Define your generation here. Generation What
«نقطة بيضا» لـ«كايروكي»: ألبوم جيد لو طُرح قبل الثورة
 
 

يضع قالب الأغنية السياسية صانعه في أزمة كبيرة، لأن عمله يُقيّم على أساس سياسي قبل تقييمه على أساس موسيقي. هذا ينطبق بالتحديد على الأغنية السياسية المعارضة، وبالأخص عندما تُمنع أو يمارَس التضييق عليها، فلا يجب الاكتفاء بتضمين الأغنية بآراء سياسية إشكالية، وإنما يجب أيضًا تقديم موسيقى وكلمات جيدة ومختلفة عما سبق تقديمها.

بعد أن أكدت الصفحة الرسمية لفريق «كايروكي» أن ألبومهم الجديد مُنع ورُفض من الهيئة العامة للرقابة على المصنفات الفنية، وتأكيدهم على أنهم سينشرونه على الإنترنت، طرح الفريق بالفعل، منذ أسابيع قليلة، ألبومه الجديد «نقطة بيضا» على موقع «يوتيوب».

أستمع لكايروكي من قبل الثورة، وكانت أغانيهم، كأغلب تيار «الأندرجراوند» وقتها، تحوي رفضًا للمجتمع بتابوهاته وعاداته وتقاليده، بجانب الشق السياسي بالطبع، مثل الأغاني التي تتناول وضع الوطن حاليًا كأغنية «إخناتون»، أو إعادة تقديم أغنية «على المحطة» للشيخ إمام مثلًا.

مع اندلاع الثورة وتغير الشكل العام للدولة وللمعارضة، وانتشار تيارات «الأندرجراوند» خارج حيزها الضيق، اختار «كايروكي» تقديم أغان سياسية واضحة مثل «مطلوب زعيم» و«اثبت مكانك» و«إحنا الشعب» أو «السكة شمال»، وغيرها الكثير مما حقق نجاحًا كبيرًا، مستفيدًا من تأثير الثورة والمشاعر المرتبطة بها.

والآن، وبعد الفشل السياسي الثورة، وخروجنا من الحالة العاطفية لها، لا يزال كايروكي يقدم لنا ألبومًا يحمل طابع المعارضة والثورة السياسية، كما يتجلى في كلمات الأغاني والتي كتبها كلها مطرب الفريق أمير عيد، باستثناء أغنيتين، هما «اضحك» وكتبتها دعاء عبد الوهاب، و«عم غريب» لحازم ويفي.

بجانب الأغاني السياسية، قدم الألبوم أغاني اجتماعية وإنسانية، مثل الأغنية العاطفية «ليلى»، وأغنية «اضحك» التي تحمل بعض التفاؤل، و«كنت فاكر» والتي تتكلم عن الأم.

في محاولة لتقديم أغنية عن حال الشعب المصري، بصحبة وائل الفشني، جاءت أغنية «عم غريب»، بكلمات مستهلكة تقدّم تصورًا مثاليًا عن الشعب: «عم غريب ده أبويا وجدي، عم غريب تسعين مليون، الصبر معلم في قلوبهم مليون خط بمليون لون، وقت الشدة تشوفهم سد، ولا خافوا أبدًا من حد، وأما الدنيا تقسى عليهم، واقفين دايمًا زي أسد»، مع محاولة إضفاء الطابع الشعبي على اللحن الذي لم يحسن استغلال مساحات صوت الفشني بشكل كاف، مكتفيًا بمجرد حضوره، كنوع من أنواع استغلال نجاحه في شهر رمضان، بعد غنائه لتتر مسلسل «واحة الغروب».

