Define your generation here. Generation What

أوجه الموت وراء قناع «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» إسرائيل والمستوطنون والفلسطينيون

في هذا الشهر، تقدم يهود إسرائيليون بطلب للإقامة في مستوطنة «حيرن» بصحراء النقب، إلّا أن اللجنة المسؤولة عن المستوطنة واجهت طلبهم بالرفض، فيهودية المتقدِّمين للسكن والبناء في المستوطنة لم تكن كافية، لأنه كان على رأس أولويات اللجنة الإدارية لمستوطنة حيرن الحديثة أن يكون المتقدّم يهوديًا أرثوذوكسيًا؛ اليهودي فقط يُرفض، اليهودي الحريدي مُرّحب به.

ومن المنتظر إقامة مستوطنة حيرن اليهودية في النقب على أنقاض قرية أم الحيران العربية، والتي هُدمت بيوت أصحابها المبنية من الصفيح، بقانون إسرائيلي صنّفها مع 38 تجمعًا عربيًا داخل صحراء النقب؛ بوصفها قرى غير معترف بها.

وبالتزامن مع هدم قرية عربية لإقامة مدينة للحريديم، أو اليهود المتطرفين، ورفض سواهم من اليهود العلمانيين، كانت أخبار مماثلة تأتي من الوسط، تحديداً من مدينة «العفّولة» الواقعة في منتصف الخارطة الفلسطينية، والمُقامة على أراضي قرية «الفولة» العربية، ويخوض فيها يهود آخرون منذ شهور مظاهرات عنصرية متتالية رفضًا لبيع الشقق السكنية للمواطنين العرب، تحت قيادة رئيس المدينة المنتخب.

يهود ضد سكنى الفلسطينيين في عفولة

أما إذا اتجهنا للشمال أكثر، إلى عكا، فسنجد أن رأس المال الصهيوني قد انفرد بها، ليبدأ بتهويد المدينة عبر شراء المنازل العربية فيها كما حدث من قبل في مدينة اللد، لتحويلها إلى منتجعات سياحية ربحيّة، على حساب التواجد العربي، وعلى حساب التواجد المشترك للعرب واليهود فيها، بهدف تحويلها لـ«مدينة يهودية صرف».
هذه الوقائع الثلاث تكشف عن أنه وراء القناع العلماني والديمقراطي الذي ترتديه دولة الاحتلال أمام العالم، تدور في إسرائيل الكثير من التوترات المنظمة بصمت، في أشكال متعددة من الصراعات العنصرية، عنصرية الحكومة ضد المواطنين العرب، وعنصرية المتدينين ضد العلمانيين، وغيرها.

ناطحات سحاب وبيوت من الصفيح

في الوقت الذي وقّع فيه الرئيس الهندي في زيارته الأخيرة مع دولة الاحتلال عقودًا بمليارات الدولارات، منها عقود تستفيد الهند خلالها من التقنية الإسرائيلية المتقدمة في تحلية المياه، ما يزال المواطنين العرب في النقب يعتمدون على مياه الصهاريج، والمولدات الكهربائية الخاصة لإنارة بيوتهم المبنية من الصفيح، ليظل التكتل العربي في النقب بسكانه الـ 85 ألف يعيشون على هامش التاريخ؛ دون مخصصات مالية تدعم بناء المدارس والمستشفيات، وبلا أي شروط للحياة المستقرّة، مختبئين وراء المدن اليهودية وناطحات السحاب، هربًا من معاول الهدم التي مسّت أم الحيران، والمرشحة لهدم القرى الـ 37 الباقية.

طفل فلسطيني من أم الحيران

وبعنصرية سياسية مشابهة ضد تجمع عربي آخر في الداخل، عرض رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على رئيس السلطة الفلسطينية اتفاقية لتبادل الأراضي، اقترح فيها إعطاء السلطة منطقة «المثلث»، بسكانها البالغ عددهم ربع مليون عربي، مقابل أن تضم إسرائيل إليها مجمع «جوش عتصيون» الاستيطاني الواقع داخل نطاق الضفة الغربية، أي مبادلة 70 ألف مستوطن بربع مليون عربي، والتخلص من عرب الداخل بطريقة الصفقة السياسية، وهو وجه آخر من وجوه الترانسفير/ الترحيل ضد فلسطينيي الداخل؛ عرب أقل وأرض أكثر، فالمستوطنون الحريديم ورغم أنهم يشكلون العبء المادي والمعنوي الأكبر على كاهل الدولة، لأن جل إمكانياتها العسكرية والمادية مُسخّرة لحراستهم وتوسعهم، ورغم ما يقابلون به الجيش من نظرة دونية تصل لتحريم الخدمة فيه، ونظرة الكراهية والتكفير التي ينظرون بها لغيرهم من اليهود العلمانيين، ورفضهم الاختلاط بهم أو السكن بجوارهم، مثلما فعلوا في مستوطنة حيرن، إلا أنهم، وبالمقياس العنصري لإسرائيل، أهم من آخرين، عرب غير يهود.

