خفايا الحركة الدبلوماسية الجديدة: استبعاد لشكوك في «الولاء والانتماء».. ونائب مدير المخابرات سفيرًا
ملف حوض النيل يعيد التعيينات الأمنية ورجال الوزير باقون
 
 
 

ما زالت سحابة من الوجوم والإحباط تسيطر على أروقة وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج، بعد مرور بضعة أسابيع على الحركة الدبلوماسية الأخيرة التي صدرت في مطلع أغسطس الجاري بقرار من رئيس الجمهورية.

الحركة، التي تأخر الإعلان عنها في موعدها المعتاد قرابة ثلاثة أشهر، نتيجة تدخلات من أجهزة أمنية، لم تحدث منذ سنوات طويلة، تضمنت قطع بعثة سفراء عاملين بالخارج وإعادتهم مبكرًا للقاهرة، كما تضمنت تجاوز عدد آخر من السفراء المفترض ابتعاثهم للخارج، في إطار إجراءات عقابية أوسع شهدتها الشهور القليلة الماضية بحق دبلوماسيين من مستويات مختلفة على خلفية شكوك في انتماءاتهم السياسية أو درجة ولائهم للنظام.

وكان من أبرز ملامح الحركة اﻷخيرة، تعيين نائب مدير المخابرات العامة سفيرا لمصر في أوغندا، وكذلك قطع بعثات ثلاثة سفراء مصريين في الخارج -في إجراء نادر للغاية- لأسباب سياسية أو بناء على توصيات مرفوعة من جهاز المخابرات العامة لمكتب رئيس الجمهورية. وهم السفراء: حسين مبارك في قبرص، وياسر عاطف في الكويت، وحازم الطاهري في تايلاند.

على جانب آخر، تجاوزت الحركة أكثر من خمسة سفراء كان من المفترض تكليفهم برئاسة بعثات مصرية في الخارج، على خلفية اعتراض الأجهزة الأمنية أو رئاسة الجمهورية على مواقفهم السياسية في السابق، أو تعبيرهم عن آراء ناقدة لبعض أوجه السياسة العامة في أحاديث خاصة أو على صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتضمنت قائمة السفراء الذين تجاوزتهم الحركة كلًا من وائل كمال أبو المجد، سفير مصر السابق لدى كندا، ويشغل حاليًا منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشئون البيئة، وأيمن زين الدين، السفير السابق لدى إسبانيا والمدير الحالي لإدارة الإعلام الأجنبي، والسفيرة أمل مراد، مساعد وزير الخارجية حاليًا لشؤون التخطيط السياسي، والسفيرة رندة لبيب التي شغلت في السابق منصب نائب مساعد الوزير لشؤون المشرق العربي.

ولم يتلق أي من هؤلاء السفراء أي شرح أو تفسير لأسباب استبعادهم من الحركة، خاصة وأن أيًا منهم لم يخضع لأي تحقيقات أو تنبيهات بشأن أية مخالفات في بعثاتهم السابقة أو في الفترة الحالية؛ وذلك باستثناء السفيرة رندة لبيب التي قال مصدر دبلوماسي مطلع إنها تعرضت مؤخرًا للفت نظر رسمي اتصالًا بما تبديه على صفحتها على فيسبوك من مواقف تخص قضية تسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.

وشهدت الحركة تكليف نائب مدير المخابرات العامة، اللواء طارق سلام، بمنصب سفير مصر في أوغندا، ما أثار تساؤلات في الوزارة حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية، وربما غيرها من الوزارات المعروفة بـ «السيادية»، سيكون لها نصيب متزايد في الحركات الدبلوماسية المقبلة، في استعادة لما كان يجري في عهدي الرئيسين الأسبقين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وبدرجة محدودة للغاية في بداية سنوات حكم مبارك، من تكليف شخصيات من الجيش أو المخابرات لرئاسة بعثات مصر الدبلوماسية في عواصم أجنبية.

من كوبري القبة إلى كمبالا

ابتعاث الرجل الثاني في جهاز المخابرات العامة، طارق سلام، سفيرًا إلى العاصمة الأوغندية جاء ليعكس «توسع دور المخابرات على حساب الخارجية في التعامل مع ملف حوض النيل»، بحسب دبلوماسي مصري سابق عمل على هذا الملف قبل تقاعده.

