Define your generation here. Generation What
يوميات سميرة الخليل في غوطة دمشق: لعل الكلمة تشرح شيئًا ما
 
 

«سميرة الخليل – يوميات الحصار في دوما 2013»  هو عنوان الكتاب الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2016، مع مرور ثلاث سنوات على اختطاف الناشطة السورية سميرة الخليل والكاتبة والحقوقية رزان زيتونة، مع زوجها وائل حمادة، والشاعر والمحامي ناظم حمادي في مدينة دوما بغوطة دمشق في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول 2013. قدّم الكتاب وحرره ياسين الحاج صالح، الكاتب السوري وزوج سميرة الخليل، والذي كان قد أكد على امتلاكه لقرائن تدين «جيش الإسلام» باختطاف زوجته مع النشطاء الثلاثة الآخرين.

لم تكتب الخليل هذه اليوميات بصفتها كاتبة أو مشغولة بالكتابة مثلًا، ولا هي ناتجة عن حس أدبي مخضرم لديها، وإنما كان الدافع الأساسي لكتابتها هو ضميرها، وعدم قدرتها على السكوت أمام ما تراه أمام عينيها من قتل وتجويع للناس وفرض الحصار المطبق عليهم في منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، الخارجة عن سيطرة النظام الأسدي، والخاضعة لهيمنة فصيل «جيش الإسلام» العسكري الإسلامي السلفي، والذي ينكر تمامًا علاقته بقضية المختطفين، معتمدًا في دفاعه عن نفسه على خطاب طائفي واستعلائي.

تنقسم يوميات سميرة الخليل إلى ثلاثة أقسام؛ أتى القسم الأول بعنوان «أوراق سميرة في دوما»، وهو عبارة عن تفريغ لأوراق كتبتها في الغوطة الشرقية في فترة الحصار، وصوّرها وأرسلها أصدقاء مقيمون في دوما إلى ياسين الحاج صالح، الذي رجّح أنها كُتبت في أوقات انقطاع الكهرباء، لتنشرها سميرة على صفحتها على الفيسبوك بعدها، أما القسم الثاني فجاء بعنوان «فيسبوك سميرة .. بعض تعليقات على الأحوال في الغوطة الشرقية»، ويقول الحاج صالح في المقدمة المعرّفة بهذا القسم: «كانت سميرة دأبت على تسجيل يوميات من الحياة تحت الحصار في دوما والغوطة الشرقية، قبيل وبعد المذبحة الكيماوية في 21 آب 2013. وكان من شأن تفريغ مكتوباتها تلك أن يعطي فكرة طيبة عن أوضاع المنطقة وأهلها في ذلك الوقت، وعن سميرة وعملها وتفاعلها مع تلك الأوضاع».

أما القسم الثالث فأتى بعنوان «مقالات تعريفية عن سميرة»، ويضم ثلاثة مقالات عنها.

***

سميرة الخليل ناشطة سورية علمانية، من مواليد مدينة حمص 1961. اعتقلت عام 1987 لنشاطها في الحزب العمل الشيوعي، وقضت أكثر من أربع سنوات في السجن في دوما، وهي المدينة التي ستُختطف فيها بعد 22 عامًا من خروجها من السجن عام 1991.

قبل وصول سميرة الخليل إلى دوما، كان قد سبقها إلى هناك، في أوائل شهر أبريل/ نيسان، زوجها الكاتب ياسين الحاج صالح، الذي يشرح في المقدمة أنه عاش مع زوجته في العاصمة دمشق متواريًا عن الأنظار، متنقلًا بحذر بين خمسة بيوت، قبل انتقاله إلى دوما بريف دمشق والمعروفة بـ«الغوطة الشرقية»، وبعد شهر ونصف ستصبح سميرة ملاحقة ومطلوبة من قبل النظام الأسدي، لتضطر للحاق بزوجها إلى دوما في 18 مايو/ أيار 2013.

في 10 يوليو/ تموز 2013 سيخرج ياسين الحاج صالح تهريبًا من الغوطة المحاصرة، متجهًا إلى الرقة، ولدى وصوله، سيكتشف أن الوضع هناك بات أسوأ، بعد أن عزّز تنظيم داعش سيطرته على المدينة، واعتقل شقيقين له بالتزامن مع وصوله، ليضطر مرة أخرى للتواري، ثم الخروج مهَربًا للمرة الثالثة إلى تركيا. يقول ياسين: «لم يكن واردًا أن ترافقني سميرة في الرحلة الطويلة من الغوطة الشرقية إلى الرقة، وكانت لدينا خطط لتهريبها إلى دمشق مرة أخرى، ومن ثم تصبح الخطوة التالية أيسر. لم يتيسر الأمر».

