الوطنية الزائفة: حكم الكتالوج والأخ الأكبر

«المعلومة قبل أي شيء آخر»، تلك هى قاعدة أجهزة الاستخبارات فى العالم أجمع، ولكن في الحقيقة، فلا تهم صحة المعلومة وجدواها طالما أنها تتفق مع مصلحة من يروج لها. حيث تبني سيناريوهات كاملة على قاعدة من المعلومات الزائفة والمفبركة، لرسم خطوط عامة وأولية لسياسة يجب أن تتبع وفق هذا البناء.

لضمان نجاح هذه العملية المعقدة نسبيًا، تلجأ السلطة أو جهاز المخابرات إلى «الشريحة المثقفة» التي تكن لها الولاء، لا لاعتبارات «وطنية»، بقدر ما هو لاعتبارات المصالح المادية المباشرة التي تأتي بالنفع لتلك «النخبة المثقفة التنويرية» و«الوطنية». وتصبح مهمة هذه الفئة هي تغليف المعلومة وإخراجها ضمن النسق القومي والسياسي، سواء جاءت المعلومة في طورها الجديد للتوجيه لفعل معين وإما للنهي عن إتيان آخر. وتحدث عملية التغليف والإخراج تلك في سياق بروباجندا إعلامية وأعمال درامية وسينمائية دعائية، لتصل في نهاية المطاف لسيادة «المواطن» الجالس أمام التلفاز يشاهد مبتهجًا بحقه «الممنوح» في «المعرفة».

لا يتعلق الأمر ببلد أو دولة بعينها، بل بكتالوج تعمل وفقه جميع الدول وأنظمة الحكم، متقدمة أو نامية، ملكية أو ديكتاتورية شمولية عسكرية أو ديمقراطية برلمانية شكلية. والهدف الرئيسي لهذا «الكتالوج» هو السيطرة على عقول المواطنين، عبر تشكيل وصياغة وعي يتوافق مع مبدأ «سيادة القانون» الخاص بالطبقة الحاكمة، التي تسيّر هذا المبدأ وتحظره على نفسها، فالقانون في رؤيتها هو مجموعة القواعد الثابتة التي تربي بها الدولة – أو الجهاز المؤسسي والإداري للطبقة الحاكمة – مجموع المواطنين.

وعليه، فإن اخترقت هي تلك القواعد، لا ينطبق عليها القانون، ويُردُّ هذا عادة لاعتبارات الأمن القومي، ولوجود خطة «استخباراتية» من «الدولة المُربِيّة» لضرب الأعداء في مقتل، حتى وإن كان واضحًا للكفيف قبل المبصر أن ذاك الفعل هو في حقيقة الأمر خدمة للأعداء!

وإن كنت أحد مواطني هذا الكتالوج، فعليك استقبال المعلومة، سواء في صيغة الأمر أو النهي، دونما تفكير أو نقد، وإن شككت مجرد شك في أهلية من يمسك بزمام السلطة في هذا الكتالوج، أو في أحقية هذا النظام المجتمعي والطبقى فى البقاء، فمصيرك إما الإخفاء أو السجن أو القتل عن طريق التصفية.

بين الشرق والغرب، المخابرات واحدة!

تختلف مسميات أجهزة الاستخبارات من دولة إلى أخرى، كما تختلف في أسباب نشأتها، والتي ترجع لمكونات النظام الاجتماعي الحاكم نفسه والظروف المادية والموضوعية التي أدت لإحداث انقلاب اجتماعي في بلد أو إقليم ما، يدفع بالنظام الجديد للإمساك بزمام السلطة.

بعد ثورة أكتوبر 1917 شُرع في تأسيس جهاز استخبارات للدولة السوفيتية الناشئة وقتذاك، وهو ما عرف فيما بعد باسم «الكي جي بي»، وكان الهدف الرئيسي من تأسيسه هو التصدي لمحاولات إجهاض الثورة من قبل الدول الاستعمارية الأوروبية الكبرى المتحالفة مع بقايا النظام القيصري السابق، فى فترة الحرب الأهلية الروسية بين الجيشين الأحمر والأبيض.

