حياة شاب آخر في منطقة ياميت برفح.

الصورة: مراد حجازي

في يوم 23 أغسطس أصبحت رائحة الدماء أكثر حضورًا.

قررت أربع أُسر في قرية «نجع شيبانة»، جنوبي رفح، أن تتجمع في منزل واحد؛ هربًا من الاشتباكات والحرب المحيطة بهم، إلا أن قذيفة مجهولة المصدر سقطت على المنزل لتنسفه بالكامل مخلفة 24 قتيلًا ومصابًا.

أسفر الحادث عن إصابة 16 شخصًا؛ 5 سيدات، وطفلتين كل منهما عمره 13 عامًا، وتسعة أطفال دون العشر سنوات، والذين تمّ نقلهم جميعًا إلى مستشفى العريش، التي أكد مصدر من داخلها أن مَن لم يدخل غرفة العمليات من اﻷمهات والسيدات رقد في غيبوبة، فيما بقى اﻷطفال بمفردهم في غرف المستشفى، وبعد يوم واحد توفى طفلين منهما (3 و10 سنوات)، فيما تمّ تحوّيل بعض الحالات إلى مستشفيات خارج شمال سيناء، وتكفل بعض «أهل الخير» بعلاجهم.

أحد سُكان القرية، طَلَبَ عدم ذِكر اسمه، قال لـ «مدى مصر» إن ثمانية أشخاص جميعهم سيدات وأطفال، قتلوا في الحال إثر سقوط القذيفة. لم يُنقلوا إلى المستشفى، ودفنهم اﻷهالي في القرية. أكد المصدر أن معظم الأقارب الرجال للقتلى الثمانية معتقلين بالفعل لدى قوات اﻷمن، فيما هرب آخرون من الملاحقات اﻷمنية التي تطال شباب ورجال المنطقة.

مصدر آخر في القرية أكد على أن قوات اﻷمن أمرت جميع سُكان القرية بالرحيل الفوري منها. في حين لم يتمكن بعضهم حتى من جمع أمتعته، وبقت القرية خاوية.

***

بعد موجات النزوح اﻷولى، في أواخر 2014، كانت قرية «الطايرة»، جنوبي رفح، بمثابة ملاذًا لكثير من الأهالي الذين رفضوا مغادرة المدينة كليةً، ليستقروا في القرية الصغيرة آملين أن تكون أكثر أمانًا لهم وﻷسرهم.

ولكن في يوم 26 أغسطس تبددت كل أحلامهم في الاستقرار، وصاروا مجبرين على الرحيل من القرية إلى المجهول.

يتذكر أحد سكان القرية الراحلين ما جرى قائلًا: «حضرت قوات الجيش إلى المكان، وطالبت عدد من السكان بإخلاء منازلهم، لإنشاء كمائن أمنية في محيط القرية، وأمهلتهم ثلاثة أيام، أما باقي الأهالي فقرروا الرحيل النهائي، خوفًا من البقاء في محيط الكمائن الأمنية وما يصاحبها من اشتباكات ورصاص عشوائي».

بحسب ساكن «الطايرة»، الذي غادرها الآن، رَحَلَ بعض اﻷهالي تاركين خلفهم كل شيء، وذلك بسبب صعوبة الخروج باﻷمتعة، فضلًا عن تكلفة سيارات النقل، والتي وصلت إلى 1700 جنيه من رفح وحتى الإسماعيلية. بينما لا يزال معظم أهل القرية عالقين فيها، بسبب عدم قدرتهم على حمل أمتعتهم ومتعلقاتهم وأثاث منازلهم، بعد إغلاق الطرق الواصلة من قريتهم وحتى الطريق الفرعي الوحيد.

شاهد عيان آخر من سُكان رفح قال إن اﻷهالي كانوا يحملون ما يستطيعون من أمتعتهم وأثاثهم في السيارات، التي تمنَع قوات الأمن مرورها حين يصلون إلى الحاجز الترابي، ما يضطرهم لإنزال اﻷمتعة واستئجار عربات كارو لنقل تلك اﻷمتعة إلى الجانب الآخر على مراحل.

