Define your generation here. Generation What

لا أُحب الأشياء الجميلة، فلماذا أحب «هذا المساء»؟

لاحظت مؤخرًا أنني لا أُحب الأشياء الجميلة، أو بمعنى أصح الأشياء التي يُجمع الآخرون على جمالها.

إعلان لطيف به أغنية ظريفة من الطفولة ونغمات إلكترونية مرحة يصيبني بالغثيان. إعلان آخر تُحلّق فيه طائرة بدون طيّار بين عمارات القاهرة الكئيبة مع تعليق رخيم، في تصوير أسطوري للمدينة الأسمنتية لم نره من قبل، يُصيبني بالزهق والإحباط. فيلم حربي ملحمي طال انتظاره للمخرج الذي يجيد العبث بالزمن حيث تنفجر الانفجارات ويصارع الإنسان شروره، يجعلني أغالب النعاس.

ما مشكلتي بالضبط؟ هل تبلدت حواسي؟ أم أن قراءتي السياسية لسياقات صنع العمل تمنعني من الاستمتاع بالجمال؟ أبذل مجهودًا كبيرًا لأتناسى أن هذا الإعلان«مُقتبس»، أو أن هذه الصورة مُستعارة، أو أن المخرج الأسطوري يُحب رأس المال سرًا وعلانية ويؤمن ببطولات القادة الأشداء. أحاول ابتلاع جمال الحبكة أو جودة الخدع السينمائية أو لطافة الموسيقى ولكني أفشل، و أفشل أيضًا في شرح مشاعري تجاه هذه الأعمال، دون أن يُقرأ ما أقوله باعتباره حقدًا أو كراهية عمياء أو على الأقل جهلًا وتظاهرًا أجوف بالمعرفة.

أستسلم للأمر؛ أنا مكتئب إذن، ولهذا لا أُجيد الاستمتاع بما يستمتع به الآخرون. ربما تنتهي هذه الحالة قريبًا وأعود مجددًا للاستمتاع بالأشياء البسيطة، وربما ماتت أحاسيسي هكذا للأبد. وفجأة يقع في طريقي عمل يستحوذ على اهتمامي ويثير مشاعري بقوة، ويتصادف أنه عمل له نفس التأثير على قطاعات عريضة من الجماهير أيضًا. إنه مسلسل «هذا المساء».

لأول مرة منذ سنوات عديدة، أتابع ثلاثين حلقة من مسلسل تليفزيوني مصري، وأستمتع. فماذا حدث هنا؟

درست أسباب استمتاعي بهذا العمل لأحاول الإجابة عن السؤال المحير «ما الذي أراه ‘جميلًا‘ ولماذا»، وهذا من خلال العناصر الأساسية التي لفتت انتباهي في مسلسل «هذا المساء» منذ الحلقة الأولى، والتي كانت كالتالي:

ماذا ترى؟

طريقة تصوير المسلسل تخلو من أي محاولة للاستعراض أو فرد العضلات، فاختيار تكوين الكادر أو الإضاءة، موضع الكاميرا وحركتها أو لحظة القطع بين زاوية وزاوية لا تبدو مخلصة إلا لتوصيل «المعلومة» الموجودة بالمشهد بأصدق وأوضح طريقة ممكنة. رغم أن وصف هذه التقنية بهذه الطريقة يجعلها تبدو مملة للغاية وخالية من الخيال، فإن النتيجة تأتي شاعرية للغاية وغنية بالدلالة في كثير من لحظات المسلسل، فكيف يمكن أن يشعر المشاهد أن إخراج عمل ما جيد إلى هذا الحد دون اهتمام المخرج بلفت النظر لما يفعله؟ الإجابة هي في العنصر التالي.

ماذا يحدث؟

يبدو إحساس المخرج بأهمية الحدث نابعًا من – سبحان الله – أهمية الحدث! فالمسلسل الذي اشترك في كتابته المخرج تامر محسن مع السيناريست محمد فريد وورشة من الكُتّاب يحكي مجموعة من القصص التي تقع لمجموعة من الشخصيات المصرية شديدة الواقعية، والتي تربط بينها وبين بعضها قصة تحاول استكشاف سلوك إنساني شديد الخصوصية وهو «التلصص».

تمكن قراءة المسلسل على مستوى سطحي للغاية كعمل درامي شيق عن الأسرار التي تقع في الأيدي الخاطئة، وتمكن أيضًا قراءته كعمل عن شهوة التلصص التي نمارسها جميعًا بأشكال مختلفة طوال الوقت. نريد دومًا أن نعرف المزيد عن هؤلاء الذين يثيرون اهتمامنا، وتساعدنا التكنولوچيا اليوم على فعل ذلك بطرق لم نعهدها من قبل. وفي هذا السياق تُعتبر حالة مشاهدة المسلسل نفسه في حد ذاتها استجابة لهذه الشهوة، فشخوص العمل – للواقعية الشديدة المستخدمة في تصميمهم – يتحولون إلى شخصيات شبه حقيقية في مخيلتنا، ونستمتع بشكل أو بآخر بمشاهدة الجوانب السرية من حياتهم وأسرارهم التي لا يعرفها أحد سواهم، وسوانا.

وفي استخدام مبنى السينما المهجور بالحارة التي تسكنها شخصيات المسلسل، كمخبأ تُمارس فيه عملية التلصص بشكل ممنهج، تلوح أيضًا رمزية ما للـ«فرجة» كفعل إنساني مشين ومرغوب في نفس الوقت، وهو ما يعطي للمسلسل رأيًا مركبًا بخصوص نفسه، كتجربة تستجيب لرغبة ما لدى الإنسان في مشاهدة آلام الآخرين.

 

قراءة أخرى للمسلسل ترى فيه اهتمامًا واضحًا بإشكاليات معقدة جدًا مثل «الجنس» و«الشرف» ومعنى الذكورة والأنوثة وكل ما يحيط بالعقل المصري من مؤثرات ملتبسة عندما يفكر الرجال في النساء والنساء في الرجال. يتطرق المسلسل لهذه الإشكاليات بهدوء وبساطة بطريقة نجحت في تحريره من الوقوع في فخ الخطابية أو تصنيفه كـ«مسلسل ذي أچندة سياسية أو حقوقية». كما تبدو لدى المسلسل أيضًا رؤية واقعية جدًا للدولة ودورها في الفصل بين ما يطرأ بين الناس من صراعات، وهي رؤية تجعله يبدو عملًا يدرك صناعه بشكل ناضج أي بلد يعيشون فيه.

قصة بهذا التعقيد والكثافة تبدو خلاصة رغبة حقيقية من صناع العمل في التواصل مع الجمهور بصدق، بشأن أمور تشغل العقل حقًا، أمور تشبه تلك التي نتحدث بشأنها في جلساتنا ومقابلاتنا، أمور تتأثر حياتنا بها فعلًا وبالتالي سننخرط في مشاهدتها باهتمام وبإحساس حقيقي بالاشتراك في التجربة، وليست قصة لا تستجيب إلا لمجموعة من الخيالات المسطحة التي قد يميل المشاهد للانغماس فيها هروبًا من واقع ثقيل.

أظن أن اقتناع صانع العمل بأهمية ما يحدث على الشاشة وتصديقه له عامل مهم جدًا في اختياره للطريقة التي سيصور بها ما يحدث على الشاشة، وأرى بوضوح في الفن عمومًا علاقة طردية بين سطحية المحتوى وكمية التشويش البصري المستخدم في طريقة تصويره.

كيف يحدث ما يحدث؟

في بلد مثل مصر، تتمحور صناعة الدراما حول شهر رمضان، فهو الموسم السنوي لعرض المسلسلات وذروة عادات المشاهدة. هذا الوضع للأسف سجن صناع المسلسلات في ضرورة تقسيم أحداث المسلسل لثلاثين حلقة، وهو ماراثون مجهد للغاية على الصانع والمشاهد. إلا أن هذا الوضع كوّن نظامًا اقتصاديًا عملاقًا حول صناعة الدراما المصرية، فأصبحت صنعة الدراما «أكل عيش» بالنسبة لكثير من المهتمين بالفن، وعندما يُخلط الفن بأكل العيش عادة ما تكون النتائج مثيرة جدًا للاهتمام.

مؤخرًا بدأت الدراما التليفزيونية تتعملق بوضوح على حساب السينما، فالربح العائد من عرض المسلسلات في القنوات التليفزيونية، مطعّمة بالإعلانات التجارية، مضمون أكثر من مغامرة شباك التذاكر التي لا تؤتي أُكلها، إلا وفق حسابات معقدة جدًا مبنية بشكل رئيسي على شعبية النجوم. وبالتدريج أصبح المحتوى المقدم في المسلسلات يستعير بوضوح من محتوى السينما على مستوى القصص وطريقة التنفيذ أيضًا، فبعدما كانت السينما لسنوات طويلة هي المكان المحجوز للقصص الخيالية والأكشن والمغامرات الإنتاجية الضخمة بينما التليفزيون هو ساحة القصص الاجتماعية والإنسانية الأسرية البسيطة، قليلة التكاليف وسهلة الإنتاج.

سمير (أحمد داود) في مشهد من المسلسل

تغير هذا الوضع الآن وأصبح أمرًا معتادًا أن تضم قائمة المسلسلات الرمضانية كل عام عشرات المسلسلات الهيستيرية المحشوة بمشاهد الأكشن والمطاردات والانفجارات أو الملابس والديكورات المبالغ في الإنفاق عليها. وهو أمر لا إشكال فيه عمومًا، كونه استجابة لطلب واضح لنوع ما من الترفيه، لكن الإقبال الشره عليه من قبل المنتجين يقلّص كل عام فرص المسلسلات، المهتمة بمواضيع إنسانية، في لفت نظر المشاهدين لقصصها وسط كل هذه الضوضاء، ويجعل قرار تنفيذ مسلسل مثل «هذا المساء» أصعب وأصعب.

هنا يبدو قرار صناع «هذا المساء» جريئًا للغاية بمزاحمة هذا السوق الشرس بموضوع مثل موضوعه، والذي تعمد صناعه التعبير عنه دون أي مداعبة مبتذلة لمشاعر الجمهور، بإلافراط في مشاهد العنف أو التحفيز الحسي. وحتى مشاهد البذخ الذي تعيش فيه شخصيات المسلسل المنتمية للطبقة الاجتماعية الأكثر ثراءً، والتي تعتبر من المكونات المعتادة لمسلسلات رمضان في السنوات الأخيرة، جرى تصويرها بشكل واقعي للغاية أعتقد أنه كان ناجحًا جدًا.

هذه الجرأة في منافسة أعمال تلفت الانتباه لنفسها بضوضاء إنتاجية زاعقة هي جرأة تزيد من قيمة العمل ومن التقدير لصناعه، فبينما تتوفر لصناع الإعلانات والأفلام التجارية ميزانيات مفتوحة لتصوير أعمال «آمنة»، تشجع الناس على الانخراط في الأمر الواقع وترسخ رؤيتهم لكل شئ كما هو دون أي أفق جديد، يعمل صناع أعمال مثل «هذا المساء» تحت ظروف أصعب ليصنعوا عملًا صادقًا يقدم أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، ويشعر المشاهد بجماله أيضًا.

الشعور العام الذي وضعني فيه مسلسل «هذا المساء» هو شعور بالانخراط. بدت لدى المسلسل قصة مثيرة يريد سردها، على أرضية واضحة من الاحترام لعقلية المشاهد والاحترام لصناعة الفن وما تعنيه. واختيرت لسرد هذه القصة تقنيات صادقة تتجنب التزيين المبالغ فيه أو الفذلكة البصرية، وهو ما منح القصة إحساسًا بالثقة والثقل. ساعدني المسلسل على إدراك أن استيائي من الأعمال الـ«جميلة» سببه في الحقيقة أنها أعمال «غير جميلة».

الطفلة نور (ملك عاصم) في مشهد من المسلسل

يرسم «هذا المساء» صورة كلاسيكية جدًا للواقع، و«المساء» فيها هو محور تشبيه بليغ قديم. المساء هو الظلام، هو الخوف والخطر والظلم، ولكنه هو أيضًا، كما تصدح شريفة فاضل في خلفية إحدى مشاهد المسلسل، «موال العشاق». واقع «هذا المساء» واقع ناضج يحوي – كما يحوي كل الأبطال – شرًا وخيرًا يصعب التفريق بينهما، واقع متزن متقبل لمكوناته وتناقضها ولا يتسرع في الحكم على ما يحدث ويترك للمشاهد حرية الانطباع بما يتناسب مع تجربته الحياتية.

ساعدني «هذا المساء» أن أُفكر في أن «جمال التصميم» ليس بالضرورة كافيًا لصنع عمل جيد. ربما ترتاح العين البشرية للصورة ذات النسب المتزنة، أو أن بالتة لونية ما تُدخل المشاهد بسهولة في موود جميل، أو أن أغنية من ذكريات الماضي مُعاد توزيعها بآلات حديثة مرتبطة في ذهن جيل ما بالشباب والمرح و الرقص تطرب لها الأذن ويشعر المرء معها بالسعادة، لكن لو أن صناعة الفن هي نسب رياضية ولوغاريتمات من هذا النوع فحسب، فهذه مهارات يتفوق فيها الكمبيوتر على الإنسان بسهولة. خاصية الـ auto focus والـ auto colouring و الـ auto correct تزداد دقة كل يوم. الذكاء الإصطناعي يتعلّم الآن في صمت ماذا يُمتع الإنسان، ليصنع لوحات وأفلامًا وأغاني قد يجد الإنسان صعوبة في منافسة جودتها التصميمية في المستقبل. فلاتر الإنستجرام تصبغ أي صورة تلتقطها بموبايلك بالروح التي تختارها. يمكنك أن تجعل أي لحظة عادية من حياتك تبدو كبوستر فيلم أو كوڤر ألبوم، ولكن لماذا؟

لماذا نحن غير راضين عن حياتنا إلى هذا الحد، ولماذا ننجذب للأعمال التي توهمنا أن حياتنا مثيرة للاهتمام أكثر من الحقيقة؟ لماذا نحاول دائمًا الهروب من مساء حياتنا إلى نهار طفولي مشرق غير موجود؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي في رأيي أن نهدأ قليلًا ونقضي بعض الوقت في دراسة هذا المساء، بواقعه المؤلم الذي نعيش فيه، لنرى لماذا هو مساء، ومن جعله مساءً؟ وهل يمكن أن يكون نهارًا أم لا؟ هل هناك مشكلة في كونه مساءً أصلاً؟ وهل النتيجة الوحيدة لانحباسنا جميعًا في هذا المساءً سويًا هي حالة الذعر الدائمة التي نمارسها على بعضنا البعض تلك؟ أم أن هناك اختيارات أخرى؟

 

اعلان