Define your generation here. Generation What
«حادثة النيل هيلتون»: عن الشرطة، لا عن سوزان تميم بالضرورة!
 
 

كان الضابط نور الدين فاسدًا أيضًا كأقرانه؛ يسرق ويرتشي ويدخن المخدرات، لكن ولسبب ما، ودون تنظير عن الحق والعدالة، قرر ملاحقة قاتل إحدى المطربات المغمورات.

لا يقدم المخرج السويدي من أصل مصري طارق صالح، في فيلمه «حادثة النيل هيلتون»، الأسباب التي دفعت الضابط الأرمل الذي يعيش وحيدًا، لعدم السكوت هذه المرة عن منظومة الفساد التي يشكل هو وعمه عنصرين رئيسيين فيها، حيث الأخير مسؤوله في قسم شرطة قصر النيل، فلا يعرف المشاهد سبب القرار المفاجئ الذي اتخذه هذا الضابط لبذل الجهد والاهتمام بمقتل المطربة، وملاحقة خيوط الجريمة.

تبدأ المشاهد الأولى للفيلم منذ لحظة معاينة الضابط لجثة المطربة الملقاة على أرض إحدى غرف فندق النيل هيلتون، مذبوحة من عنقها، وربما كان هذا وجه الشبه الأبرز بين الجريمة المقدّمة في الفيلم وبين مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في شقتها بدبي.

يأخذ نور الدين في العبث بمحفظة القتيلة لكي يسرق منها المال، مع فاتورة لاستلام صور من استديو تصوير، تقوده للحصول على صور لشخصية سياسية كبيرة، ومقربة من أبناء الرئيس المصري، وهي تمارس الجنس.

يلاحق الضابط نور الدين هذه الشخصية، ولكن بهدف ابتزازها أكثر مما هو بهدف تقديمها للعدالة، فيلقي بالصور في سلة المهملات، ويفرح بترقيته، إلا أنه سرعان ما يعود إلى إصراره على محاسبة المجرم، رغم الإغراءات المالية، ومن ثم التهديدات ومحاولات قتله، وكل نقاشات عمه معه لردعه، وكذلك اهتزاز «وضع البلد» الذي سيشهد بعد أيام قليلة ثورة 25 يناير2011.

ورغم أن الفيلم قدم جريمته بمكان وزمان وأحداث تختلف عن القصة الحقيقية، إلا أن التشابك مع جريمة مقتل سوزان تميم يتواصل، ويتأكد التشابه حين يقدم الفيلم قاتل المطربة كشخصية متنفذة سياسيًا وتمتلك الملايين وتبني الأحياء السكنية الفاخرة، كما كان هشام طلعت مصطفى يفعل قبل سجنه بتهمة قتل تميم، والمثير للسخرية أن عرض الفيلم في صالات السينما الأوروبية، أتى متزامنًا مع الإفراج عن المتهم لدواع صحية.

بيد أن هذا الصيت الملاحق للفيلم باعتباره يدور حول «مقتل سوزان تميم» مضلل إلى حد كبير، وغالبًا ما يترك المشاهد أسير توقعات بعينها، بينما لم تكن الجريمة هي ما يريد الفيلم الحديث عنه، بل أراد من خلالها إظهار حجم الفساد الذي ينخر بجهاز الشرطة المصري، من خلال تسمية الأشياء بأسمائها وإبراز الابتزاز والعري والدعارة والقتل كما تبدو في العالم الحقيقي، كل هذا مما يصعب تقديمه في فيلم روائي طويل يُصنع داخل مصر.

من هنا تأتي أهمية رؤية الأحداث من خارج مصر، والقدرة على تقديمها دون تخفيف من بشاعتها. ربما حاولت الأفلام المصرية، التي قدمت هذه النوعية من الحبكات، الاقتراب من الفساد، ولكن ليس بالشكل المريع الذي قدّمه الفيلم، فطوال 106 دقيقة، قدم الفيلم منظومة الجريمة داخل جهاز الشرطة المصري، والتي تقوم على الرشاوى والابتزاز وحماية كبار الشخصيات، وقتل شهود العيان بموافقة الجميع وأمام عيونهم، فساد طالما سمعنا عنه لكن كان من الصعب دومًا رؤية تفاصيله كاملة كما يفعل «حادثة النيل هيلتون».

لهذا ربما احتاج المخرج لتقديم فيلمه من خارج مصر، فقد صُوّر في الدار البيضاء بالمغرب، ولم يعرض حتى الآن بمصر، وإنما كان عرضه الأول في مهرجان «صندانس» للأفلام المستقلة بولاية يوتا بأمريكا في يناير الماضي، والذي حاز فيه على جائزة لجنة التحكيم، والآن يعرض في صالات السينما بفرنسا، ويلاقي ترحيبًا كبيرًا بين الفرنسيين.