بحسب ساكن «الطايرة»، الذي غادرها، كانت مدينة الصالحية ومحافظة الإسماعيلية عمومًا هي الوجهة الجديدة لمعظم الأهالي الراحلين، خاصة مَن يعملون منهم في الزراعة، أملًا في الالتحاق بأقاربهم المقيمين في أراضيهم الزراعية هناك، وهروبًا من الملاحقة اﻷمنية التي تطال أهالي رفح والشيخ زويد في أي مكان داخل شمال سيناء.

الصورة: مراد حجازي

 

بحسب عديد من المصادر المحلية التي تحدثت لـ «مدى مصر»، فقد استقر لدى أهالي رفح هاجس أن الدولة تحاول بشتى الطرق دفعهم للخروج من قراهم ومدنهم وترك سيناء بالكامل، وهو الهاجس الذي يتأكد لديهم أكثر في ظل تردي اﻷوضاع المعيشية في رفح والشيخ زويد والعريش، واستمرار «الحرب على الإرهاب» منذ أربع سنوات دون أن تبدو لها نهاية قريبة، خاصة مع زحف العمليات الإرهابية من مدينة إلى أخرى.

وفيما استنكر اﻷهالي فصل شبكات الاتصال والإنترنت عن مدن شمال سيناء مع كل حملة أمنية، أكدوا أن شبكات الاتصال المصرية لا تعمل في مدينة رفح بالكامل، سوى في مناطق ضيقة جدًا على ساحل المدينة، فيما يستقبل الهاتف المحمول ﻷي شخص يدخل المدينة للمرة اﻷولى رسائل ترحيب من شبكات الاتصال الإسرائيلية، التي تعمل، بمفردها، في رفح.

البعض اﻵخر من السكان رأى أن الدولة تحاول التهرب من مسؤوليتها في دفع تعويض لمَن يخلي منزله، على غرار ما حدث وقت الإعلان عن إقامة منطقة عازلة بعمق 1000 متر، والتي طالبت الدولة سكانها بشكل رسمي بالإخلاء، على أن تدفع لهم تعويضات.

كان إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق، قد أصدر في أكتوبر 2014 قرارًا بإخلاء 5 كيلومترات في مدينة رفح، وألزم القرار، في مادتيه الثانية والثالثة، الدولة بتوفير مساكن بديلة وتعويضات لمَن يترك منزله في تلك المنطقة.

من الكيلومترات الخمس، تمّ إخلاء كيلومتر واحد فقط رسميًا، وتمّ تعويض قاطنيه بقرابة 650 مليون جنيه، بحسب بيانات محافظة شمال سيناء، وهو ما لم يحدث مع مَن رحلوا من باقي المدن التي تشهد حربًا على الإرهاب.

كانت الإحصائية الرسمية الوحيدة الخاصة بتعداد النازحين هي تلك المُعلنة من محافظة شمال سيناء في أواخر أغسطس 2016، والتي قدرت النازحين بـ 12 ألفًا و861 فردًا، موزعين على 68 تجمعًا في مدن العريش، وبئر العبد، والحسنة، بإجمالي 5324 أسرة.

***

على طول الطريق الدولي «العريش-القنطرة» تتناثر عشرات العشش على جانبي الطريق، جميعها يقطنها نازحون، تركوا منازلهم ومزارعهم وقراهم في رفح والشيخ زويد منذ أواخر 2014، بعد زيادة حدة الاشتباكات بين القوات المسلحة وبين ما يعرف بـ «تنظيم ولاية سيناء»، وهو النزوح الذي لم يتوقف منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

ساكن «الطايرة» الراحل عنها وصف فكرة النزوح بـ «العصيبة والقاسية»، وقال: «إحنا البدو ارتباطنا باﻷرض اللي اترعرعنا فيها وثيق جدًا، صعب ننفك عنها»، وأضاف: «أصعب حاجة إنه ييجي اليوم اللي تنقلع فيه من جذورك».

أما ساكن مدينة رفح الذي كان شاهدًا على لحظات رحيل أهلها، وصف الساتر الترابي الذي أقامته قوات اﻷمن على طريق دخول المدينة بأنه كان حاجز يفصل ما بين الذكريات في المدينة، والمستقبل المجهول غربًا.

فيما تبقى عبارة «راجع يا رفح» مستقرة على جدار منزل بمدينة شبه خاوية، لم تعد تعرف إلا الرحيل.

اعلان
 
 
مراد حجازي