تحرير سعر دقيق الخبز المدعم.. ما الجديد؟
 
 

«مبروك لمصر ومبروك لنا جميعا إن احنا استطعنا أن نضع منظومة قابلة للإدارة وقابلة للرقابة»، هكذا عبر وزير التموين، علي مصيلحي، في مؤتمر صحفي، عن تفاؤله بالنظام الجديد لإنتاج الخبز المدعم الذي بدأت الوزارة تطبيقه الأسبوع الماضي.

تقوم المنظومة الجديدة لإنتاج الخبز المدعّم على تحرير أسعار القمح والدقيق في عملية البيع والشراء بين الأطراف الثلاث لعملية الإنتاج (الحكومة والمطاحن والمخابز)، بهدف القضاء على عمليات التهريب التي كانت تحدث في المنظومة السابقة.

وقال مسؤولو الوزارة إن النظام الجديد يعفي الحكومة من مسؤولية مراقبة جميع مراحل إنتاج الخبز المدعّم، وإنه سيرفع من جودة الخبز، بعد أن حظيت المنظومة السابقة بانتقادات واسعة أعقبت اتهامات بالفساد وعدم الكفاءة في السنوات الماضية.

في المقابل، شكا بعض أصحاب المخابز من اشتراط المنظومة الجديدة دفع ثمن الدقيق بسعر السوق الحر مقدمًا في وقت تتقاعس فيه وزارة التموين عن دفع مستحقات متأخرة للمخابز، وشكى البعض الآخر من صعوبة تدبير النقود اللازمة لتسديد ثمن الدقيق، وعدم صرف حصصهم نتيجة لذلك، مما أثّر على توفير الخبز للمواطنين.

يعرض «مدى مصر» أهم ملامح النظام الجديد لشراء وبيع قمح ودقيق الخبز المدعم؛ الهدف منه، وأثره في الأيام الأولى لتطبيقه.

النظام الجديد: الدفع مقدمًا بأسعار السوق

تمر عملية إنتاج رغيف الخبز المدعم عبر المسار التالي: وزارة التموين (ممثلة في هيئة السلع التموينية) توفر القمح سواء المحلي بشرائه من الفلاحين أو المستورد. تورد الوزارة الأقماح إلى المطاحن (العامة والخاصة) لطحنها وتحويلها إلى دقيق. يحصل المخبز على الدقيق من المطحن بحصة محددة (تختلف من مخبز لآخر حسب الطاقة الإنتاجية). يحصل أصحاب البطاقات التموينية على الخبز من المخابز بحصة محددة (خمسة أرغفة للفرد في اليوم).

في منظومة الخبز المدعم السابقة، كان حصول المطاحن على الأقماح والمخابز على الدقيق تتم وفقًا لنظام «بضاعة الأمانة»، أي أن الوزارة تبيع للمطحن حصته من القمح وتدفع له مقابل نظير عملية الطحن، دون أن يدفع المطحن للوزارة شيء. بدوره يشتري المخبز حصته المقررة من الدقيق دون أي مقابل نقدي.

يقول ممدوح رمضان، أحد المتحدثين باسم وزارة التموين، لـ «مدى مصر» إن عملية توريد القمح للمطاحن وبيع الدقيق للمخابز كانت في المنظومة القديمة تتم وفق عملية محاسبية تتم على الورق فقط، دون أن تدفع المطاحن أو المخابز أي مبالغ نقدية.

يُفصل محمد سويد، متحدث آخر لوزارة التموين، في تصريحات لـ «مدى مصر» إن الوزارة كانت تحسب ثمن طن القمح المباع للمطحن بألفي جنيه، فيما كان سعر طن الدقيق المباع للمخبز بـ2600 جنيه، في حين أن سعره في السوق الحر نحو 4700 جنيه.

يوضح سويد أن إجمالي تكلفة إنتاج رغيف الخبز المدعم تقدر بنحو 65 قرشًا، يدفع المواطن منها خمسة قروش، وتدعمه الدولة بـ60 قرشًا، ويتضمن هذا الدعم: 50.6 قرش تذهب للمطحن، و9.4 قرش تذهب للمخبز نظير هامش الربح وتغطية تكاليف الإنتاج بعد خصم ثمن الدقيق.