تكمن قوة الفيلم في تقديمه أدق التفاصيل بمهارة وعن خبرة ومعرفة، وهذه ميزة أن يكون المخرج من البيئة ذاتها ولكن يعيش خارجها، فيعبر عما يحدث دون خوف من قتل أو اعتقال أو إخفاء قسري.

إلا أن هذه القوة، وهذا الربط القصة بحادثة حقيقة، يجعلان المشاهد أيضًا يستقبل الرواية، تمامًا كما هي ودون تمحيص، ويصدقها كلها، ما يشكل خطرًا بشكل ما على المصداقية العامة التي تسعى إليها هذه الأفلام التي تؤثر على الأحداث فعلًا، تمامًا كالأفلام الوثائقية، حتى وإن كانت روائية. والمفارقة أنه هنا يكمن تأثير السينما الروائية الجيدة، وقد أدرك المخرج ذلك، فأراد الخروج من قوة هذا التصديق بأنه «لا مفر من فساد منظومة الأمن المصري»، بتقديمه لنا نور الدين كنموذج فاسد من ذات المنظومة لكنه يتمرد على هذه الحالة.

أدى شخصية نور الدين بمهارة الممثل السويدي من أصل لبناني فارس فارس، وهو نجم في التلفزيون السويدي المحلي، رغم أن جميع الحوارات المكتوبة له ضعيفة، وكذلك كانت اللغة العربية ولكناتها ضعيفة على لسان جميع الممثلين غير المصريين، على عكس اللغة الجنوب سودانية المحلية ذات الأصل الإفريقي والتي برزت في مشاهد كثيرة لم تكن مبررة في سياقها الدرامي، ولكن هذا كان إيقاع الفيلم بالأصل؛ البطء، وفي إطاره قُدّمت العديد من المشاهد غير الرئيسية، كتكرار عادات البطل اليومية في منزله.

كانت الموسيقى التصويرية الجيدة مسلية أحيانًا في هذه المقاطع الطويلة، فبالإضافة إلى الأغاني التي قدمها المخرج، بحسب مواقع الأحداث، كالأغاني الشعبية أو الثورية، كانت هناك موسيقى تصويرية جيدة تدعمها تقنيات احترافية للصوت، إضافة لبعض أغاني عبد الحليم حافظ، مع تكرار المقطع الأول من أغنية «يا مسافر وحدك» لمحمد عبد الوهاب، لتعطي انطباعًا عن الفيلم بعيدًا عن السينما الدارجة، وقريبًا من ذاتية وحداثة، أراد المخرج  من خلالهما نزع صفة «البوليسية» عن فيلمه.

احتوى الفيلم على الكثير من التجريب والمغامرة اللذين كانا ليؤديا به إلى الفشل بسهولة، إلا أن ذكاء المخرج جعل الأمر دائمًا على المحك

كأن المخرج أراد تقديم ما يقدمه الآخرون في حبكات فساد الشرطة وجرائم القتل السينمائية، ولكنه سرعان ما عاد ليمزق النماذج التي تجعل فيلمه يشبه أفلامًا أخرى أو تسهّل توقعات المتلقى، فحين قدم لنا الضابط نور الدين وهو ينظر إلى صورة البطلة القتيلة، نتخيل أنه واقع في غرامها، ما يبرر ملاحقته لقاتلها، لكن المخرج سرعان ما يعود ويسحب منا هذا الظن، بجعله مغرما بصديقتها.

من هنا احتوى الفيلم على الكثير من التجريب والمغامرة اللذين كانا ليؤديا به إلى الفشل بسهولة، إلا أن ذكاء المخرج جعل الأمر دائمًا على المحك، فيخرج المشاهد مبتسمًا يقول: «كان هذا فيلمًا جيدًا». وإضافة إلى ذلك، فهو بالتأكيد ليس امتدادًا للمشهد السينمائي المصري الحالي.

روى فيلم «حادثة النيل هيلتون» حكاية مقتل مطربة، وتحقيق الضابط نور الدين في مقتلها عبر دقائق طويلة ومشاهد بطيئة، لا ليحدثنا عن جريمة القتل هذه، بل ليجيب على سؤال آخر: لماذا كان سهلاً على رجال الشرطة والضباط فتح الرصاص الحي على الجماهير الثائرة في 25 يناير، وما الذي كانوا يحمونه ويخافون عليه، ولا يزالون؟

اعلان
 
 
أسماء الغول