Define your generation here. Generation What
بين «سيد الخواتم» و«أغنية الجليد والنار»: كيف رأى چورچ مارتن «العائدين من الموت»؟
 
 

«وكيف أطيلُ التفكير في ما لا أكادُ أذكره؟ أعرفُ أني كنتُ أملكُ قلعة في (التُّخوم) من قبل، وكانت هناك امرأة يفترَض أن أتزوَّجها، لكني لا أستطيعُ أن أجد تلك القلعة اليوم، ولا أن أقول لك لون شعر تلك المرأة. من نصَّبني فارسًا يا صديقي القديم؟ ماذا كان طعامي المفضل؟ ذكرياتي كلها تذوي، لدرجة أني أحسبُ أحيانًا أنني ولدتُ على العشب الدامي في بستان الدردار إياه، في فمي مذاق النار وفي صدري فجوة».

اللورد بريك دونداريون، «عاصفة السيوف»، الرواية الثالثة من سلسلة «أغنية الجليد والنار»

هكذا تكلم الرجل الذي عاد من الموت ست مرات كاملة. لا يدري القارئ كيف حدث هذا بالضبط، وليس هناك ما يؤكد إن كان من يفعل هذا شيطانًا أم مخلوقًا خارقًا، أم إلهًا حقًّا كما يزعم الراهب الذي يعيده. حتى الآن ترك چورچ ر. ر. مارتن، مؤلف سلسلة روايات «أغنية الجليد والنار»، المأخوذ عنها مسلسل «Game of Thrones.. لعبة العروش»، هذه النقطة محفوفة بالغموض، وربما لا ينوي الإفصاح إلا عن النزر اليسير بصددها، أما الواضح جدًّا فهو التبدل الشديد في شخصية العائد من الموت، وكيف تؤثِّر تجربة كتلك في نفسه، وهو النهج الذي التزم به «مارتن» دائمًا في أعماله، سواء روايات الخيال العلمي والرعب أو عالم الجليد والنار.

في حالة بريك دونداريون نلاحظ مع تكرار تجربة الموت والبعث فقده جزءًا كبيرًا من ذاته القديمة، بحيثُ أضحى أغلب ذكرياته ضبابيًّا، ويلازمه دائمًا طابع من الكآبة والحزن، على خلاف الشخصية التي شهدناها في بداية تعرفنا إليها؛ محارب شهير دائم الابتسام، على قدر من الغرور، تقع الفتيات في غرامه.

 يتجلى صراع بريك النفسي في تساؤلاته المستمرة عن علَّة عودته كلما مات، وعن وجود هدف من كل هذا، وما إن كانت هناك مهمة ما يتوجب عليه تنفيذها قبل أن يموت بلا رجعة. في مسلسل «لعبة العروش» لا تزال الإجابة مجهولة، وإن كان كثيرون قد خمنوها بالفعل، على الأقل بناءً على تطور الأحداث في روايات «أغنية الجليد والنار» المقتبس عنها المسلسل.

من يموت ويُبعث، يفقد شيئًا

عودة شخصية ما من الموت منطقة شائكة، لا ينبغي أن يخوضها الكاتب إلا إذا كانت لها أهمية درامية لا تقل عن موتها. وفي الأدب عدة أمثلة على شخصيات كتلك، منها ملكياديس في «مئة عام من العزلة»، وهربرت وايت في قصة «مخلب القرد»، وأصلان في «حكايات نارنيا»، ولورا مون في «آلهة أمريكية»، وبالطبع جاندلف في «سيِّد الخواتم».

كل هذه الشخصيات عادت من الموت بوسيلةٍ أو بأخرى، ولسببٍ أو غيره، وكل منهم خدمت عودته الحبكة بشكلٍ أو آخر، لكن لـ«مارتن» نظرة مختلفة في هذه الخبرة، إذ يرى أن عودة أحدهم من موته أقوى مما كان، تُشعره بالخديعة كقارئ، فالموت في رأيه يفعل العكس بالمرء، فلن يعود الشخص كما كان بالضبط، خاصةً إذا كانت الميتة عنيفة وصادمة.

جاندلف

يقول مارتن في حوار مع مجلة تايم الأمريكية عن تجربته في قراءة ثلاثية «سيِّد الخواتم» للكاتب چ. ر. ر. تولكين: «لطالما شعرتُ بالضيق لعودة جاندلف من الموت. بالنسبة لي كانت مناجم موريا هي الزفاف الأحمر لـ’سيِّد الخواتم’، وكانت لحظة رهيبة عندما سقط جاندلف! كنتُ في الثالثة عشرة من العمر وقتها، ولم أتوقع ذلك على الإطلاق، وأخذتني المفاجأة كاملة. لا يمكن أن يموت جاندلف! إنه الرجل الذي يعرف كل شيء عما يحدث! إنه أحد الأبطال الأساسيِّين! رباه، ماذا سيفعلون دونه؟ ليس هناك الآن إلا الهوبيت وبورومير وأراجورن؟ ثم يعود جاندلف في الكتاب التالي. ستة شهور فقط فصلت بين نشر الكتابيْن في أمريكا، ولكنها مرت عليَّ كمليون عام. كنتُ أحسبُ أن جاندلف ميت طيلة هذا الوقت، لكنه عاد، والآن هو جاندلف الأبيض، بلا اختلافٍ كبير عما كان من قبل، باستثناء أنه أقوى».

كثيرًا ما أبدى مارتن إعجابه بتولكين، مؤلف «سيِّد الخواتم»، وأعرب عن تأثره الشديد به في كتاباته الفانتازية، بلا شك فهناك ملامح من عالم أرض تولكين الوسطى تتبدَّى في عالم الجليد والنار، كما أن مارتن قال صراحةً إنه استوحى شخصية سام تارلي من شخصية سام جامچي، بل واختار أن يتوسَّط حرف الـ«آر» المكرر اسمه، تيمنًا بتولكين، الذي قال عنه: «إنني أعبدُ تولكين! إنه أبو الفانتازيا الحديثة كلها، وما كان عالمي ليوجَد لولا أنه أتى أولًا! ومع ذلك أنا لستُ تولكين، وأفعلُ ما أفعله بطريقةٍ مختلفة عنه، رغم حقيقة أن ‘سيِّد الخواتم’ من أعظم الكُتب في القرن العشرين كله، لكن هناك ذلك الحوار القائم بيني وبين تولكين وبعض من يحذون حذوه، وهو حوار دائم».

الفانتازيا الفائقة

هذا الحوار مستمر بين أجيال كتّاب الفانتازيا والخيال العلمي، يؤكد مارتن، لأنهم كلهم جزء من هذه الثقافة الفرعية، وعندما يقرأ أعمالًا فانتازية لمؤلفين آخرين، خصوصًا تولكين وبعض من تبعوه، فهناك دائمًا رغبة كامنة في مؤخرة عقله تدفعه لأن يقول: «هذا جيِّد، لكني كنتُ لأنفِّذ هذا الجزء بطريقة مختلفة»، أو: «لا، أعتقدُ أنك أخطأت في هذا». لا يعدُّ مارتن هذا انتقادًا لتولكين، وإن صرح مرارًا بأنه أخذ عليه تصويره لعوالم الخير المطلق والشر المطلق، مع إغفال المنطقة الرمادية التي يسكنها البشر جميعًا. لكن على الناحية الأخرى، فمحبو كل من العالمين يتفقون على أن هناك طابعًا ونكهة مميزيْن في وصف وتقديم كل منهما، تتجلى بهما عبقرية كاتبيهما، وما دام هناك عشاق لأدب الفانتازيا فلن ينقطع الكلام عنهما، ولا المقارنة بينهما.

أما النقد الآخر الذي وجهه مارتن لتولكين بخصوص الشخصيات العائدة، فلا يخصه فقط، وإنما يشمل أيضًا من حذوا حذوه، فصحيح أن تولكين هو أول من قدم الجنس الأدبي المعروف بـ«الفانتازيا الفائقة»، الذي خلق فيه عالمًا كاملًا من خياله بأدق تفاصيله، عالمًا كل شيء فيه جديد على القارئ، بما في ذلك عودة الشخصية من الموت بالطبع، لكن سرعان ما ازدحم هذا الجنس الأدبي الذي لم يتجاوز عمره القرن، بالكليشيهات المحفوظة والمكررة بسبب من حاولوا تقليد تولكين.

كان موت جاندلف مهمًّا لأحداث «سيِّد الخواتم»، فهو المعلم العجوز الحكيم الذي يعرف أشياء كثيرة، وغيابه يضع الأبطال في خطر حقيقي، هو على غرار أوبي وان كنوبي في «حروب النجوم»، وأصلان في «نارنيا» ودمبلدور في «هاري پوتر»، وعودته بنفس أهمية عودتهم. في أحد فصول الكتاب الثاني من «سيِّد الخواتم»، والذي أخذ عنوان «البُرجان»، نعرف أنه لولا عودته لاستطاع ساورون تحديد مكان فرودو واستعادة الخاتم قرب نهاية الكتاب الأول، أي أن مهمة حماية العالم من الظلام الأبدي كانت لتنتهي بعد بدايتها بفترةٍ قصيرة للغاية، ناهيك أنه بتدخله في معركة «هلمز ديپ»، تمكن من إنقاذ مملكة كاملة من الهلاك في اللحظة الأخيرة، وغير ذلك من الأحداث المحورية.

كاتلين ستارك، قلب الحجر

كان تحفُّظ مارتن على عودة جاندلف منصبًا على كونه عاد بمعارف وقوى لم يكن يملكها قبل موته، وعلى غياب أي تغيرات ملحوظة في شخصيته باستثناء أنه صار أقصر فتيلًا نوعًا. لكن من ناحية أخرى، فقد كانت عودته بأمر من إيرو، الإله في عالم الأرض الوسطى، لاستكمال المهمة التي بدأها، بينما في روايات «الجليد والنار» نجهل أسباب ووسائل العودة من الموت، كما نرى تغيرًا جذريًا في شخصية العائد من الموت، ولا يتعلق الأمر بدونداريون فقط، بل أيضًا بكاتلين ستارك التي عادت حاملة لقب «الليدي ستونهارت» أو «قلب الحجر».

كاتلين ستارك تُذبح في الزفاف الأحمر

«أخفت ياقة معطفها الشِّق الذي صنعه نصل أخيه في حلقها، لكن وجهها كان أسوأ مما يذكر، جعله الماء طريًّا كالعجين وصار لونه كالحليب المخثر، واختفى نصف شعرها فيما شاب الباقي وتقصَّف جاعلًا إياها كالعجوز الشمطاء، وأسفل فروة رأسها الخربة كان وجهها جلدًا مهترئًا ودمًا أسود حيث مزقته بأظفارها، أما عيناها فكانتا أسوأ ما في الأمر، عيناها رأتاه وامتلأتا كراهية».

الخاتمة، «عاصفة السيوف»، الرواية الثالثة من «أغنية الجليد والنار»

قبل موتها، لم يكن يحرك كاتلين ستارك إلا حبها لأطفالها، ارتكبت عدة أخطاء في الطريق، لكنها بذلت دائمًا أقصى جهدها لحمايتهم من الخطر، قبل أن تلقَى نهاية بشعة وترى ابنها البكر يُقتل أمام عينيها ومعه أهم حلفائه في مذبحة الزفاف الأحمر، لتعود بعدها خالية تمامًا من أية مشاعر سوى الرغبة في الانتقام من كل من خانوا عائلتها، بشخصية مختلفة تمامًا عمن عرفناها، وبقلب حجري لا يعرف الحب.

يوضح مارتن أن دونداريون وكاتلين ليسا حيين الآن بالمعنى المعروف، فالقلب لا ينبض، والدماء لا تتدفق في العروق، والأحرى أنهما جثتان حيتان، وإن كانت النار تحرِّكهما بدلًا من الجليد. ويضيف أن حذف الخط الخاص بـ«الليدي ستونهارت»، أو «كاتلين» سابقًا، من المسلسل، كان أكبر خلافاته مع مؤلفيْه، دي بي وايس وديڤيد بنيوف، ما يلقي ضوءًا على أهمية الشخصية للأحداث في الروايتين القادمتين، بشكل قد لا يقل عن چون سنو، الشخصية التي يفترض بها العودة للحياة هي الأخرى.

أنت لا تعرف شيئًا، چون سنو!

«سقط چون على ركبتيه، ومدَّ يده إلى مقبض الخنجر وانتزعه من بطنه ليتصاعد الدخان من الجرح في هواء الليل البارد، وهمسَ باسم جوست والألم يكتسح جسده كله، وعندما انغرسَ الخنجر الثالث بين لوحي كتفه أطلق أنينًا وهوى على وجهه في الثلج، ولم يشعر بالطعنة الرابعة، فقط بالبرد…».

جون 13، «رقصة مع التنانين»، الرواية الخامسة من «أغنية الجليد والنار»

شهور طويلة فصلت بين نهاية الموسم الخامس وبداية السادس، دارت خلالها حوارات عديدة، حاول فيها الجمهور تخمين عودة چون سنو للحياة من عدمها، منذ أن شاهدوه يسقط ودماء الحياة تتسرب منه في اللحظات الأخيرة من الموسم الخامس، بعد أن تلقى عددًا من الطعنات لا يمكن أن يظل حيًّا بعدها من إخوته في «حرس الليل»، لتنطفىء لمعة الحياة في عينيه. نفس التساؤل طرحه قراء سلسلة «أغنية الجليد والنار» في فترة أسبق، فآخر لقاء لهم بچون سنو كان أيضًا في الفصول الأخيرة للرواية الخامسة، والصادرة في 2011، أي بعد شهر تقريبًا من نهاية عرض موسم المسلسل الأول، وقد تركوه في نفس الموقف باختلافات طفيفة عن المسلسل، كعدد الطعنات، ومحاولته الدفاع عن نفسه، وكلمته الأخيرة، لكن النتيجة تظل واحدة.

چون سنو وذئبه جوست

لم يكن السؤال إن كان «چون سنو» ميتًا، فالكل أكد هذا، من كيت هارينجتون، مُمثِّل الشخصية، لمؤلفي المسلسل لكبار المسؤولين في شبكة HBO، الذين دعموا الإجابة بطرحهم سيناريو المشهد الأخير من الموسم الخامس على الإنترنت، وورد في نهايته أننا «نرى السكين في يد أولي عندما ينغرس في قلب چون مباشرةً»، ثم «ينسحب الإخوة تاركين چون ليموت وحيدًا على الأرض ودماؤه تسيل منه بغزارة. ينطفئ النور في عينيه المفتوحتين بينما نُسدِل الستار على الموسم الخامس».

لذا كان السؤال: كيف سيعود چون إلى الحياة؟

الإجابة كانت في الحلقة الثانية من الموسم السادس، فيما لم يصدر الكتاب السادس من سلسلة مارتن بعد ليجيب عليه بدوره، وإن كان بإمكاننا تخمين أن عودة چون ستختلف في الكتاب حتى إذا تشابهت الوسيلة.

ورغم أن عودة سنو في المسلسل كانت حدثًا سعيدًا لمحبيه، فإن كثيرين أبدوا اعتراضهم على غياب المنطق عنها، بدايةً باختلاف الطقوس التي مارستها الراهبة الحمراء مليساندرا عن «قُبلة الحياة» التي يعيد بها الراهب الأحمر «ثوروس» بريك دونداريون كل مرة، مع أن المفترض أن تكون الطقوس مماثلة لأنهما من ديانة واحدة.

من الواضح تمامًا أن مارتن نفسه غير راضٍ عن الوسيلة التي عولجت بها عودة چون في المسلسل، فعندما طُرح عليه الأمر في الحوار مع مجلة تايم، اكتفى بإجابة مقتضبة للغاية ناقلًا الحديث إلى بريك دونداريون وكاتلين ستارك في رواياته

 لكن الأهم كان عدم وجود تغير ملحوظ في شخصية چون بعد عودته، حيث نراه يتصرف كما كان بالضبط، ويبتسم أكثر ويبدو ألا شيء تبدل في داخله، ويؤكد هذا أنه قال إنه لم ير عالمًا آخر عندما مات، بل لم ير شيئًا على الإطلاق. الأدهى أن موضوع عودته من الموت لم يُطرح بعدها إلا مرة واحدة فقط ثم أصبح كأنه لم يكن، ما جعل عددًا كبيرًا من المشاهدين يعتبر المسألة كلها مجرد حيلة درامية لتخليصه من قسمه لـ«حرس الليل»، الذي يُلزمه بالخدمة «حتى الموت»، تمهيدًا لأن يصبح ملكًا في الشمال، لكن فيما عدا هذا يغيب المنطق عن الأمر كله.

يرجع هذا طبعًا لعدم منطقية سبب موته نفسه في المسلسل، فحجة مغتاليه هي أنه سمح للهمج الأعداء بالمرور من الجِدار، ما يجعل المشاهد يتساءل عن سبب انتظارهم له حتى ذهب وأتى بهم بالفعل قبل أن يقتلوه؟ ولماذا لم يفعلوها قبل عودته وقبل أن يحاصرهم بالهمج الذين يؤمنون بأنهم سينقلبون عليهم؟ في الرواية يفعل چون هذا بأمر من الملك ستانيس باراثيون، وبلا حيلة منه، أما ما يجعل إخوته ينقلبون عليه فهو إعلانه أنه سيحنث بقسمه ويذهب جنوبًا لقتال رامزي بولتون، وهو سبب أكثر منطقية. ومن الواضح تمامًا أن مارتن نفسه غير راضٍ عن الوسيلة التي عولجت بها عودة چون في المسلسل، فعندما طُرح عليه الأمر في الحوار مع مجلة تايم، اكتفى بإجابة مقتضبة للغاية ناقلًا الحديث إلى بريك دونداريون وكاتلين ستارك في رواياته، موضحًا أنه لا بد من تبعات نفسية وجسدية للعودة من موت صادم عنيف.

ننتظر إذن لنرى كيف سيعود چون سنو من الموت في رواية «رياح الشتاء»، الكتاب السادس المنتظَر من السلسلة، لكننا نتطلع أكثر لأن نرى أثر هذه التجربة في شخصيته، وكيف ستؤثر على الأحداث القادمة.

اعلان