في المنظومة الجديدة، أصبح لزامًا على المطاحن دفع ثمن الأقماح التي تتلقاها من الوزارة نقدًا بسعر السوق الحر (4 آلاف جنيه للطن)، في المقابل تحصل المطاحن من الوزارة على 500 جنيه للمطاحن العامة و480 جنيه للخاصة، نظير طحن كل طن قمح. كذلك المخابز أصبحت ملزمة بتسديد ثمن الدقيق الذي تحصل عليه من المطاحن نقدًا بسعر السوق الحر (4700 جنيه للطن)، في المقابل تحصل المخابز من الوزارة على 1800 جنيه مقابل كل طن دقيق تنتج منه الخبز المباع، نظير تكاليف الإنتاج وهامش الربح.

يقول سويد إن هذه الأسعار ستتم مراجعتها كل ثلاثة أشهر لمواكبة حركة السوق، ويفسر الفارق في سعر الطحن بين المطاحن العامة والخاصة بانخفاض تكلفة العمالة لدى الأخيرة.

بعد مرور ثلاثة أيام من إنتاج المطحن للدقيق بالكمية والمواصفات المتفق عليها يمكنه الحصول على حصته التالية من القمح مقابل المبلغ المدفوع سابقًا للوزارة. كذلك المخبز، يمكنه الحصول على حصته الجديدة من الدقيق بعد ثلاثة أيام من إنتاجه للخبز بالكميات والمواصفات المتفق عليها نظير المبلغ المدفوع سابقًا للوزارة، وهو ما يعرف باسم «نظام الاستعاضة»، كما يقول سويد.

ووفقاً للمنظومة الجديدة، «سوف تحصل المطاحن والمخابز على تكاليف إنتاجها وأرباحها يوميًا بشكل أتوماتيكي، بمجرد أن يبيع المخبز رغيف خبز للمواطن من خلال الكارت الذكي، فإن الـ5 قروش ستتحول للحساب البنكي للمخبز، بالإضافة إلى 9.4 قرش، ويمثل إجمالي هذا المبلغ (14.4 قرش) التكلفة التي تحملها المخبز لإنتاج الرغيف بالإضافة إلى هامش ربحه»، كما يوضح سويد، الذي أضاف أن الأمر نفسه يحدث مع المطحن: «بمجرد أن يبيع المخبز رغيف الخبز تتحول 50.6 قرش إلى الحساب البنكي للمطحن، ويمثل هذا المبلغ تكلفة إنتاج المطحن للدقيق بالإضافة إلى هامش ربحه».

ويستهلك إنتاج طن الدقيق 1.2 طن قمح، وينتج طن الدقيق 12 ألف و500 رغيف خبز، طبقا لوزارة التموين. وتعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم. ويتطلّب توفير الخبز المدعّم من الدولة شراءها ما يزيد على 9.5 مليون طن من القمح في السنة، تستورد منهم نحو خمسة ملايين طن وتشتري 4.5 مليون طن محليًا، بحسب البيان المالي لمشروع موازنة العام المالي 2017-2018.

يشير سويد إلى تغيير آخر في نظام دعم الخبز، وهو أنه «لأول مرة لن تكون المخابز مربوطة بمطحن محدد، فإن لم يكن الدقيق مطابقًا للمواصفات من حقها اللجوء لمطحن آخر»، موضحًا أن ذلك جاء بعد مشاورات مع أصحاب المخابز الذين فضّلوا هذا النظام.

المخابز اشتكت

يقول سويد إن «النظام الجديد سيحدّ من إهدار الدقيق والقمح لأنه سيغيّر من طريقة تعامل المنتجين مع السلعة لأنهم سيقومون بدفع ثمنها نقدًا».

«عندما يحصل المُنتِج على مدخلات الإنتاج دون أن يدفع مقابل لها، فهو لا يحافظ عليها ويستفيد منها بطرق غير مشروعة، مما يؤدي إلى هدر كبير فيها لأسباب كسوء التخزين أو التهريب لتحقيق أرباح زائدة»، على حد قول سويد.

واعتبر سويد أن النظام الجديد «سيجبر المطاحن والمخابز على التعامل مع بضاعتهم بطريقة مختلفة لأنهم سيشترونها بمالهم الخاص، وبالتالي سيكونون مضطرّون للحفاظ على جودة منتجاتهم لأنهم هم من سيتحمّلون أي خسارة ناتجة عن سوء جودة بضاعتهم الآن».

«المخبز مثلًا عندما يشتري الدقيق من المطحن بنقوده الخاصة، سيصر على أن تكون جودة الدقيق جيدة، خلافا لما كان يحدث من قبل، حيث لم يهتم بذلك لأنه لم يكن يتحمّل الخسارة»، يقول سويد، معتبراً أن «المطاحن والمخابز أصبحوا شركاء بعد أن كانوا وسطاء».