جيتوهات محمية جيدًا

قرية «أم الحيران» المهجّرة، ومع اختصار جزئي لبعض حروفها العربية، واختصار كامل لسكانها العرب، تحولت إلى «حيرن» العبرية، وتصلح كل فقرة من سجل أحداثها لأن تكون قصة مصغّرة عن العنصرية داخل الكيان، بداية من القوانين المُسيَّسة التي نزعت شرعية البقاء عن عرب فلسطينيين يحملون الهوية الزرقاء الإسرائيلية، ويقيمون على الأرض من قبل قيام الدولة، لإحلال مستوطني اليمين الديني المتطرف الذين هم بحسب الصحفي مئير كوهين: أخطر على وجود الدولة من المفاعل النووي الإيراني!

ثم، وبعد تهجير السكان العرب من أم الحيران، تظهر عنصرية اليهود المتدينين حتى تجاه غيرهم من اليهود العلمانيين، ليرفضوا مجاورتهم في سكناهم، امتداداً لثقافة الجيتو بثيابه السوداء الموحدة وأسواره المغلقة أمام الثقافات والأعراق الأخرى، وبتواطؤ من سلطة يقودها ائتلاف حكومي من اليمين القومي والديني، سنّ منذ انتخابه رزمة من القوانين العنصرية الممهدة لتديُّن الدولة وتطرفها، ابتداءً من قانون يهودية الدولة، الذي حوّل جنسية مواطنيها العرب إلى ما يشبه إقامة مؤقتة، تُطبّق عليهم قوانين سحب الجنسية، كما حدث مع علاء زيود ابن مدينة أم الفحم (المدينة العربية في المثلث والمرشحة للتبادل)، ثم برمزية قانون منع الأذان، الموجّه ضد فئة دينية دون غيرها، كل هذا يحدث في الوقت الذي تخوض إسرائيل صراعاتها في القدس والنقب ومستوطنات الضفة الغربية تلبية لاعتقادات الفئة الأكثر تطرفًا في الديانة اليهودية.

الجيش والمستوطنين.. حب من طرف واحد

منذ صعود المتشددين لسدة الحكم، أُنفقت المليارات على المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 67، تحت ستار السرية وفي غياهب عشوائية الإنفاق الحكومي، بحسب الصحفي أوري أفنيري، والذي عبّر في وصف آخر له عن كون إسرائيل صارت «دولة لشعبين مختلفين من اليهود»، أو دولة يصير فيها وزير الدفاع المتباهي بتطرفه أفيجدور ليبرمان «ضحية سلام»، ويُرشق بالحجارة من قبل الحريديم، وهم يرددون هتافات ضد جيشه، لأنه يتأخر في تلبية طموحاتهم التلمودية والتوسعية.

في تظاهراتهم ضد الدولة الإسرائيلية، يتناسى الحريديم تسامح الدولة وجهازها القضائي وقادة الجيش مع جنود ارتكبوا جرائم حرب ضد فلسطينيين، يتناسون أنه لم يُحكم على الجندي أليئور أزاريا، الذي أطلق النار على رأس فلسطيني مُصاب وملقى على الأرض، سوى بسنة ونصف فقط، بل وأن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ومعه وزراء آخرون، طالبوا بالعفو عن الجندي، معتبرين الحكم بهذه المدة قاسيًا ومؤلمًا. وبعد تنفيذ الحكم زُفَّ الجندي القاتل إلى السجن مرفوعًا على الأكتاف في موكب مُهيب، ومشابه لاستقبال حارس أمن السفارة الإسرائيلية في عمّان بعد قتله لمواطنين أردنيين!

يطيب لإسرائيل تقديم نفسها للعالم كـ«دولة ديمقراطية علمانية»، رغم كم التمييز العنصري والديني داخل حدودها، سواء بالتهجير الممنهج والمباشر كما حدث في أم الحيران، حيث تتدخل الجرافات بعد جلسات استعراضية طويلة أمام القضاء لتبدأ بتدمير البيوت، أو عبر التمييز العقائدي بالامتيازات والتسهيلات المعطاة للحريديم، وتسهيل سيطرتهم على المؤسسات المساهمة في نشر أفكارهم، كالإعلام والتعليم، حاملين أفكارًا عبّر عنها مستوطن منتم لأحد الأحزاب الدينية في القدس، وهو يطعن بسكّينه الحادّة أجساد المشاركين في تظاهرة للمثليين، صارخًا: «أورشليم لن تصبح سدوم الثانية».

اعلان
 
 
عنان العجاوي