بيتان من زجاج: من قتل ياسين؟
عن «صنايعية مصر» لعمر طاهر و«بيت الزجاج» لبريان ألكسندر
 
 
 

كتابان صدرا في توقيت واحد تقريبًا، الأول بعنوان «صنايعية مصر»، واشتريته أثناء زيارتي للقاهرة في يناير الماضي، والثاني بعنوان «بيت الزجاج»، واستمعت إلى حوار مع مؤلفه بريان ألكسندر في الراديو، فذكرني بفصل محدد من كتاب عمر طاهر.

استعرت كتاب ألكسندر من المكتبة العامة، ووجدته يتناول قصة بلدته الصغيرة لانكاستر بولاية أوهايو الأمريكية، والتي اعتبرت بعد الحرب العالمية الثانية نموذجًا للمدينة الأمريكية المثالية، ثم أصبحت الآن نموذجًا للتعاسة التي تعيشها ولايات كثيرة في الوسط الأمريكي، حيث تفشى إدمان الهيروين بين سكانها البيض الذين تراجعت أوضاعهم الاقتصادية وسقطوا من الوعي الأمريكي في الخطاب العام المتمركز حول المدن الأمريكية الكبرى على الساحلين الشرقي والغربي. إلى أن جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة وانتخب أغلب هؤلاء المنسيون ترامب. ومن خلال مقابلاته مع عدد كبير متنوع الأعمار من سكان لانكاستر، ومن خلال تتبع تاريخ مصنع الزجاج الشهير بها، يرصد المؤلف التحول المأساوي الذي أصاب المدينة عبر عدة عقود.

يختم عمر طاهر فقرته عن مظاهر ازدهار زجاج ياسين بجملة واحدة هي «ثم قامت الثورة»، قاصدًا ثورة 1952، ليوحي بها للقارئ أن النهاية الدرامية لهذا النجاح كانت بتأميم الدولة للمصنع وتحويله إلى «شركة النصر لصناعة الزجاج والبلور»

أما كتاب عمر طاهر، فرغم أنه لا يدعي بأنه يقوم بأكثر من استعراض «مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث»، إلا أنه من الصعب قراءته والإفلات من الشعور بالمأساة العامة التي أصابت تطور الحياة في مصر أيضًا. يتناول الكتاب عددًا من رجال الصناعة في مصر، ومن بينهم محمد سيد ياسين الذي أسس أول مصنع حديث للزجاج في مصر عام 1933، بدعم من طلعت حرب، فحقق نجاحًا كبيرًا وتفوقت منتجاته المحلية على منافسة الواردات الأجنبية، بل وصارت تُصدَّر خارج مصر أيضًا. وبينما يفرد ألكسندر أكثر من 300 صفحة لمناقشة أثر مصنع الزجاج على أحوال مواطني المدينة الصناعية المُشيّد بها، فلا يتعدى الفصل المخصص لزجاج ياسين في كتاب عمر طاهر أكثر من بضع صفحات يتعلق أكثرها بمسيرة «ملك الزجاج ضد الكسر» نفسه.

رغم اختلاف طبيعة الكتابين، إلا أن تجربة المصنعين تثير أسئلة أوسع، فقد قام مجتمع لانكستر بأسره حول مصنع «أنكورهوكنج» للزجاج، الذي كان الأكبر والأشهر والأعرق في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يوظف ما لا يقل عن خمسة آلاف من العمال والموظفين الذين يعيشون في حالة من التوازن والوئام الاجتماعي، حيث يرتاد نائب رئيس الشركة والمديرون نفس البارات التي يرتادها العمال ويلعبون البلياردو سويًا، وتنخرط زوجاتهم في العمل الأهلي والمدني؛ في حملات التوعية الصحية وتحسين الخدمات التعليمية والمرورية وإصلاح الأرصفة، وما إلى ذلك.