يتفق جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق (مارس 2011 – يوليو 2012) وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، مع مسؤولي الوزارة في أن هذا النظام سيخفض من مسؤولية الوزارة للرقابة على مراحل الإنتاج المختلفة.

وقال عبد الخالق لـ«مدى مصر»: «منظومة الإنتاج شديدة التعقيد وتستيف الورق يصعب السيطرة عليه، ومفتشو الوزارة أنفسهم يتم استقطابهم من قبل المتلاعبين»، مؤكدًا أن إجبار المطاحن والمخابز على شراء القمح والدقيق بالسعر الحر سيقضي على هذه الظاهرة.

يوضح عبد الخالق أن الوزارة خلال فترة توليه كانت قد أعدت دراسة تحرير سلسلة بيع القمح بهدف القضاء على ازدواجية الأسعار التي أحدثتها «بضاعة الأمانة» للقمح والدقيق، مشيرًا إلى أن في النظام المتّبع وقت توليه الوزارة «كانت هيئة السلع التموينية توّرد القمح للمطاحن العامة والخاصة كبضاعة أمانة، وتدفع لها عمولة طحن 400 جنيه للطن، وكان المخبز يشتري نقدًا طن الدقيق من المطحن بسعر 160 جنيهًا، بينما كان سعره الحر يصل إلى 2600 جنيه».

«خلقت ازدواجية الأسعار حافزًا لتهريب الدقيق من المطاحن والمخابز والتلاعب في ورق ما يتم حصره من إنتاجها، ولذلك كان من الضروري استحداث نظام يقضي على ازدواجية الأسعار، وتوصلت الدراسة إلى أن تحرير الأسعار في سلسلة الإنتاج سيحقق ذلك الهدف»، وفقًا لعبد الخالق.

من جانبه، يقول عبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، لـ«مدى مصر» إن تحرير سعر الدقيق طلب لأصحاب المخابز منذ فترة طويلة، مؤكدًا أن النظام الجديد سيمنع «اللغط والمشاكل» التي كانت تحدث بين الأجهزة الرقابية وأصحاب المخابز، وهو نفس رأي عطية حماد، رئيس شعبة مخابز القاهرة.

رغم تصريحات غراب، فقد احتجت آلاف المخابز في أنحاء مختلفة من مصر مع بدء التطبيق مطلع الأسبوع الماضي، نظرًا لعدم توفّر الأموال المطلوبة من الوزارة لصرف حصصهم من الدقيق. إثر الاحتجاج، اجتمع رؤساء الشعب النوعية للمخابز في عدّة محافظات، الثلاثاء الماضي، لمناقشة الوضع.

تركزت شكاوى المخابز في صعوبة سداد ثمن الدقيق نقدًا مسبقا كشرط للحصول على حصصها، ما اضطر الوزارة لتأجيل مواعيد الدفع عدة مرات، في الأولى أجلّت الموعد من أول أغسطس، وهو تاريخ بدء العمل بالمنظومة الجديدة، إلى آخر الأسبوع، والمرة الثانية كانت في الخميس اللاحق، حين أعلنت الوزارة مدّ المهلة إلى الأحد اللاحق، وأخيرًا أتى الإعلان عن مدها يومين، إلى أمس، الثلاثاء.

يقول عبد الخالق إن تلك الشكاوى تعدّ شواهد لعدم توفير الحكومة التمويل اللازم لنجاح المنظومة الجديدة، مضيفًا أن تطبيق هذا النظام يعدّ جزءًا واحدًا من التحرك تجاه خلق منظومة دعم ناجحة، فهناك محاور أخرى تستوجب التطوير، مثل ضرورة إحكام الرقابة على المخابز، وخلق حوافز مادية تمكّن المخابز من تحقيق عوائد جيدة تثنيهم عن التلاعب، وإنشاء مجمعات مخابز لتوفير تكاليف الإنتاج وتسهيل الرقابة، على حد قوله.

وأضاف: « في اجتماع مع [الرئيس السابق] محمد مرسي في 2012 تحدّثنا عن خطته لحل مشكلات الخبز المدعم ضمن خطة الـ100 يوم. من يعتقد أن ذلك ممكن لديه شيء من إثنين، إما جهل بالمنظومة، أو أنه تظاهر بالجهل. منظومة دعم الخبز في غاية التعقيد وضبطها ليس بالأمر السهل».

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي