سياسة مصر تجاه القضية الفلسطينية: من الصراع مع إسرائيل إلى الدفاع عن أمنها

بعد فوزه بانتخابات الرئاسة، وعندما سُئل الرئيس المصري عبد الفتاح سيسي، في لقاء مع قناة فرانس 24، عن الموقف المصري من حركة  من «حماس» أجاب بأنه: «إحنا لما بناخد إجراءات أمنية داخل سينا، الهدف منها إن احنا بنأكد سيادتنا على سينا، اللي هي جزء من أرض مصر، آدي واحد. الحاجة رقم اتنين إن إحنا لا نسمح بإن أرضنا تشكّل قاعدة لتهديد جيرانها، أو منطقة خلفية لهجمات ضد إسرائيل. دا نقطة اتنين. النقطة رقم تلاتة: لا يمكن نزع فتيل الأزمة… إلا من خلال إجراء إيجابي كبير… هو إن إحنا نقول فيه أمل حقيقي للفلسطينيين، بإن هما يبقى ليهم دولة يعيشوا فيها، زي ما الإسرائيليين عايشين، وأنا أتصور إن دا هيحل مسائل كتير جدًا إحنا يمكن شايفينها فارضة نفسها على الواقع الموجود في المنطقة دلوقتي. ماتنسيش إن أحد أسباب الإرهاب هي القضية الفلسطينية.»

عوامل عديدة أسهمت في تشكيل وتحديد القرار المصري تجاه القضية الفلسطينية، وذلك بحكم الجوار بين الدولتين، وتحديدًا مع قطاع غزة والحدود الجنوبية لفلسطين (إسرائيل)، ولكن إذا كان هناك عامل واحد له التأثير الأكبر في صياغة السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية فهو العامل الجغرافي- السياسي (الجيوبوليتيكي)، تمييزًا عن العوامل الأيديولوجية مثل القومية العربية والتضامن العربي والرابطة الإسلامية.

وبحسب كتاب «السياسة الخارجية» الصادر ضمن سلسلة «مصر بين عهدين؛ السيسي ومرسي» والذي أعده الباحث ربيع الدنان، فالعامل الجغرافي السياسي يتألف بالأساس من الأمن القومي المصري، ورؤية مصر لمركزها الإقليمي، أو الذي تستحق أن تشغله في منطقتها.

ما بعد الثورة: الرأي العام مهم.. ولكن بحدود!

منذ عام 2011 اندلعت الثورات العربية في المنطقة، لتنشغل كل دولة بشؤونها الداخلية وبما ترتب على الثورات من تداعيات داخل حدودها، ولا تزال الكثير من دول الربيع العربي تجنى ثمار الثورات وإخفاقاتها والفترات الانتقالية التي تمر بها.

وفي مصر تحديدًا، تراجعت أسهم القضية الفلسطينية منذ انلاع ثورة 25 يناير 2011، وتفاقم الوضع بعد 30 يونيو 2013، لتكتسب القضية عداء كبيرًا داخل الرأى العام المصري. وفي رسالته للماجستير التي نوقشت في جامعة بير زيت بـ2015، بعنوان «السياسة الخارجية المصرية تجاه القضية الفلسطينية»، يُرجع الباحث إبراهيم سيف السبب لما تركته مرحلة حكم الإخوان المسلمين، بتقاربها مع حركة حماس في قطاع غزة، من تأثير على الرأى العام المصري.

يظل من المؤكد أن أكبر تغيّر خرجت به الثورة المصرية، هو الأهمية المتزايدة للرأي العام، والذي عُد قوة لم يسبق لها مثيل في السياسة الداخلية حتى في صُنع السياسات

ورغم اختلاف المراقبين للشأن الفلسطيني حول درجة تراجع القضية الفلسطينية داخل الرأي العام المصري، إلا أنه يظل من المؤكد أن أكبر تغيّر خرجت به الثورة المصرية، هو الأهمية المتزايدة للرأي العام، والذي عُد قوة لم يسبق لها مثيل في السياسة الداخلية حتى في صُنع السياسات. واتضح وزن الرأي العام خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الثورة وأثناء حكم الإخوان المسلمين، في التصويت على طرد السفير الإسرائيلي في البرلمان المصري بنهاية 2012 بعد العدوان على غزة.

ولكن رغم وزن الرأي العام، ورغم الحضور القوي للقضية الفلسطينية في برامج الانتخابات الخاصة بالأحزاب المصرية، وبالأخص حزب «العدالة والحرية»، الذراع السياسي لحركة الإخوان المسلمين بعد الثورة، وحضورها في سباق الرئاسة لدى الرئيس السابق محمد مرسي، إلا أن وزن القضية الفلسطينية تراجع لدى صناع القرار لحساب الاهتمام بالشأن الداخلي، حتى أن مرسي نفسه أكد في أول خطاباته السياسية بعد تولى منصب الرئاسة التزامه باتفاقيات السلام المبرمة. وكان بقاء معبر رفح مغلقًا، خاصة بعد مقتل 16 جنديًا مصريًا على الحدود في 6 أغسطس 2012، دليلًا على أن العامل الجغرافي السياسي، والمتألف بالأساس من الأمن القومي، لعب دورًا قويًا في تحديد موقف مصر تجاه ملف حصار غزة وفتح معبر رفح.

وبحسب رسالة ماجستير إبراهيم سيف المشار إليها، فرغم موقف الرئاسة بسحب السفير المصري في نوفمبر 2012 ردًا على الحرب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، وما صاحبها من ردود فعل شعبية ورسمية وإرسال وفود للقطاع وحث دول الجوار على اتخاذ إجراءات قوية ضد العدوان، إلا أن مصر بقيادة الإخوان عملت على رعاية تهدئة الأوضاع وإقرار هدنة بين الطرفين، دون رفض لمبدأ التفاوض والاتصال بالإسرائيليين، ودون التهديد مثلًا بالوقوف مادًيا وعسكريًا مع قطاع غزة في المواجهة العسكرية.

 تولى السيسي رئاسة الجمهورية بصفة رسمية في يونيو 2014، وقال في خطابه الأول: «سنعمل على تحقيق استقلال دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية». وفقا لتقرير أعده الباحث محمد سليمان في معهد واشنطن، استفاد السيسي من حالة الفراغ الأيديولوجي لمؤيديه، فعمل على إعادة تسويق العلاقات المصرية الإسرائيلية، باعتبارها ضرورة في ظل وجود عدو إقليمي مشترك، هو حركة «حماس»، وهي امتداد لعدو داخلي «الإخوان المسلمين»، ناقًلا بذلك إسرائيل من خانة «صراع الوجود» إلى خانة «الشريك الضروري».

ما بعد 30 يونيو: السيطرة على الرأي العام

كان من الضروري للنظام بعد 30 يونيو 2013 السيطرة على الرأي العام المصري، فبعد عزل الرئيس مرسي خيّمت حالة من التوتر وعدم الثقة على العلاقة بين مصر وحماس، وشهدت هذه الفترة حملة تحريض كبيرة ضد قطاع غزة بشكل عام، وضد حماس بشكل خاص، شنتها أحزاب ووسائل إعلام وشخصيات مصرية متعددة، حيث اتهمت الإدارة المصرية الجديدة حماس بالتدخل في الشأن المصري، من خلال تهريب أسلحة وإرسال عناصر فلسطينية للمشاركة بأحداث مصر بعد الانقلاب، رغم عدم تقديم أي أدلة حقيقية على ذلك، وازدادت العلاقة سوءًا بعد قيام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في مارس 2014 بحظر أنشطة حماس مؤقتًا داخل مصر.

شكل السياسة المصرية الخارجية تجاه القضية الفسطينية يمكن إجماله في واقعتين، أولهما تصويت مصر لصالح إسرائيل في الأمم المتحدة في أكتوبر 2015، وسحب مشروع القرار المُقدّم إلي مجلس الأمن  بشأن إدانة الاستيطان الإسرائيلي في ديسمبر 2016

شكل السياسة المصرية الخارجية تجاه القضية الفسطينية يمكن إجماله في واقعتين؛ أولهما تصويت مصر لصالح إسرائيل في أكتوبر 2015 بشأن انضمام الأخيرة لعضوية «لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي» التابعة للأمم المتحدة للمرة الأولى، وكانت للتصويت معان متعددة تتخطاه في ذاته، إذ أن الدول المترشحة كانت واثقة من انضمامها لهذه اللجنة، وهو ما كان يمكن الحكومة المصرية استغلاله بعدم التصويت لإسرائيل عبر الامتناع أو الغياب عن الجلسة، ناهيك عن الرفض كبديل، وكلها بدائل سهلة ولا تكلف شيئًا.