إلا أنه، وبعد نهاية الحرب الأهلية، أصبحت المهمة الرئيسية لهذا الجهاز هي ترسيخ الديكتاتورية الستالينية، وحكم الفرد أو الحزب الواحد المغلف بشعارات التضامن الأممي والعمالي، لتبرير سحق حركات الاحتجاج العمالية والاجتماعية، التي تقع خارج حدود الاتحاد السوفييتي، ولا تتفق مع خط النظام الستاليني. استمر هذا طيلة الحرب الباردة حتى انهيار المنظومة الستالينية بأكملها فى 1989.

وبالمثل أيضًا المعسكر المضاد، فنشأة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «السي آي إيه»، أتت بعد ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية من تقسيم للعالم ومقدراته بين طبقاته الحاكمة، لتجد الولايات المتحدة نفسها حاملة للواء الإمبريالية العالمية ما بعد الحرب.

لم تختلف البروباجندا التي استُخدمت وقتذاك عن اليوم، وهى إيجاد عدو معين يهدد «الأمن القومي الأمريكي» والسلام العالمي، سواء كان هذا العدو موجودًا بالأساس أم لا، فتارة هو العدو الأحمر وتارة الإرهاب ثم الإسلام الراديكالي. وكل هذه البروباجندا مغلفة في النهاية بذات الروح الوطنية الزائفة وتضخيم الذات الأمريكية وحلمها. وكم من الأفلام أُنتجت لترسيخ هذا المفهوم، المتناقض في واقع الأمر مع تاريخ تدبير الإنقلابات العسكرية فى العالم الثالث ودعم تلك النظم بكل قوة، أو حتى تدريب أجهزة مخابرات لدول أخري كما حدث في الاشتراك مع الموساد في تدريب جهاز «السافاك» في نظام الشاه العسكري في إيران، إلى تدبير احتلال العراق فى 2003 الذي قام على معلومات أثبت الواقع عدم وجودها من الأساس.

القائمة تطول إذن أيها الأخ الأكبر!

البداية في مصر: «القاهر» و«الظافر»!

وبالقياس على منطقتنا العزيزة، فنشأة أجهزة الاستخبارات ومسارها التاريخي فى دولها، تتماثل مع النشأة والمسار التاريخي للأنظمة الرثة التي حكمت هنا طيلة عقود.

اعتمدت نشأة أجهزة مخابرات الدولة المصرية ما بعد يوليو 1952، فى تمكين ركائزها، على نفس الكتالوج المكرر، ولكن لاختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية، فالروح الوطنية هنا لم تكن زائفة وحسب، بل مشوشة بدرجة كبيرة أيضًا، فكان الاعتماد في البداية على دعاية صاروخي «القاهر» و«الظافر» لردع الإمبريالية والاستعمار وعصابات الكيان الصهيوني وتحقيق الوحدة، قبل أن يحدث تحول كبير فى مضمون تلك الدعاية بعد كامب ديفيد، لتُصوّر من وقتها إلى اليوم تبعية مصر للسياسة الأمريكية والصهيونية، بوصفها دور مصر «الاستراتيجي» فى حماية أمنها القومى ودعم «السلام» فى المنطقة للقضاء على «أهل الشر». ثم تلجأ المخابرات العامة المصرية في النهاية للبحث عن شركة علاقات عامة أمريكية للترويج للنظام المصري الحالي، وعلى رأسه السيسي بوصفه حليفًا إستراتيجيًا هامًا لإدارة ترامب.