لا نزال مع محاولات تقديم الشكل الشعبي، ولكن هنا بصحبة طارق الشيخ وأغنية «الكيف»، وهي أغنية تكتفي بتقديم نصائح عن أضرار المخدرات، واللعب على وجود مطرب شعبي شهير، كما فعلها الفريق سابقًا مع عبد الباسط حمودة في أغنية «غريب في بلاد غريبة»، دون تقديم جديد لما يُسمى بـ«الموسيقى الشعبية»، ودون أدنى محاولة لإخراجها خارج إطارها من حيث اللحن والكلمات.

موسيقى الألبوم جميلة، في حال سماعها دون الكلام، لكنها جاءت في أغلب الأوقات كخلفية للغناء، أو بمعنى أدق كخلفية لكلمات أمير عيد، الذي واصل تقديم أدائه الغنائي البعيد عن الشكل التقليدي لـ«التطريب»؛ موسيقى جميلة جرى تركيب الكلمات عليها، كل شيء صُنع بمعزل عن الآخر، أو هكذا بدت النتيجة النهائية.

أغنية «نقطة بيضا»، التي حصدت نسبة مشاهدة تجاوزت المليون ونصف مشاهدة، وجاءت بمشاركة من المطرب عبد الرحمن رشدي، تتحدث عن التخبط الداخلي للإنسان، وعن وجود صوتين متناقضين داخله، فيما يذكّرك بأغنية بلاك تيما «أنا مش فارس ولا فتى أحلام»، ولكن بكلمات طغى فيها الوزن والقافية على معنى الكلام، ومع موسيقى طغت على صوت المغني، فلم أميّز أيًا من كلمات الأغنية إلا بعد قراءتها: «فيه صوت جوايا بيناديني من بعيد، سامعه وعارفه كويس بس أنا عامل عبيط، نقطة بيضا ف وسط سواد، إنسان بينادي جماد».

وفي نهاية الأغنية يأتينا صوت عبد الرحمن بمقطع لا علاقة له بباقي الأغنية، يخاطب فيه الزمن بعد أن كان يتحدث بضمير «الأنا» عن نفسه في البداية: «عجبي عليك يا زمن، فينا مش سائل، وانا اللي أستاهل صدقتك، ومشيت وراك لحد ما سبقتك، بصيت ورايا لقيتني وحيد في وش المدفع مش عارف أرجع».

وعلى غرار «نقطة بيضا»، أتت أغنية «هدنة»، ولكن بنطاق أوسع؛ نطاق المجتمع وعاداته وتقاليده.

واستكمالًا لأغنية «السكة شمال» التي قدمها الفريق في 2014، نجد أغنية «السكة شمال في شمال»، وتتحدث عن الوضع السياسي والمشي «جنب الحيط» والخوف من إبداء الرأي، ولكن على خلاف سابقتها، فقد حاولت ملائمة تصورات ما عن «المزاج الشعبي».

يختم كايروكي الألبوم بأغنية «آخر أغنية»، وهي أغنية خطابية وهتافية، تنادي بالحرية بالطبع، وتبدو كما لو كانت كُتبت وقت الثورة، رغم أنها قُدمت للمرة الأولى في 2016.

بشكل عام، كانت الأغاني السياسية والمعارضة والثورية في الألبوم، أقرب إلى حالة «ما قبل الثورة»؛ رفض عام، خطاب شامل ومطالب واسعة التأويل، وحتى تابوهات المجتمع التي حاول الفريق كسرها، ينتمي أغلبها لتابوهات ما قبل الثورة. فيما كان من المنتظر، بعد مرور كل هذه المدة، أغان أكثر تحديدًا، وأكثر اشتباكًا مع المشاكل والأسئلة السياسية الشائكة التي صادفتنا في الفترة الأخيرة، بداية من الوضع الاقتصادي وحتى مسألة السيادة، كما تبدت مثلًا في قضية الجزيرتين.

ورغم منع الألبوم من الطرح في الأسواق، ما أرجعه البعض  لأسباب سياسية، إلا أننا لم نجد فيه أغاني عن مواقف سياسية بعينها، وإنما كان الاشتباك السياسي ناعمًا وظاهريًا فقط، حتى النداءات التوعوية، لم تطرح قضايا هامة.

في أغنية «ديناصور» يجري التشويش على أهم ثلاث كلمات؛ «أراضينا» و«كفتة» و«تحيا مصر»، ربما لسبب أمني، أو في محاولة من «كايروكي» للسخرية من منع المصنفات لبعض أغاني الألبوم

اكتفى الألبوم مثلًا بترديد كلمة «الحرية»، مفضلًا البقاء في المنطقة الآمنة، باستخدام الشعار دون مناقشة لتطبيقاته على كافة مستويات الحياة اليومية، مثل الحرية الجنسية والدينية، وغيرها، وكلها مشاكل شائكة وهادمة بحق لتابهوات المجتمع.

كل هذا مع استثناء أغنية «ديناصور»، والمذاعة بعد أسبوعين من نزول الألبوم، ويستدعي فيها الفريق «أبو الهول»، ليشهد على ما وصل بنا إليه الحال. وفي الأغنية يجري التشويش على أهم ثلاث كلمات؛ «أراضينا» و«كفتة» و«تحيا مصر»، ربما لسبب أمني، أو في محاولة من «كايروكي» للسخرية من منع المصنفات لبعض أغاني الألبوم، خاصة أن الألبوم موجود على قناتهم الخاصة على يوتيوب.

في كل الأحوال يبقى هذا المقطع هو الاشتباك الحقيقي الوحيد مع مشاكل سياسية واضحة، حتى لو كان مجرد اشتباك سريع:

«بيجيبوا اللي فيهم فينا، بعد ما باعوا أراضينا، قال إيه بيقولوا علينا، شباب ما عندوش انتماء، والمذيع بيقول ماء، ونفس الاسكتش بيتعاد، والكفتة يا ناس بقت علاج، وتحيا مصر تلات مرات.»

في آخر اتصال لي بديلر للحشيش، وجدت أنه يضع أغنية «الكيف» كرنّة لتليفونه.

يدلنا هذا على مدى انتشار الأغنية أولًا، ولكن أيضًا على كون الأغاني التوعوية من هذا النوع لا تغير شيئًا لدى مستمعيها، فأغنية «الكيف» يُغنّى مثلها الكثير في التراث الشعبي، ولم يتغير شيء، تبقى الأغنية في حيز الأغاني الساذجة، مثلها مثل أغاني التوعية على القناة الثالثة في التلفزيون المصري.

أعتقد أنه الآن، وبعد أكثر من ست سنوات من الفشل في إيجاد أي بريق أمل، وبعد كل هذه الدماء، وبعد برود الأذهان من الحماس الثوري، فعليك إذا كنت تريد إقناعي بأنك لا تزال واقفًا في أرض المعركة، أن تقدّم لي قضايا حقيقية، وألا تكتفي بالشعارات والجمل العامة واسعة التأويل، فكل ذلك لم يعد مناسبًا الآن.

كما أن هناك خلطًا في المفاهيم لدى الفريق، فمن غير المفهوم أن تنادي بالمساواة بين الرجل والأنثى، منتقدًا قبول خطأ الرجل وعدم قبوله من المرأة، كما ورد في أغنية «هدنة»: «هي تغلط يدبحوها وتتّاوى، وهو يغلط يقولوا معلش دي شقاوة» بينما تتبنى، في «آخر أغنية»، مجازات ذكورية من عينة: «قال ايه بيقولوا عليا خايف! اركن ياض على جنب، وحط أحمر شفايف».

الانتشار لا يعني أن المنتج جيد بالشكل الكافي، أو أنه يقدم جديدا في شكل أغنية «الأندرجراوند» والأغنية السياسية والشبابية.

كان «نقطة بيضا» ليصبح ألبومًا جميلًا ومهًما، لو كان قد طرح قبل الثورة، أو في بداياتها، لكن ليس الآن، وبعد كل ما حدث.

اعلان