وبينما يختم عمر طاهر فقرته عن مظاهر ازدهار زجاج ياسين بجملة واحدة هي «ثم قامت الثورة»، قاصدًا ثورة 1952، ليوحي بها للقارئ أن النهاية الدرامية لهذا النجاح كانت بتأميم الدولة للمصنع وتحويله إلى «شركة النصر لصناعة الزجاج والبلور»، فقد توصل بريان ألكسندر إلى أن الشرخ الذي أصاب بلدته بدأ عام 1987، حين اشترت شركة «نيويل» العملاقة مصنع الزجاج في عملية استحواذ تجارية. وكان من ضمن القرارات التي اتخذتها الشركة المالكة الجديدة فصل طاقم المديرين التنفيذيين بأكمله، ونقل المقر الرئيسي من مدينة لانكاستر إلى مدينة كولمبس عاصمة أوهايو. صحيح أن العمال وغيرهم من الموظفين لم يشعروا بتأثير مادي مباشر من جراء هذا القرار، إلا أنهم فقدوا شعور العائلة الواحدة الذي كان يميز المصنع والبلدة أيضًا، فقد خسرت لانكاستر النشاط الأهلي والمدني الذي كان يقوده ويساهم به قطاع مهم من نخبتها، لأن أعضاء طاقم الإدارة الجديد أقاموا في مدينة كولمبس، ولم تعد لانكاستر أبدًا لما كانت عليه في ذلك العهد.

تراجعت أجور عمال المصنع من 21 دولارًا في الساعة في الثمانينيات إلى 12 دولارًا حاليًا، وتراجع عددهم من خمسة آلاف إلى أقل من ألف عامل. ومع تفشي الإحباط غياب الترابط المجتمعي انتشر الإدمان بنسب مفزعة، وارتفع عدد الموتى كل يوم بسبب الإفراط في التعاطي

يخبرنا «صنايعية مصر» أن التأميم كان قاسيًا على محمد بك ياسين، حتى أنه مرض وتوفي عام 1971، ولا نعرف بالتحديد أثر قرار التأميم على حياة عمّال المصنع. فقط يمكننا، كما فعل المؤلف، القفز إلى وعينا المعاصر كمواطنين ومستهلكين لمنتجات مصانع وشركات القطاع العام، لنلاحظ غياب أكواب ياسين من بيوتنا، وتدهور أحوال سائر الشركات المماثلة بسبب ضعف الكفاءة الاقتصادية، أو الفساد الإداري الذي أدى لتكبدها خسائر طائلة.

ولكن يبدو من التجربة الأمريكية أن الكفاءة الاقتصادية وتحقيق الأرباح لم يمنعا تدهور أحوال المدينة وانهيار مستوى المعيشة بين سكانها. فقد تعاقبت على ملكية مصنع «أنكور هوكنج» شركاتُ الأسهم الخاصة، التي لم تهتم سوى بتحقيق أعلى الأرباح على المدى القصير، واستمر العمل ربما بكفاءة أكبر، وارتفعت العوائد المالية، ولكنها عوائد وأرباح تكافئ المستثمرين والمديرين ولا تبالي بالعمال والموظفين وسكان المدينة، بل ولا تبالي بالمنتَج ذاته.

يقول ألكسندر إن الرأسمالية «الأبوية» التي تأسست عليها مدينته اختفت وحلت محلها رأسمالية الهندسة المالية. لذلك كان العنوان الفرعي لكتابه «بيت الزجاج» هو «اقتصاد الـ1٪ وانهيار مدينة أمريكية نموذجية». وفي ظل ذلك التطور الرأسمالي تراجعت أجور عمال المصنع من 21 دولارًا في الساعة في الثمانينيات إلى 12 دولارًا في الساعة حاليًا، وتراجع عددهم من خمسة آلاف إلى أقل من ألف عامل. ومع تفشي الإحباط غياب الترابط المجتمعي انتشر الإدمان بنسب مفزعة، وارتفع عدد الموتى كل يوم بسبب الإفراط في التعاطي، تاركين أطفالهم ما بين الجدود ودور الرعاية.

كيف نحكم إذن على تجربة مصنع ياسين في مصر وغيره من المشروعات الاسنثمارية من هذا المنظور المجتمعي؟ لا بالنظر له كمبنى ومنتج وأرقام تصدير ومعدلات ربح، وإنما بحساب تأثيره في حياة العاملين فيه وأثره في المجتمع المقام به.

 يحتوي ملحق الصور بكتاب «صنايعية مصر» على صورة لواجهة المصنع مع لافتة مكتوب عليها «مصانع الزجاج الأهلية.. محمد بك ياسين وشركاه».

لم يكن ملك الزجاج المصري يهدف فقط لتحقيق الربح، وإنما كانت لديه رؤية مجتمعية ورغبة في بناء مؤسسة. يحكي عمر طاهر كيف انتقل ياسين من مجال المقاولات إلى مجال الصناعة، وكيف وجد الفكرة في «لمبة الجاز»، يحكي عن اهتمامه بنقل التكنولوجيا الأوروبية والاستعانة بالخبرات الأجنبية لحين اكتمال تدريب العمال المصريين، ثم كيف جعل من مصنع الزجاج بشبرا الخيمة مؤسسة ملحقة بها ملاعب وحمامات سباحة ، بل ومسرحًا لعمال المصنع يضم فرقة تمثيلية من بينهم. كما يشير مصدر آخر لمدرسة فنية كانت ملحقة أيضًا بالمصنع، ولا أدري إن كانت بُنيت في عهده أو في عهد ملكية الدولة، وهي على أي حال مغلقة الآن، كما أُغلق المصنع نفسه لعدة سنوات عندما كان على وشك البيع والخصخصة، قبل أن تعيد الدولة فتحه من عام ونصف تقريباً، بعد أن خصصت له 250 مليون جنيهًا، حسب ما جاء في حوار مع المدير العام للشركة.

فؤاد حداد: «بافطر معاكم وأسمع دعاكم آمين آمين، ما إشربش إلا الماء وإلا في إزاز ياسين»

جرى تسريح جميع العمال الذي عارضوا قرار بيع المصنع ضمن سياسة الخصخصة في عهد مبارك، وعُيّن مكانهم 400 شابًا هم كل القوة العاملة حاليًا. ومع حقيقة أن المصنع لا يزال خاسرًا بنسبة 50%، فإن هذا يثير التساؤلات عن الأسباب الحقيقية لإصرار الدولة على امتلاك المصنع وإدراته وضخ الأموال العامة فيه من صندوق «تحيا مصر».

لسنا في حاجة لدفاعات أيديولوجية عن مزايا الرأسمالية ومزايا الاشتراكية وملكية الدولة، فقد ثبت أن المجتمعات تنكسر في ظل أي نظام اقتصادي يخدم مصلحة فئة معينة ولا يرعى المصلحة العامة، سواء كانت فئة رجال المال والأعمال، أو فئة ضباط الثورة وكبار موظفي القطاع العام. لكننا في حاجة إلى تحقيق على غرار دراسة بريان ألكسندر، يبحث في تاريخ مصنع ياسين وشركة النصر للزجاج، عبر الإدارات المختلفة التي تعاقبت عليهما، لتقييم السياسات الناجحة والفاشلة في سياقنا المجتمعي. ما هي القرارات التي أدت لتراكم الخسائر وغضب العمال وتدهور مستوى الإنتاج؟ وما هي الرؤية التي كانت مطروحة وراء بيع المصنع للقطاع الخاص؟

هناك تحقيقات صحفية منشورة منذ عام 2006 تتحدث عن فضائح بيع أرض المصنع بأسعار زهيدة للغاية، وبيع الماكينات بالمجّان دون تقديم ضمانات للمشتري ليزاول النشاط الصناعي. أي أن مصنع ياسين كان عرضة لأن يتحول إلى فندق أو مطعم ياسين السياحي.

نريد معرفة قصص عمّال وموظفي مصنع ياسين وشركة النصر، كيف انعكس ما حدث بالمصنع على حياتهم وحياة أسرهم؟ خبرونا عن صنايعية مصر من سكانها الحاليين، عن ياسين الصنايعي الصغير، عن ياسين الذي قُتل ولا يعرف أحد من قتله. أما ياسين بك فيكفيه ارتباط اسمه بالزجاج الجيد في أذهان المصريين للأبد، لسبب بسيط لا علاقة له بمصير مصنعه، وإنما بفضل «مسحراتي» فؤاد حداد وسيد مكاوي: «بافطر معاكم وأسمع دعاكم آمين آمين، ما إشربش إلا الماء وإلا في إزاز ياسين».

اعلان