الإجابة ليست نموذجية دائمًا أيها الأخ الأكبر

كثيرًا ما صادف المرء أثناء مراحل تعليمه المختلفة تلك الجمل المطعمة بالحس الوطني الزائف، أو مواضيع التعبير التي يطلب منه كتابتها عن «مجد الوطن» وتقدمه الذي لن يأتي بدون شباب الأمة، الذين هم «عمادها» و«صلاحها» و«سعدها». ومن يكتب خارج هذا النموذج، ولمجرد تفكيره على غير ما يريد منه الأخ الأكبر التفكير، يصبح «مُسخة» الفصل.

ينشأ مفهوم «الأخ الأكبر» من مرحلة المدرسة، وقد يكون «أمين الفصل» أو «العصفورة»، كما كان يُسمى حين يكون المدرس خارج الفصل، أو «المدرّس» عندما يكون «حضرة الناظر» جالسًا فى مكتبه، أو «حضرة الناظر» نفسه عندما يمر في جولة على الفصول. فالأخ الأكبر هنا لا يراقبك فقط، بل يضع لك قالبًا من الوطنية على هيئة مناهج دراسية أتت إليه من أخ أكبر منه، لتلبسها في هدوء ودون شوشرة. لا يجب على المرء مثلًا حلَّ مسألة هندسية بطريقة غير التي أرشده لها الأخوة الكبار، حتى لو كان المنطق الرياضي البحت، وكذلك معطيات المسألة نفسها، تسمح باتخاذ طريق مغاير.

لنفترض مثلًا، وبتجريد تام، أنك مواطن في الدولة «س»، تعمل عدد ساعات العمل الرسمية وغير الرسمية، وتقرأ الصحف الرسمية وتتابع البرامج الحوارية التي تبث الخطاب «الوطني» للدولة، وتصدق كل ما يقال لك دون بحث أو نقد أو مجرد تفكير بأبسط القواعد المنطقية، هنا يصبح نمط حياتك نفسه هو الإجابة النموذجية على ما تريد الدولة سؤالك عنه، من دون أن تسألك مباشرة.

ولكن كيف سترد على الدولة «س» إن هجّرتك من منزلك عنوة بحجة البناء المخالف أو الرغبة في بناء مشروع استثماري سياحي في منطقتك، وسيعود بالنفع عليها؟ المنطقي أنك ستثور ضد هذا الأمر وستواجهه، ولكن حينها ستخرج من إطار «الإجابة النموذجية» وستقع تحت طائلة قانون الطبقة الحاكمة للدولة، وستوصم بـ«الخائن» و«المرتزق» و«الخارج عن الأعراف الوطنية»، تمامًا، كما حدث عندما وجد الطالب «المسخة» حلًا مغايرًا للمسألة الهندسية المطروحة عليه.

هكذا كان الأمر بعد ثورة يناير 2011 وكافة ثورات الربيع العربي. فجميع النظم التي حكمت لعقود اعتمدت على هذا فى الحفاظ على مكوناتها بعد انحسار مد الانتفاضات. إجابتك النموذجية عن تأييدك لنظام «الثورة المضادة» تأييدًا أعمى هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على أمنك الشخصي، بالإضافة لعدم تململك من غلاء الأسعار أو نهب الثروات أو سحق أي رأي خارج السرب، أو تبعية القرار لمنظومة الحكم العالمية. فثورة يناير والربيع العربي لم يكونا الإجابة النموذجية لأسئلة ومناهج ومواضيع تعبير نظام مبارك وأقرانه.