سلام، الذي كان من المفترض أن يبلغ سن التقاعد من المخابرات بعد بضعة أشهر، سبق له تولي منصب رئيس هيئة الخدمة السرية في المخابرات العامة، قبل أن يؤدي اليمين الدستورية نائبًا لمدير المخابرات العامة في ديسمبر 2014، حين تم تعيين اللواء خالد فوزي مديرًا للجهاز.

واكتسبت أوغندا مؤخرًا أهمية متزايدة كمركز لزخم التحركات الرامية للتنسيق بين دول حوض النيل بشأن إعادة توزيع مياهه بين دول المنبع والمصب.

وشهدت مدينة عنتيبي اﻷوغندية في يونيو الماضي أول قمة لرؤساء دول حوض النيل بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تشير المصادر إلى أنه يضع الكثير من الآمال على دور الرئيس الأوغندي موسيفيني في حل أزمة امتناع مصر عن الانضمام لاتفاقية عنتيبي الإطارية بشأن مياه النيل، وتهدئة التوتر القائم بين مصر وإثيوبيا بسبب اقتراب الأخيرة من إتمام بناء سد النهضة رغم الاعتراضات المصرية.

فيما اتفق مصدران دبلوماسيان تحدثا إلى «مدى مصر» على أنه من المرجح أن يكون تكليف المخابرات العامة برئاسة بعثة كمبالا مجرد بداية، وإن الجهاز طالب رئاسة الجمهورية بتولي رئاسة كافة البعثات المصرية في كل دول حوض النيل من أجل تسهيل إدارة المخابرات العامة لملف حماية حقوق مصر التاريخية من مياه النيل.

سطوة «الأجهزة»

دبلوماسي بارز آخر عاد لتوه إلى القاهرة رأى أن تكليف سلام يختلف عن سوابق تكليف شخصيات من الجهاز أو من قطاعات «سيادية» أخرى لترؤس بعثات دبلوماسية في الخارج، لأنه هذه المرة «يأتي في سياق توسع دور مختلف أجهزة الأمن في تسيير أمور الوزارة»، سواء في ما يخص الحق في اتخاذ القرار، والذي يزيد بالتأكيد عما كان الحال عليه خلال أكثر من 25 سنة مضت، أو في مساحة التدخل بالقرار النهائي بخصوص اختيار المبتعثين للسفارات من الديوان، أو حتى سلطة متابعة عمل البعثات الدبلوماسية وإنهاء عمل عدد من الدبلوماسيين في الخارج أو في الديوان تحت عنوان الاتهام «بالانتماءات السياسية المعادية للنظام».

هذه السلطة المتوسعة ظهرت بوضوح في الحركة الدبلوماسية الأخيرة، بداية من تأجيل الإعلان عنها بسبب تأخر الأجهزة الأمنية في إقرار ترشيحات وزير الخارجية، ثم ظهرت بصورة أوضح في قائمة السفراء المعاقبين، والتي ضمت سفيرين جرى قطع بعثتهما بسبب تقارير «الأمن»، بحسب مصدرين دبلوماسيين لا يزالا في الخدمة.

أول السفيرين المقطوعة بعثتهما هو حازم الطاهري، سفير مصر في تايلاند، والذي سيعود إلى مصر قبل انتهاء فترته، على خلفية اتهامات بالولاء للإخوان المسلمين، رغم أن ابتعاثه إلى بانكوك كان في عهد الوزير الحالي سامح شكري وبقرار من السيسي. أما الثاني فهو ياسر عاطف، سفير مصر في الكويت، والذي تم استدعائه إلى الديوان بتوصية من «الأجهزة» رغم إجماع أغلب زملائه على عدم اعتناقه أو تعبيره عن أي آراء سياسية، ورغم أنه لا يملك صفحة على أيٍ من وسائل التواصل الاجتماعي «تفاديًا للمشاكل».

جاءت تلك القرارات العقابية بعد أيام قليلة من قرار جمهوري بإنهاء خدمة كل من سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة بنيويورك، معتز خليل (نُقل إلى وزارة النقل)، وسفير مصر السابق إلى بيروت، أشرف حمدي (نُقل إلى وزارة التنمية المحلية)، بناء على توصية أمنية، لتصل قائمة الدبلوماسيين المبعدين من الوزارة حتى الآن إلى 12 دبلوماسيًا مرشحين للزيادة في الشهور المقبلة، بحسب مصادر داخل ديوان الوزارة.