ويرى بعض المختصين أن تلك الواقعة رسمت شكل العلاقة بين مصر وإسرائيل مباشرة بدون الوسيط الأمريكي. حيث أورد محمد المنشاوي، الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية، في مقال له بجريدة الشروق المصرية شكوى مسؤول أمريكي من تجاهل الحكومتين المصرية والإسرائيلية لبلاده في ذلك الأمر، وإبقائها بعيدة عن تفاصيل التعاون الأمني المتزايد بين الدولتين بقوله «يمكن تفهم الشكوى الأمريكية على خلفية إيمانها، منذ هندستها لاتفاقية السلام بين الدولتين، بأن علاقة القاهرة بتل أبيب تمر حتمًا عبر واشنطن، إلا أنه يبدو أن الحكومة المصرية اختارت واقعًا جديدًا لعلاقتها بإسرائيل، يقوم على تحييد واشنطن عن بعض ملفات علاقتها الحميمة مع تل أبيب».

أما الواقعة الثانية فكانت سحب مصر مشروع القرار المُقدّم إلي مجلس الأمن في نهاية ديسمبر 2016 بشأن إدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، مبررة ذلك عبر مندوبها المصري في الأمم المتحدة، عمرو أبو العطا، بضرورة التأكد من عدم توجه أي دولة للتشكيك في القرار، قائلًا: «اضطرت مصر إلي سحب مشروع القرار… بسبب المزايدات التي تعرضت لها منذ طرح المشروع».

ورغم أن القرار كان الأول من نوعه لمجلس الأمن منذ عام 1979، إلا أن مصر، بصفتها العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن، تراجعت عن تقديم المشروع تعزيزًا لإدارة ترامب الجديدة، ونكاية في إدارة أوباما التي شكلت، بحسب رؤية الحكومة المصرية، داعمًا رئيسيًا لحركة الإخوان المسلمين.

في العدوان على غزة 2014، هدفت مبادرة وقف إطلاق النار التي دعا لها السيسي لإحباط المساعي التركية والقطرية الرامية لبسط نفوذهما

تجمل الواقعتان شكل السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية في عهد السيسي، وهي تغليب المصالح الواقعية للأمن القومي المصري، ولكن ضمن ما سُمي بـ«القضاء على الإرهاب والخطر الإسلامي» وعبر التعاون المباشر مع إسرائيل وإنهاء دور الوسيط الأمريكي.

في العدوان على غزة 2014، والذي أخذ إسرائيليًا اسم «الجرف الصامد»، كان لمبادرة وقف إطلاق النار التي دعا لها السيسي، هدفان رئيسيان؛ أولًا، أراد النظام تحصين نفسه من الانتقادات المحتمل توجيهها إليه من قبل وسائل الإعلام المصرية، وإحباط المساعي التركية والقطرية الرامية لبسط نفوذهما، خاصةً وأن مصر تعتبر هاتين الدولتين راعيتين رئيسيتين لجماعة الإخوان المسلمين في أنحاء المنطقة. وبينما تواصلت محادثات وقف إطلاق النار، بقت مصر ثابتة على موقفها، رافضة تقديم أي تنازلات حقيقية لحماس، ومبرزةً مطالب الأخيرة بخصوص الرفع الفوري للحصار في خضم الصراع العسكري، باعتبارها جزءًا من سياسة الإكراه، وهو ما رفضته مصر السيسي.

أما الهدف الثاني الذى سعى له السيسي بعد العدوان على غزة في 2014، فكان تسويق نفسه للمجتمع الدولي بعيدًا عن الأزمة السياسية الدائرة في مصر، ليحتل نظامُه مساحة دولية كمفاوض في أحد أكثر الملفات الدولية حساسية (مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية)، حتى يساعده ذلك في موقفه المحلي، وليجنبه أي محاولة للإطاحة به.

صوتان في السياسة المصرية؟

في انتفاضة 2000، رفع الفلسطينيون في القدس وغزة صورًا لعمرو موسى وزير الخارجية المصري في عهد مبارك، بينما وضعوا صور الأخير على الحمار، معبرين، بتهليلهم للشعارات الديماجوجية التي صدح بها موسى في فترات كثيرة، عن غضبهم من السياسات المصرية تجاههم.

ويثير هذا التساؤل: هل كان هناك صوتان مختلفان داخل السياسة المصرية تجاه المسألة الفلسطينية، وهل تغيرت السياسية الخارجية فعليًا بعد الدولة القومية التي مثّل موسى آخر رجالها؟

في الحقيقة، فحتى وإن أدت نتائج الحروب المصرية لازدياد التداخل مع القضية الفلسطينية، إلا أن مصر لم تخض حروبًا في سبيل القضية الفلسطينية. ولا يحتاج هذا إلى توضيح فيما يخص حروب 1956 و1967 و1973.

أما حرب 1948، فقد خاضتها مصر بدوافع يغلب فيها العنصر الإقليمي على عنصر الأمن الوطني المصري، فمشروع تقسيم فلسطين، لو كان قد كتب له التطبيق، لم يكن ليقيم على حدود مصر دولة معادية أو كيانًا يهدد أمنها الوطني. ولذلك لم تكن مشاركة مصر في تلك الحرب محلًا للإجماع السياسي، وإنما جاءت بضغط من القصر الملكي خشية أن تؤدي نتيجة الحرب إلى تقوية الهاشميين في العراق وفي إمارة شرق الأردن.

الجيوش العربية في حرب 1948

ركزت نتائج حرب 1967 الضوء على تحقق أسوأ المخاوف المصرية فمن حيث الأمن الوطني، لم تقف نتيجة الحرب عند إكمال التماس بين إسرائيل وحدود مصر الشرقية، باحتلال قطاع غزة، بل تخطته إلى احتلال شبه جزيرة سيناء نفسها، بحيث أصبحت القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لقناة السويس، خط الدفاع الأول ـ واقعيًا ـ عن البلد، بل إن الذراع الإسرائيلية العسكرية امتدت لاحقًا إلى العمق المصري، الجغرافي والبشري، بحسب سيف.

قبلت مصر على الفور بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، بكونه يدعو إلى تسوية شاملة وعادلة للنزاع العربي الإسرائيلي، واستجابت السياسة المصرية، من حيث المبدأ، للمبادرات الدبلوماسية التي قامت عليه. وبموازاة هذه السياسة الدبلوماسية، بدأت مصر الإعداد للحرب وشن حرب استنزاف ضد القوات الاسرائيلية على جبهتها، ما أدى لحرب 1973 التي انتهت بخطاب السادات أمام الكنيست، الذي رسم السياسة المصرية تجاه الملف الفلسطيني حتى عهد الرئيس السيسي، وبمفادها فيمكن للأمن الوطني أن يتحقق بالصلح مع «العدو» الذي تكرر تهديده لحدود مصر الشرقية، كما يتحقق بحل متدرج للقضية الفلسطينية، من الحكم الذاتي إلى الاستقلال تحت نوع من الوصاية الأردنية المصرية الإسرائيلية.

أما المركز الإقليمي لمصر فيمكن أن يجد له شرعية جديدة، تقوم على الدور المصري في تحقيق سلام شامل ودائم في المنطقة.

ما بعد كامب ديفيد: تعميم السلام مع إسرائيل

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أدركت السياسة المصرية أن من أخطر نتائج صلحها المنفرد مع إسرائيل إضعاف مركزها الإقليمي لحساب الدولة اليهودية، لذا اتجهت، في محاولة للالتفاف على هذه النتيجة، إلى العمل على تعميم مبدأ السلام مع إسرائيل، باعتبار أن من شأن هذا التعميم إنهاء عزلتها العربية، وإعادة تفعيل العوامل التقليدية التي كانت تعتمد عليها في احتلال مركز الصدارة في النظام العربي.

لذا دعمت مصر وحضرت توقيع اتفاق أوسلو؛ وهو اتفاق الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل وإعلان المبادئ، الموقّع في البيت الأبيض بتاريخ 13 سبتمبر 1993، بعد مفاوضات سرية فلسطينية إسرائيلية في النرويج، أشار إليها أحمد قريع في كتابه «الرواية الفلسطينية للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق».

استمر الجهد المصري للوصول الي حل للقضية الفلسطينية، حيث دعت مصر لمبادرة سلام بالمشاركة مع فرنسا في يناير عام 1998، لإيجاد آلية جديدة تضمن تنفيذ القرارات الناتجة عن مؤتمر مدريد، والقائمة علي مبدأ الأرض مقابل السلام.

ولكن مع اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000، شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية توترًا، فاقم منه تصاعد العنف الإسرائيلي بعد وصول آريئيل شارون إلى رئاسة الحكومة في فبراير 2001، وزاد التوتر إثر استجابة الحكومة المصرية لضغوط الرأي العام المصري الذي دعاها خلال مظاهرات نظمتها عدة فئات سياسية وشعبية لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، بسبب المجازر التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني، ما أدى لاستدعاء الرئيس الأسبق حسني مبارك السفير المصري من إسرائيل في 21 نوفمبر 2000، احتجاجًا علي استخدام اسرائيل القوة المفرطة تجاة الفلسطينيين.

رغم التوتر الناجم عن تولي حماس مقاليد الحكم في غزة، فقد ظلت مصر ترعى ملفي الصلح الفلسطيني وحصار غزة، وفق المفاهيم الأمنية لا الإنسانية

أدانت مصر الحصار الإسرائيلي للرئيس ياسر عرفات ودعت للسماح له بالحركة، قبل أن تشهد العلاقات المصرية الإسرائيلية تحسنًا في العام نفسه، وبعد انتهاء الانتفاضة، حيث أجريت اتصالات سياسية عديدة انتهت بإعادة السفير المصري إلى إسرائيل في فبراير 2005.

ورغم التوتر الناجم عن تولي حماس مقاليد الحكم في غزة، فقد ظلت مصر ترعى ملفي الصلح الفلسطيني وحصار غزة، وفق المفاهيم الأمنية لا الإنسانية، حتى وصلت الجهود الحثيثة لمصر إلى إقرار خطة خارطة الطريق الدولية التي تتضمن رؤية شاملة لحل القضية الفلسطينية، والتي كان من المفترض أن تقود لإقامة الدولة الفلسطينية بحلول عام 2015، بحسب عبد العليم محمد في كتابه «تسوية الصراع العربي الإسرائيلي: دور مصر الإقليمي».

الآن: في القدس، وبجانب هرتزل ونتنياهو

ظل التوجه العام للسياسة الخارجية لمصر في عهد السيسي، مُشابهًا بشكل ملحوظ لما كان أيام حكم مبارك، بما في ذلك الشراكة الإستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة والتعاون مع المملكة العربية السعودية والدول الخليجية الأخرى، نظرًا لأن المجلس العسكري بوجه عام، وجهاز المخابرات بوجه خاص، استمرا في التحكم بسياسة مصر الخارجية وكذلك أمنها القومي.

في شهر يونيو من العام الماضي، زار وزير الخارجية المصري سامح شكري إسرائيل، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ عام 2007، التقى خلالها برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مقر رئاسة الوزراء، في القدس عوضًا عن تل أبيب، واحتل هذا اللقاء صدارة المشهد الإعلامي العربي، وذلك نظرًا لرمزية زيارة القدس، وتخطيها الثوابت الدبلوماسية التقليدية التي طالما تمسك بها الرؤساء المصريون منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وحتى أثناء فترة الرئيس الانتقالي عدلي منصور.

لعل وقوف شكري أثناء تلك الزيارة، إلى جانب رأس تمثال تيودور هرتزل مؤسس الدولة الصهيونية، كان بمثابة تصالح مع تاريخ نشأة إسرائيل، في تناقض مع الأسس التاريخية العربية يعبّر عن تغير واضح وجلىّ في نهج السياسة الخارجية المصرية تجاه القضية الفلسطينية بعد اقتصار العلاقات المصرية مع إسرائيل لعدة سنوات، على الجانبين الأمني والاستخباراتي فقط، والانتقال من كون مصر لاعبًا محوريًا ووسيطًا رئيسيًا في الصراع العربي الإسرائيلي إلي طور الحليف الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة.

اعلان
 
 
بيسان عدوان