بين منَع «النقابة» لإعلاميين ووقَف «المجلس» لبرامج.. كيف «ستنظم» الدولة الإعلام؟
 
 

أعلن كلٍ من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام واللجنة المؤقتة لتأسيس نقابة الإعلاميين، مؤخرًا، عن عقوبات ضد عدد من الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية كذلك. جاءت أسباب توجيه العقوبات عبر توجيه اتهامات فضفاضة تراوحت بين «تكرار مناقشات تُضَرّ بالأسرة والمجتمع» أو «مشاهد وحوارات تحمل ايحاءات غير مقبولة».

قرارات المجلس واللجنة جاءت خلافًا للقانونيْن المؤسسيْن لهما سواء في تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والصحافة المطبوعة والرقمية بالنسبة للأول أو تأسيس نقابة للإعلاميين وإصدار ميثاق شرف إعلامي كمهمة أساسية للجنة. مما يُنذر بفرض رقابة لاحقة على المحتوى الإعلامي، فضلًا عن تضارب محتمل بين سلطتَي الكيانين. فيما فرضت «اللجنة» عقوبات دون أن تعلن عن  لائحة تنظم عملها أو طبيعة المخالفات والعقوبات المفروضة حتى الآن، وَجَهَ «المجلس» عقوبات بمنَع برامج  بمجرد إصداره لائحته التنفيذية أمس الأربعاء.

وكان رئيس اللجنة المؤقتة لتأسيس نقابة الإعلاميين حمدي الكنيسي قد أعلن، في مطلع أغسطس الجاري، عن وقف الإعلاميتَين ريهام سعيد ودعاء صابر لمدة ثلاثة أشهر، وتوجيه إنذار لكلٍ من الإعلامييْن سعيد حساسين ومحمد الغيطي. وجاء قرار وقف ريهام، المذيعة بقناة النهار، نتيجة لعرضها قصة سيدة متزوجة وعشيقها، وهو ما وصفه الكنيسي في بيان بأنه «يُعد استغلالًا لحالة شاذة في المجتمع المصري بما يتنافى مع المعايير المهنية والأخلاقية». أما دعاء صلاح، مقدمة برنامج «دودو شو» على قناة النهار، فكان قرار منعها بسبب عرضها لفكرة اختيار الأمومة خارج إطار الزواج وهو ما اعتبره البيان «تجاوزًا أخلاقيًا ومهنيًا في الترويج لمثل هذه الأفكار غير الأخلاقية والغريبة عن مجتمعنا، والتي تهدم وتحطم كيان الأسرة المصرية».

فيما جاء إنذار سعيد حساسين بسبب اشتباك ضيفيْن في برنامجه «انفراد» على قناة العاصمة. وقد أَنذر محمد الغيطي بسبب تناوله في برنامجه اتهامات فساد لوزارة الزراعة اعتبرها بيان اللجنة «بدون مستندات ودون سند قانوني مما يعد تجاوزًا مهنيًا وأخلاقيًا جسيمًا».

فيما أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن قرارات بوقف البرامج السابقة لمدة شهر، بالإضافة إلى برنامج «تلاتة في واحد» على قناة On E. وذلك بعد موافقته أمس، الأربعاء، على لائحته التنفيذية. وقد هدد المجلس بسحب ترخيص قناة «إل تي سي»، التي تعرض برنامج «صح النوم» للإعلامي محمد الغيطي.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر قانون نقابة الإعلاميين، في أول يناير الماضي، والذي ينَصّ على تشكيل لجنة مؤقتة تكون مهمتها إصدار ميثاق شرف إعلامي وتأسيس نقابة للإعلاميين، وتستمر لمدة ستة أشهر من تاريخ أول اجتماع لها. وتختتم مهمة اللجنة بعد اختيار الجمعية العمومية لأول مجلس نقابة منتخب. وتصدر الجمعية العمومية للنقابة اللائحة الداخلية بناء على اقتراح مجلس إدارة النقابة خلال مدة لا تتجاوز ستين يومًا من انتخابه.

وقد نظمت اللجنة المؤقتة، المكونة من 11 إعلاميًا تمّ تعيينهم من قِبل مجلس الوزراء، أول اجتماع لها في مارس الماضي. وقد حدد القانون أن يكون انتخاب مجلس النقابة خلال ستة أشهر من أول اجتماع للجنة التأسيس.

وبدلًا من أن تتخذ اللجنة خطوات جادة نحو تأسيس النقابة بدأت في إصدار قرارات عقابية، أغلبها يختص بمنَع إعلاميين من العمل. وذلك دون أن تكون هناك لائحة تنفيذية تحدد المخالفات والعقوبات المفروضة في حال ارتكابها.

عقوبات بلا نصوص قانونية

وقال طارق سعدة، وكيل نقابة الإعلاميين، لـ «مدى مصر»، إن اللجنة بصدد إعداد لائحة تنفيذية توضح التجاوزات وعقوباتها إلا أنه في غضون ذلك: «هناك بعض المخالفات الصريحة والواضحة والتي لا تحتاج إلا لقرار حاسم من مجلس إدارة النقابة». و أشار إلى أن أعضاء اللجنة يتخذون قرارت العقوبات بالتصويت في اجتماعات «وفق رؤية المجلس، لحين وجود نصوص واضحة». وأضاف سعدة: «مذيعة تهدم القيم الاجتماعية وتدعو لتهالك البناء الاجتماعي.. ده محتاج تحقيقات؟ هذه حالة تلبس أمام كل قطاعات المجتمع».

وأوضح سعدة أن اللجنة تُبلغ إدارة القنوات بالقرار مكتوبًا، وفي حالة عدم امتثال إدارة القناة تتوجه إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي من شأنه توقيع العقوبة المناسبة على المؤسسة الإعلامية.

من جانبه قال الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز إن النقابات المهنية هي المنوط بها معاقبة المتجاوزين من أبناء المهنة حسبما ينَصّ الدستور، لكن أداء للجنة النقابية المؤقتة يتجاوز قاعدة قانونية أخرى وهي أنه لا توجد عقوبة بدون نص، حسبما أكد عبد العزيز، وأضاف: «مطلوب إصدار المواثيق والمعايير ولائحة الجزاءات، وبعد ذلك نقوم بتوقيعها.. وليس بشكل اعتباطي غير مدروس».

فيما قال محمود عثمان، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، إنه لا يجوز للجنة المؤقتة لتأسيس النقابة أن تصدر أي عقوبات ضد إعلاميين ليسوا من أعضائها. كما أن اللجنة لم تُصدر اللوائح الخاصة والمنظمة للعمل. وأضاف عثمان: «يحق للإعلاميين الطعن على هذه القرارات أمام مجلس الدولة بمنتهى السهولة، خاصة أنها تمثل انتهاكًا جسيمًا لحرية التعبير».

وقد ساهمت القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للإعلام من زيادة الرقابة الموجهة ضد المحتوى والعمل الإعلاميين، فضلًا عن توقيع عقوبات بسبب ممارسة مهنة الإعلام، وذلك دون وجود ميثاق شرف إعلامي، إلى جانب توجيه عقوبات للإعلامي والقناة في الوقت نفسه عن المحتوى الإعلامي الواحد.

فيما أوضح عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حاتم زكريا لـ «مدى مصر» أنه لا يوجد أي نوع من التضارب بين عمل المؤسستَيْن. وأضاف: «النقابة تُعاقب الأفراد وسلوكهم الإعلامي، بينما يتوجه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للمؤسسات مثل إدارات القنوات والشبكات من أجل ضبط الأداء الإعلامي. بالنسبة للنقابة، من الطبيعي أن تكون هناك بعض (اللعبكة) بسبب أن اللجنة (المؤقتة) ما زالت في بداية عملها، وتعمل على صياغة لوائحها بالإضافة إلى صياغة ميثاق الشرف الإعلامي».

تضارب بشأن الميثاق

وكان ميثاق الشرف الإعلامي مجالًا آخر للتضارب في الصلاحيات بين المجلس ولجنة التأسيس، وقال مصدر بالأخيرة لـ «مدى مصر»، في وقتٍ سابق، إن أي مشروعات تعدها لجنة المعايير وميثاق الشرف الإعلامي بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تعَبَرَ فقط عن «الرأي الخاص لرئيس اللجنة»، وأن اللجنة المؤقتة لتأسيس النقابة هي فقط المعنية بإعداد ميثاق الشرف الإعلامي. بينما أكد الكنيسي، رئيس اللجنة، أن «إصدار كود أخلاقى حق لنقابة الإعلاميين لا المجلس الأعلى للإعلام».

في حين نَصّ قانون نقابة الإعلاميين على أن تكون مهمة لجنة التأسيس إصدار ميثاق للشرف الإعلامي، والذي يُعمل به بصورة مؤقتة، وتقره الجمعية العمومية خلال مدة لا تتجاوز شهرًا من تاريخ انعقاده.

فيما قال ياسر عبد العزيز إن هناك تضارب في اختصاصات كلٍ من المجلس الأعلى للإعلام ونقابة الإعلاميين مما أدى لتوقيع عقوبات مزدوجة على قنوات. وأضاف موضحًا: «الحل هو الامتثال للقواعد، فيحتفظ المجلس الأعلى بحق مساءلة وسائل الإعلام وتوقيع العقوبات عليها ويقتصر دور النقابة على الأعضاء تقتصر عقوباتها على الأفراد وليس وسيلة الإعلام».

وكان السيسي قد أصدر قانون المجلس الأعلى للإعلام في ديسمبر من العام الماضي. وقد بدأ الأخير نشاطه، في يونيو الماضي، بتقديم عدة بلاغات للنائب العام ضد إعلاميين، فضلًا عن المطالبة بحذف مشاهد من أعمال الدراما الرمضانية.

فيما اعتبرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها الربع السنوي عن حالة حرية الفكر والتعبير في مصر، الصادر اليوم، الخميس، أن المجلس الأعلى للإعلام قد أصبح «محورًا لانتهاك حرية الصحافة والإعلام»، فضلًا عن تنصيبه لنفسه كجهة رقابية جديدة، في إشارة إلى تطبيق غرامات على القنوات الفضائية إبان عرض مسلسلات رمضان. وأشار التقرير أيضًا إلى تجاوز النقابة لصلاحياتها باستصدار عقوبات ضد الإعلاميين. وأضاف التقرير: «تثير هذه المواقف قلق كبير حول غَلبة المنحى الرقابي المحافظ على أداء واهتمام نقابة الإعلاميين، بدلاً من الاهتمام بوظيفتها الأساسية في رعاية مصالح الإعلاميين والدفاع عنها، وخاصة أن مرحلة تأسيس النقابة تتطلب نقاشات مستمرة حول تحديد إجراءات الانضمام لها وحجم الاشتراكات وتنظيم انتخاب قيادات النقابة».

وقال مصطفى شوقي، رئيس وحدة حرية الإعلام والصحافة بالمؤسسة، إن لجنة تأسيس النقابة تستمر في ممارسة أدوارًا خارجة عن أدوارها الأساسية مثل الدفاع عن مصالح وحقوق العاملين في مجال الإعلام والمشاركة في إصدار ميثاق شرف إعلامي، بينما يكون المجلس الأعلى للإعلام هو جهة المحاسبة والمساءلة.

وأضاف شوقي: «يتزامن ذلك مع معاناة النقابة من مشاكل في التأسيس مثل كيفية انضمام الأعضاء لها والمشاكل التي يعاني منها العاملون في مجال الإعلام من شروط عمل تعسفية بدون عقود أو تأمينات. من الظاهر أنه يوجد مَيَل واضح للتقرب من السلطة من خلال محاولة السيطرة على كل ما يخرج على الشاشة».

وفيما اعتبر شوقي أن المجلس الأعلى أصبح معنيًا أكثر بمراقبة المحتوى الإعلامي، وذلك أكثر من ضبط عشوائية المشهد ككل. وهو الأمر الذي يتطلب وضع الأُطر والسياسات العامة. وقد توقع أن يؤدي ذلك التضارب بالإضافة إلى المَيَل نحو الرقابة المتزايدة إلى التأثير على المحتوى الإعلامي. وأشار شوقي تحديدًا إلى تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب الأخير في الإسكندرية حول الحاجة إلى نشر «فوبيا» ضد سقوط الدولة. وأضاف: «هذا توجيه واضح لطبيعة ما يجب أن تتناوله الشاشات. سوف تخلق هذه السياسة تزايد مرعب لمعدلات الرقابة الذاتية، حيث ستخلق كل مؤسسة إعلامية خطوطًا حمراء لنفسها، وبالتالي نصبح أمام عملية تأطير موجهة لكل ما يجب أن يتناوله الإعلام سواء سياسياً أو أخلاقياً أو مجتمعيًا».

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
هبة عفيفي