«مناخ من الخوف الدائم»

أحد الدبلوماسيين الذين لم يكلفوا بمهام داخل الديوان أو في البعثات منذ انتهاء مهماتهم في الخارج قبل ثلاث سنوات قال لـ «مدى مصر» إن «هناك حالة كبيرة من الإحباط في وزارة الخارجية، تنال بشدة من روح المبادرة التي تشلّ بالضرورة قدرة السفارات والعاملين فيها على إرسال تقييمات للرأي مختلفة عن تلك التي تتبناها الأجهزة السيادية؛ خشية الوقوع في شرك الاتهام بمعاداة النظام»، مضيفًا أن «السائد الآن هو أن كل شيء يدار بغرض إرضاء الأجهزة الأمنية خشية التعرض للعقاب الوظيفي الذي ذهب بعدد من أفضل الدبلوماسيين المصريين حتى الآن إلى دواوين وزارت أخرى أو مكاتب محافظين دون توجيه اتهامات أو إجراء تحقيقات مع المعاقبين».

وهو الرأي الذي اتفق معه سفير يخدم حاليًا في ديوان الوزارة، مؤكدًا أن الإجراءات العقابية الحالية لا يجب رؤيتها فقط في إطار صراع نفوذ بين الوزارة والمخابرات، أو الاعتداء على الأمان الوظيفي وحرية الحركة وإبداء الرأي للدبلوماسيين، «وإنما يمتد أثرها للإضرار بقدرة الوزارة على خدمة مصالح البلاد وأولويات الأمن القومي» على حد تعبيره.

وأشار السفير إلى «مناخ عام من الخوف الدائم» يسود الوزارة ويمنع الدبلوماسيين من التعبير عن رأيهم حتى في الاجتماعات والمحادثات مع زملائهم، «فضلاً عن المكاتبات الرسمية بالطبع، ما يحرم الوزارة من الاستفادة من آرائهم وخبراتهم».

أما الوزير سامح شكري، فإنه -بحسب دبلوماسيين في الوزارة- في حالة دفاع دائم عن النفس، ويقول لمن يلومون عليه ما يحدث للدبلوماسيين المتهمين بمعاداة النظام دون دليل، إنه يخضع لضغوط كبيرة من الأجهزة الأمنية، وإنه يسعى قدر ما يستطيع لحماية الوزارة من الخضوع الكامل للأجهزة المختلفة التي تنظر للوزارة بقدر كبير من التشكك، والتي تراقب صفحات التواصل الاجتماعي لجميع الدبلوماسيين بنظرة يسبق فيها الاتهام أي شيء آخر، خاصة إذا لم تحمل تلك الصفحات عبارات تأييد مباشر للنظام، وهو الأمر الذي قال مصدر بالوزارة إنه دفع عدد من الدبلوماسيين لإغلاق صفحاتهم الشخصية أو التوقف عن الإدلاء بأي تعليقات أو ردود أفعال على الأحداث الجارية.

الناجون من التغيير

رغم غياب قدرة (أو رغبة) شكري على حماية الدبلوماسيين من العقاب الوظيفي لأسباب سياسية، فإنه نجح في الدفاع عن عدد من أقرب «رجاله» في سفارات هامة والذين كانوا بدورهم على وشك التعرض لإنهاء بعثاتهم في الحركة الأخيرة.

جاء على رأس هؤلاء سفير مصر في برلين، بدر عبد العاطي، والذي يقول مصدر دبلوماسي مصري إنه «ذهب إلى أبعد مدى يمكن تصوره في إبداء الاعتذار وطلب الصفح من رئيس الجمهورية»، أثناء الزيارة الرئاسية لبرلين منذ شهرين، على خلفية مخالفات نسبتها له الرقابة الإدارية التي كانت قد داهمت مقر إقامة عبد العاطي ومقر السفارة في مايو الماضي دون إنذار؛ للتفتيش عن تلك المخالفات.

وأضاف المصدر أن السيسي استمع خلال الزيارة إلى تقدير كبير لعبد العاطي من عدد من كبار المسؤولين الألمان بما في ذلك المستشارة أنجيلا ميركل نفسها.

كما نجا من التغيير السفير المصري في واشنطن، ياسر رضا، الذي تعرض لهجوم من الإعلام الموالي للنظام في القاهرة بسبب «عدم كفاءته في الدفاع عن وجهة النظر المصرية» في العاصمة الأمريكية.

وكانت التوقعات تزايدت بقطع مهمة رضا واستبداله، خاصة مع إقدام مدير المخابرات العامة على التعاقد مباشرة مع شركتين للعلاقات العامة في واشنطن ونيويورك لتمثيل المصالح المصرية دون إخطار السفير أو التنسيق معه. لكن قرار الإدارة الأمريكية المفاجئ بحجب مساعدات عسكرية لمصر للمرة الأولى الأسبوع الماضي قد يدفع لإعادة النظر في استمرار رضا في موقعه.

في الوقت نفسه، شلمت الحركة الدبلوماسية الأخيرة 45 سفيرًا، وكان من أبرز ملامحها تكليف محمد إدريس مبعوثًا لمصر لدى الأمم المتحدة بنيويورك، والذي سبق له العمل سفيرًا لمصر لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، وهو حاليًا مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، وكذلك تعيين المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، علاء يوسف، مندوبًا دائمًا لمصر لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، وتعيين خالد البقلي، الأمين العام لمجلس الأمن القومي، والمساعد المباشر لمستشارة الرئيس للأمن القومي، فايزة أبو النجا، سفيرًا لمصر لدى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في بروكسل.

كما تم خلال الحركة نقل مي خليل، التي تولت منصب سفيرة مصر في العاصمة اﻷوغندية كمبالا منذ عام واحد، لتحل محل السفير المصري في العاصمة القبرصية نيقوسيا، حسين مبارك.

وبحسب مصدر رفيع المستوى في وزارة الخارجية فإن مبارك أثار حفيظة الحكومة القبرصية بعد أن أجرى مباحثات مع القبارصة الأتراك «دون تعليمات أو توجيهات أو حتى تنسيق مع القاهرة»، ما استلزم توضيحًا رفيع المستوى من طرف الحكومة المصرية لنيقوسيا مع وعد باتخاذ اللازم مع السفير، بحسب المصدر نفسه.

وجاء إنهاء مهمة مبارك متسقًا مع الحرص المصري الشديد على استمرار التطور الإيجابي في العلاقات مع قبرص، لأكثر من سبب، منها خطة التعاون الواسعة بين البلدين في مجال التنقيب عن الغاز الطبيعي في المتوسط، وكذلك في ضوء المواقف القبرصية المدافعة عن النظام المصري داخل الاتحاد الأوروبي منذ 2013، فضلاً عن استمرار توتر العلاقات بين مصر وتركيا على خلفية التغيرات السياسية التي شهدتها مصر منذ صيف 2013.

فيما لم تشمل الحركة الدبلوماسية السفير هشام بدر، مساعد الوزير للعلاقات الدولية متعددة الأطراف، والذي تم استبقائه، للعام الثاني على التوالي، على قيد الترشيح المعلق سفيرًا في روما، التي سحبت سفيرها من مصر قبل 16 شهرًا رفضت خلالها منح موافقة لأي سفير مصري في أراضيها.

إلا أنه من المتوقع أن يشهد وضع بدر حلحلة بعد طول انتظار في ضوء إعلان الخارجية الإيطالية مؤخرًا إرسال سفير جديد لها للقاهرة رغم عدم التوصل لحل لقضية تعذيب ومقتل الأكاديمي الإيطالي جوليو ريجيني في مصر في فبراير من العام الماضي.

القائمة الثالثة في الطريق

في الوقت نفسه تسود ديوان وزارة الخارجية حالة من الترقب، في ظل تجدد الحديث حول احتمال صدور قائمة جديدة بدبلوماسيين سيتم إبعادهم عن العمل في الخارجية أسوة بسابقيهم.

وقال مصدر مطلع في الوزارة إن القائمة الجديدة قد تصدر خلال شهر سبتمبر المقبل، «وربما تتأخر قليلًا ولكن الأرجح أنها ستصدر قبل نهاية العام، لأن هناك إصرارًا من المخابرات على إعفاء عدد من الدبلوماسيين من أعمالهم تحت عنوان غياب الولاء الكامل للدولة».

وأضاف المصدر أن ممثلي الأجهزة الأمنية يجرون مراجعات مستمرة لأداء كل الدبلوماسيين المصريين في الداخل والخارج ويتابعون بدقة ما يكتبه أي دبلوماسي على صفحات التواصل الاجتماعي.

فيما ذكر عدد من المبعدين عن العمل في وزارة الخارجية أنهم ماضون في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمقاضاة الوزارة في سلسلة دعاوى فردية على أساس أن ما يتعرضون له هو غبن غير مبرر في ضوء عدم إخلال أي منهم بدوره الوظيفي.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان