Define your generation here. Generation What

من «مصطفى محمود» إلى «رابعة»: السياسات المميتة لـ«القرف»

كانت المرأة الجالسة أمامي قد أخرجت رأسها من شباك الميكروباص، حين مر بميدان مصطفى محمود، قبل أن تشير بتأفف إلى خيام اعتصام اللاجئين المنصوبة في منتصفه، قائلة لرفيقتها الجالسة بجانبها: «حاجة آخر قرف». بررت المرأة امتعاضها بقولها: «بيقولوا عندهم إيدز وأمراض معدية».

لم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع بها بمثل تلك الادعاءات، فقد كنت سكنت في شارع جانبي لا يبعد عن الميدان سوى شارعين فقط، لمدة شهور قليلة بنهاية عام 2005، والتي تصادف خلالها بداية الاعتصام وفضه أيضًا. وخلال فترة الاعتصام، كانت الشكاوى المعتاد سماعها من الجيران، هي كونه مصدرًا للقذارة والروائح الكريهة، فالناس فيه لا يستحمون بالطبع، ويتبولون ويتبرزون داخله، غير أن «الافارقة» يسكرون أيضًا، ويمارسون الجنس هناك، ومعروف عنهم نشر الأمراض المعدية.

لم يكن كلام سيدة الميكروباص صادمًا لي، أو غير معتاد، لكن ما أصابني بالرعدة، هو ما قالته لاحقًا. فبعد دقائق من الشكوى الممزوجة بتقزز واضح، نظرت المرأة إلى رفيقتها، قائلة: «المفروض الحكومة تقتلهم»، فما كان من رفيقتها إلا أن شهقت: «حرام عليكي، يحطوهم في الصحرا بعيد عن الناس وخلاص».

اقتراح سيدة الميكروباص لم يكن سوى نبوءة كُتب لها التحقق، ففي فجر 30 ديسمبر، اقتحمت قوات الشرطة المصرية حديقة ميدان مصطفى محمود، بغرض فض الاعتصام الذي كان قد استمر لثلاثة أشهر، مستخدمة القوة المفرطة وغير المبررة، والتي أودت بحياة 27 لاجئا، بحسب وزارة الداخلية، و150-300 قتيلًا بحسب تقديرات منظمي الاعتصام. كانت المشاهد التي عُرضت على شاشات التلفزيون في اليوم التالي مفزعة، فغير العنف غير المبرر من جهة الشرطة، كانت صور الأهالي وهم يسحلون جثث القتلى، بينما يضربها البعض الآخر بالمواسير الحديدية على رؤوسها، أمرًا غير قابل للتصديق أو الفهم.

القرف يقتل

لم يكن الاعتصام مسيسًا، بمعنى أنه لم يستدع انقسامًا بين المصريين على خطوط خصومات سياسية أو صراعات إيديولوجية، فمعظم الأهالي في المنطقة لم يكونوا يعرفون الغرض من الاعتصام، وفي أكثر الأحوال كانوا غير مهتمين بالمعرفة. وحتى حجج تعطيل المرور، وسد الطريق العام، لم تكن أمورًا يشكو منها أحد. لم يكن هناك غضب، ولا كراهية، ولا سياسة، ولا خوف، ولا مصلحة، فما الدافع لكل تلك القسوة الدموية؟ ربما يبدو القرف شعورًا هامشيًا، وأحيانا غير مفهوم، لكنه يقتل.

اجتذب القرف، بوصفه شعورًا إنسانيًا نواجهه بشكل يومي وفي كل التفاصيل الحياتية، قدرًا معتبرًا من الاهتمام الأكاديمي والبحثي. فالنظريات البيولوجية والتطورية لسيكولوجيا القرف نظرت له بوصفه شعورًا غريزيًا معنيًا بتحاشي الضرر. كانت تلك النظريات قد ربطت شعور القرف بالموت، وكل ما يستدعى للذهن علامات التحلل والهلاك والضعف، سواء بشكل مادي كالروائح الكريهة والدماء والتشوه الجسدي وغيرها، أو بشكل معنوي كالبدائية والتخلف الحضاري، أو حتى الممارسات الجنسية الخارجة عن المألوف، والتي تستدعى شعورًا بالغثيان.

حتى وإن بدت تلك النظريات مقنعة، وهي صحيحة فعلًا في أحيان كثيرة، إلا أنها لا تفسر كيف أن الأمر الذي يستدعي القرف لدى مجتمع معين، أو لدى أفراد منه، قد يكون مقبولًا، أو حتى مشتهى، لدى مجتمع آخر، أو أفراد منه، بل وربما للجميع في فترة تاريخية مختلفة. كانت إجابة النظريات البنيوية وما بعدها، أن القرف مسألة اجتماعية، تتشكل عبر عمليات دينية وتربوية وسياسية وأخلاقية، تحدّد السائد والمقبول والمباح، كما تضع قيودًا على الممنوع والمحرم والشاذ، وهكذا يتعلق القرف في جوهره بالحكم الأخلاقي والقيمي.

لا عجب أن تخرج الصحافة لتربط بين الاعتصام والقذارة والأمراض المعدية، مشفوعة بتصريحات لعادل إمام، سفير النوايا الحسنة لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين، تربط بين اللاجئين وبين مرض الإيدز

تختلف تلك النظريات في أصول القرف وتفسيره، لكنها تتفق على أنه شعور حصري، يختلف عن الخوف. فإذا كان الموت حافزًا لكل من الشعورين، القرف والخوف، فإن الخوف يستدعى المواجهة أو الهرب، بحكم الضرورة، ويتأسس على شعور بالندية أو الدونية في مواجهة موضوعه، فيما يستدعي القرف اللفظ أو الإشاحة، بفعل الحكم الأخلاقي المضمر فيه، ويتأسس على شعور بالفوقية والتعالي على موضوعه. لكن ربط الخوف والقرف بالموت، وكذا بالحاجة لإفناء مسبباته، سواء ماديًا أو معنويًا، يقودنا لأن كلًا من الشعورين قد ينتهيان بالقتل، بندية في حالة الخوف، وبفوقية، وهي الأبشع، في حالة القرف.

هكذا تبدو مفهومة لنا الصور الدونية التي روجتها الإدارات الاستعمارية عن الشعوب المستعمَرة، عن بدائيتهم وهيئاتهم المنفرة وعاداتهم غير الصحية وأمراضهم المعدية وسلوكياتهم اليومية القذرة، لتبرير القمع والقتل والعبودية. وكذا كيف كان للبروباجندا النازية أن توزّع صورًا كاريكاتورية لليهود بأنوف كبيرة وظهور محدودبة ووجوه قبيحة، لتحفيز القرف ضمن مشاعر أخرى كثيرة، تمهيدًا للحل النهائي. كما لا عجب أن تخرج الصحافة، في اليوم التالي لمذبحة مصطفى محمود، لتربط بين الاعتصام والقذارة والأمراض المعدية، مشفوعة بتصريحات لعادل إمام، سفير النوايا الحسنة لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين، تربط بين اللاجئين وبين مرض الإيدز، مع تعليق لمذيعة مصرية عن المعتصمين، بمفاده فإن «شكلهم زي القرود».

رابعة كحرب بين الخير والشر!

الأمر يتعلق بالعنصرية بالطبع، لكن القرف أيضًا كان واحدًا من أقوى المشاعر المتضمنة في كل القناعات والممارسات التميزية ودوافعها، فمن منا لم يسمع عبارات تنعت الأقباط بكونهم «ملزقين»، أو «مزيتين»، أو أن رائحة بيوتهم «مكمكمة»، ومن لم يلاحظ الشعور العميق بالتقزز، الذي يتحول إلى كراهية عنيفة في أحيان كثيرة، والكامن في «رهاب المثلية»!؟

في ورقته البحثية، «سيكون هناك دم: توقعات وأخلاقيات العنف خلال موسم مصر العاصف» المنشورة بالإنجليزية هذا العام، يقدم الباحث الفنلندي صامولي شيلكِه سردية محكمة وشديدة الإيجاز للعمليات السياسية والخطابية التي قادت لمذبحة رابعة. ما ينطلق منه شيلكه هو أن المذبحة لم تكن مجرد قسوة مفرطة من الشرطة، ولا أن النظام الحاكم تعمد الوصول لمواجهة دموية صفرية، سيربحها بالتأكيد في النهاية، بل أن العنف والمواجهة الدمويتين، ودعمهما جماهيريًا، كل هذا كان خيارًا أخلاقيًا منتظرًا ومتوقعًا، بل ومرغوبًا، ساهمت في تجذيره كل القوى المؤثرة على الساحة السياسية، بما فيها القوى الثورية والعلمانية، وعملت على تكثيفه الآلة الدعائية للنظام. ما يذهب إليه شيلكه أن رابعة كانت قد أضحت معركة مصيرية بين الخير والشر، واجبة الحسم لدى الكثيرين من مؤيدي النظام، وكذا معارضيه من العلمانيين.