حتى لو كانت الثورة هي الإجابة الصحيحة، فهي لن تجد للترويج لها ما لدى الأولى من متاريس إعلامية وأجهزة مخابرات ونفوذ مالى لطبقة أوليجاركية مالية حاكمة، كما لن تجد مؤتمرًا تلو المؤتمر تتحذلق فيه مجموعة من المتسلقين بوصفهم «شباب الغد» – أو «شباب الجيل»، لن تفرق – أمام الأخ الأكبر «المحلي» من أجل إرضاء إحساسه بالزهو والترويج لتعليماته وقوله الزائف بوصفه وحيًا سماويًا خطر للحاكم بأمر الله في لحظة شرود، وهي أمور طالما اتصف بها أى ديكتاتور يعمل وفق كتالوج مخابراته الداخلية، وبدعم من الإدارة الأمريكية ومخابراتها. ليس من الغريب إذن أن يصبح الترويج المتزايد لتوسيع التطبيع مع الكيان الصهيوني «مسألة أمن قومي» في رؤية من يعملون على تسيير هذا الكتالوج.

ولما كانت الثورة المصرية وثورات الربيع العربي لم تنجح بعد في هدم النظم الطبقية الحاكمة بكل ركائزها البالية، وتأسيس مجتمع جديد قائم على انعدام الطبقية والتبعية للغرب، فسيبقى هذا الكتالوج قيد العمل. وأيًا يكون ما يكتب أو ما يؤخذ من مواقف، فسيوضع على ميزان الوطنية الخاصة، ووفق مبدأ «سيادة» القانون الخاص بتلك المنظومة. وأي منفذ يخرج منه ما لا يتفق مع هذا الخط المتبع، ومصلحة من يسيّره، فسيكون مصيره الحجب والمنع، لأن الإجابة ليست نموذجية كما يريدها الأخ الأكبر وزبانيته. ولا تصبح هناك قيمة للحديث عن المنجز البشري التاريخي الذي أدي لظهور هذا المنفذ أو ذاك، أي الثورة المعلوماتية وحرية تداول الأراء عبرها.

القوة أم الحق؟

«القوة هي التي تنشئ الحق وتحميه»، من القواعد القانونية التي علّمها لنا أحبار القانون في كلية الحقوق.

للوهلة الأولى، ورغم منافاتها لجوهر فلسفة القانون، يُخدع المرء بحجية تلك القاعدة، ولكن عندما يضعها أمام أبسط قواعد المنطق سيكتشف زيفها، وأنها وجدت بالأساس للحفاظ على تركيب النظام الطبقي الحاكم. وبتطبيق هذه القاعدة على الواقع المادي واليومي تتضح الصورة بدرجة كبيرة. فالحق في المعرفة منشأه إذن القوة التي يمتلكها، القوة التي يمتلكها من أدوات سيطرة وقمع للحريات ومنظومة اقتصادية وإعلامية مافياوية تعمل على بث رسائل دولة «الأخ الأكبر»، من معلومات مشوشة تنافي الواقع اليومي المفضوح،  تلك القوة أيضًا هي ما تعطيه الحق في احتكار المعلومة (المعرفة) وإخفاء كل ما يؤكد الحقيقة، وهي ذات القوة التي تمنحه رداء الوطنية الزائف بحجة محاربة الإرهاب، وإن نظرتَ في المرآة لن تجد سوى صورة الأخ الأكبر أمامك، ذلك إن كنت لا ترى الحقيقة بأم عينك!

الروح الشعبية الحقيقية، والثورية بطبيعتها، لا تحتاج لأجهزة مخابرات وبروباجندا إعلامية نظامية حتى تتجلى، وفق «الإجابة النموذجية الوطنية»، لأنها تجلت ببساطة لأكثر من مرة عبر التاريخ المصري، من المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي والبريطاني، لرفض الهزيمة الكارثية فى يونيو 1967، إلى أعظم تجلياتها في ثورة يناير 2011. وديكتاتور يخاف من الحقيقة هو ديكتاتور كاريكاتوري ليس أكثر، فالإجابة النموذجية التي يبتسم لسماعها مضللة وغير صحيحة أبدًا، ووحدها الإجابة الشعبية هي الأصح، وهي الحقيقة الباقية، والأيام دول.

حطموا الأصنام فلن تبقى القيود أبد الدهر.

اعلان
 
 
محمود الشريف