يوميات الحصار

بعد خروج منطقة الغوطة الشرقية عن سيطرة النظام الأسدي، حاصر الأخير  المنطقة من جميع منافذها في 10 أكتوبر/ تشرين 2013، في سياسة اتبعها النظام مع أكثر من منطقة بسوريا خرجت عن سيطرته، وسمّاها مؤيدوه بسياسة «الجوع أو الركوع».

في دوما أقامت سميرة الخليل كلاجئة هذه المرة، كي تتفادى تجربة الاعتقال والسجن، وهو ما كتبته في الورقة السادسة عشر من يومياتها: «عندما علمت أني مطلوبة لفرع فلسطين قررت ألا أعيش تجربة الاعتقال مرة أخرى. رتبت الوضع، ولحقت ياسين إلى الغوطة المحررة».

لم تخف سميرة من الاعتقال في دوما، ولماذا تخاف؟ مادامت تقيم الآن في منطقة خارجة عن سيطرة النظام، ومحمية من شباب الثورة. حتى في منطقة تُقصف ليلًا نهارًا بكل أنواع الأسلحة مثل الغوطة الشرقية، يشعر السوري بالأمان لمجرد كونه لن يتعرض للاعتقال، وهو شعور ينتمي للحياة في حدّها الأدنى، فما بالك  بمن ماتوا تحت التعذيب، ومن لا يزال منهم مجهول المصير!؟

لم تتوقع سميرة أن تُختطف هي ورفاقها، من قِبل من يُفترض أن تجمعها بهم ذات القضية التي قامت على أساسها الثورة السورية، وهي كرامة العيش والحرية والعدالة وخلاص سوريا من الديكتاتورية.

سميرة الخليل

كما لم تخطر على بالها مسبقًا فكرة كتابة اليوميات. تقول: «لم تكن في نيتي الكتابة، أكتب فقط لنقل ما يحدث .. لعل الكلمة تشرح شيئًا مما يحدث».

ربما لهذا، تنقل تفاصيل الحياة اليومية في دوما أثناء الحصار، بأسلوب بسيط ومباشر، فتكتب عن شح المواد الغذائية، ارتفاع الأسعار، الاكتفاء بأوراق الملفوف [الكرنب] بدلًا عن رغيف الخبز. تقول في مقطع بعنوان «براءة حصرية»: «سندويشة فلافل .. قالوا لي … أكلنا سندويشة فلافل من ورق الملفوف. براءة اختراع حصرية لأهل الغوطة».

تبدأ سميرة بعض يومياتها المنقولة من قصص من تلتقي بهم وتنصت لهم بـ«قالت لي»، و«قالوا لي»، ما يجعل كتابتها أكثر مصداقية، فبالنسبة لها «الناس هي الوطن… الوطن بلا ناسه ما لو وجود».

ستتكرر «قالت لي» كثيرًا، ما يعكس اهتمامها بمعرفة المزيد من حياة وقصص نساء المنطقة، والاستماع لهن. في إحدى القصص، تشرح سيدة لسميرة كيف ماتت طفلتها من البرد والجوع: «قالت لي: كان جسدها باردًا، حاولت تدفئتها، وضعتها قبالة الشمس، لكنها بقيت كلوح البوظ [الثلج]، رحلت، لن تدفئها أشعة الشمس ولا حضني. أخذها والدها لدفنها، وأطلقت عليها اسمها السري: هاجر. بكيتها كل يوم، لم أضعها على صدري، رحلت جائعة، كان الحليب المتدفق يخبرني بجوعها، ينزل بغزارة. رحلت، كان عليها أن تأخذ قليلًا منه.»

خاين يلّي بيخطف ثائر

ورغم أن المجتمع الدولي قد أعطى لبشار الأسد الضوء الأخضر لاستعمال كل أنواع الأسلحة، شريطة ألا يقصف بالكيماوي، إلا أن القصف بالكيماوي تكرر بعدها بأكثر من منطقة. ستكون سميرة شاهدة على إحدى مذابح الكيماوي تلك في 21 أغسطس/ آب 2013، وما بعدها في المنطقة.

هذه المذبحة سيكون لها أثر كبير في كتاباتها وتغطيتها لما حدث. في إحدى يوميات الفيسبوك تقول: «اختلط الموت مع الهواء في الغوطة، انتشر كيماوي الموت في زملكا، وكفر بطنا، وعربين، وعين ترما، وحمورية، وبقية الغوطة تحاول النجدة، وتنقذ ما يمكن إنقاذه من حياة، ناموا ولم يعرفوا أنها ليلتهم الأخير مع الحياة.»

وتضيف نقلًا عن أبو سلمة، وهو مسعف يعمل بهيئة الدفاع المدني: «ذهبنا لزملكا نحاول إنقاذ من يمكن إنقاذهم … نضع بسيارة الإسعاف حوالي 15 شهيدًا، كان الجميع قد فارق الحياة، لم نستطع إنقاذ إلا اثنين. واستشهد من أصدقائي مسعفان، واختنق صوته وأدار وجهه يهرب بدمعته. »

وفي يومية أخرى تصف استمرار القصف فيما بعد مذبحة الكيماوي، فتقول: «بالكيماوي استشهد 950 أطفال ونساء. ما تحرك العالم. للأمانة تحرك وسحب الكيماوي، وكل اليوم الطيران والهاون ما عم يهدا. العالم ما فارق معو، براحة ضمير تامة».

صورة جماعية للمختطفين الأربعة

جانب آخر يميز كتابة سميرة؛ هو عدم وجود أي يومية لديها ذاتية بالمطلق. الأنا في يومياتها دائمًا يرافقها الآخر. الكلام عن الهمّ الشخصي ليس معزولًا عن همّ الجماعة والشريك والصديق ومن تعيش معهم. هي دائمًا قادرة على التعبير عن الوجع الشخصي دون الدخول في دائرة الشكوى والتذمر، بل أكثر من ذلك، فهناك نوع من الرضا كذلك! تخاطب زوجها وأحباءها قائلة:

«شكرًا ياسين … أنت من قادني لهذا المكان، وشكرًا لأصدقائي الذين أتشارك معهم الجوار والمكان، ويجعلون الحصار خفيفًا ومحتملًا وأقل قسوة، مثلما أصدقائي في السجن جعلوه محتملًا».

دفعت قسوة الحصار سميرة في أكثر من مناسبة للمقارنة بين الحصار والحياة داخل السجن: «أتذكر السجن، وتتفوق حياة الحصار عليه. وحشية تعم الجمع المحاصر … أطفال، نساء، شيوخ، البيوت التي زرتها والأشخاص الذين رأيتهم يروون قصصهم عن أحبة: كيف أتى الصاروخ، وكيف فُتفت الجسد».

وفي يومية أخرى تحت عنوان «بالمختصر كان السجن مزحة» تقول: «سجن .. ما بعرف بهالمناسبة شو بدي قول. بالمختصر كان السجن مزحة. من فرع حمص لفرع التحقيق لفرع فلسطين (كلو مزح) لسجن دوما. كنا ناكل قتل فترة التحقيق أسبوع بكل فرع، بعدين يجيبوا أكل و … ناكل. الحصار ما في شي، ولا دواء لا مي ولا كهربا .. ما في شي متوفر. لا، نسيت الموت، وحده متوفر بكثرة»

هذه اليوميات وثيقة هامة، لما تحمله من شهادات وتغطية حية لمعاناة السوريين أيام الحصار في الغوطة الشرقية، وكتبتها الخليل عن أقسى اللحظات التي عاشتها وعايشتها بحس المسؤولية والانحياز التام للمظلوم بوجه كل ظالم.

***

لدى انتهائي من الكتاب وجدت نفسي أتساءل عمن خطفوا سميرة من بيتها، ألم تصادفهم يومياتها أثناء تفتيشهم لمنزلها؟ ألم تصادفهم تلك الورقة المكتوب فيها «يومًا ما ستعرفون كم خذلتم الإنسان هنا، كم رحلت أرواح كان بإمكانكم أن تساعدوا في إبقائها على قيد الحياة. لكنهم رحلوا. وحياتهم بذمتكم. خنتم أمانة الحياة والعدالة، وخنتم الإنسان والإنسانية يوم صمتّم عن المقتلة اليومية»؟

اعلان
 
 
سامر مختار