اللافت للانتباه في ورقة شيلكه هو تقريرها للطبيعة الأخلاقية للعنف في رابعة وما تلاها، وتركيزها على مشاعر الكراهية والغضب والخوف والقلق والارتباك، التي برّرت العنف بفعل كثافة الاستقطاب السياسي وخطابات القوى المؤثرة وتكثيفها إعلاميًا.

كان موضوع الأمراض المعدية التي يحملها المعتصمون أمرًا متداولًا، وحذر الإعلامي إبراهيم عيسى من الجرب المنتشر في الاعتصام

كان اتهام الإخوان بخيانة الثورة، والتفريط في دم الشهداء، والتحالف مع العسكر، وتهديد الأقليات والنساء وعلمانية الدولة، وبالهيمنة على مفاصل الدولة والاستئثار بمواردها، وبالعمالة لقوى أجنبية، وبالتساهل مع الإرهاب، وحتى بامتلاك أسلحة نووية في اعتصامهم، كلها مبررات كافية لفهم مشاعر الغضب والكراهية والخوف التي انصبّت على المعتصمين في رابعة، ولفهم طبيعتها الأخلاقية أيضًا. لكن ما لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أيضًا هو مشاعر القرف غير المسيسة التي جرى تكثيفها تجاه المعتصمين في رابعة، والتي كان لكثير من غير المعنيين بالسياسة أن يتجاوبوا معها.

روّجت وسائل الإعلام لكون الاعتصام شديد القذارة وتنبعث منه الروائح الكريهة، وتساءلت عن الكيفية التي يصرف بها المعتصمين فضلاتهم وقمامتهم، والطرق التي يحافظون بها على نظافتهم الشخصية. كما كان موضوع الأمراض المعدية التي يحملها المعتصمون أمرًا متداولًا، وحذر الإعلامي إبراهيم عيسى من الجرب المنتشر في الاعتصام.

أفارقة وريفيون

كل هذا كان طبقة واحدة من مبررات القرف. كانت الإشارة إلى الأصول الريفية للمعتصمين المجلوبين إلى المكان في باصات، ومستوياتهم الاجتماعية المتواضعة، سببًا للتقزز المعنوي هذه المرة. وكما روّج الإعلام في بداية الثورة لاحتواء اعتصام التحرير على «علاقات جنسية كاملة»، فإن «جهاد النكاح» كان دعاية التقزز الأخلاقي في رابعة، جنبًا إلى جنب مع اتهامات للمعتصمين بقتل بعضهم بعضًا، ودفنهم القتلى تحت المنصة. بالطبع كانت صورة «الإسلامي»، بهيئته ولباسه ولحيته الكثة ورجعيته وبربريته وسلوكه الفظ، حتى وإن كانت سابقة على رابعة، قد حفزت أيضًا خليطًا من التقزز والخوف في آن واحد من المعتصمين، كما كانت صورة «الأفارقة» في مصطفى محمود.

لا يعنيني هنا مدى صحة كل تلك الصور والتصورات والادعاءات والاتهامات التي تخص معتصمي رابعة، أو غيرهم من الضحايا، لكن الأمر الجدير بالحسرة والفزع معًا، هو التمعن في سياسات القرف المميتة، وطغيان مشاعرها الكثيفة التي بررت القتل، واستدعته في مذبحة وراء مذبحة، والتحديق في كل مشاهد الجثث والدماء، التي وإن بُرّر سفكها وارتُجي لأسباب كثيرة، وبفعل مشاعر عديدة ومتناقضة، إلا أن أبشعها كان «القرف»، في تعاليه وفوقيته المميتة.

اعلان