Define your generation here. Generation What

نقاط حول المقاومة والعنف: فلسفة «الطعن» وأخلاقه

في الثاني من نوفمبر عام 2014 أصيب أربعة إسرائيليين بعمليات طعن متفرقة في مستوطنتي «ريشون لتسيون» و«نتانيا»، بالقرب من تل أبيب، نفّذها فلسطينيون، وذلك بعد ساعات من مقتل شاب فلسطيني وإصابة آخر، بعد ما أطلق جنود الاحتلال النار عليهما على حاجز أمني شمال جنين، بعد أن حاولا طعن أحد الجنود.

بدأت وقائع ذلك اليوم سلسلة من عمليات الطعن والدهس، وبشكل أقل من إطلاق النار في الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل. لكن، وكما قوبلت تلك العمليات باحتفاء بين الكثيرين في مصر، إلا أن أصواتًا، كانت خافتة في البداية، سرعان ما انطلقت وعبّر أصحابها عن رفضهم للعمليات في مجملها، وفي حالات أخرى عن إدانة للهجمات التي استهدفت مدنيين، وربما قبل البعض على مضض باستهداف المدنيين، لكن سقوط ضحايا من الأطفال وكبار السن كان أمرًا لا يمكن التغاضي عنه بالنسبة لهم.

الأمر وإن بدا متعلقًا بالقضية الفلسطينية، ووسائل مقاومتها، وهي شأن الفلسطينيين وحقهم، إلا أنه أيضًا يتعلق بأسئلة أكثر عمومية عن العنف وأخلاقياته، في علاقته بـ«حالة الاستثناء»

وصل الجدل مؤخرًا إلي درجة غير مسبوقة من الحدة، على خلفية أزمة المسجد الأقصى الأخيرة. ورغم وصول الخلاف لحد التشهير على شبكات التواصل الاجتماعي، والتحريض على الأذى البدني، وحتى الوعيد باللجوء للمحاكم، إلا أن هذا لا ينبغي أن يصرفنا عن النظر في الجدل ودفوع المنخرطين فيه. فالأمر وإن بدا متعلقًا بالقضية الفلسطينية، ووسائل مقاومتها، وهي شأن الفلسطينيين وحقهم، إلا أنه أيضًا يتعلق بأسئلة أكثر عمومية عن العنف وأخلاقياته، في علاقته بـ«حالة الاستثناء»، سواء كانت المقاومة أو الثورة والحرب، وغيرها، كما يتأسس على جدل أوسع لطالما شغل نظريات العلوم السياسية وفلسفة القانون والأخلاق، لا فيما يتعلق بالعنف السياسي فقط، بل وأيضًا فيما يخص منطق الاجتماع الإنساني، وجوهره.

كانت الثورة الفرنسية، ومعها ثورة هايتي، ولاحقًا الثورة الروسية، هى الوقائع التاريخية التي تأسست عليها نظريات العنف السياسي كما نفهمها اليوم، والتي ألهمت حركات التحرر في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، لكن التبعات شديدة الدموية لعهد الرعب في الجمهورية الفرنسية، ومذابح الثورة في هايتي، مع ملايين الضحايا في العهد الستاليني، كل هذا كان كفيلًا بفرض تنظيرات معارضة للعنف، تستلهم تجارب المقاومة السلمية، وعلى رأسها نضال التحرر الوطني في الهند.

ففي مقابل تنظيرات جورج سيرويل عن الطبيعة الخلّاقة للعنف، ودوره في إنقاذ الجماعة البشرية، وكتابات فرانتس فانون التي أطّرت العنف السياسي، بوصفه جوهر عملية التحرر ومحركها، حيث «الاستعمار هو العنف في وضعه الطبيعي، وينتهي فقط حين يُواجَه بعنف أعظم»، فإن تنظيرات نابذة للعنف، مثل كتابات الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت رأت في العنف نفيًا للسياسة، حيث قد ينجح العنف، وفق رأيها، في تحقيق أهدافه، لكن فقط على نحو اعتباطي، حيث لا يمكن التنبؤ بنتائجه، وإن كان التغير الأكيد القادر على تحقيقه هو إنتاج عالم أكثر عنفًا، تتراجع فيه القدرة على الفعل.

لكن سؤال العنف لا يتعلق بالضرورة بالفلسفة الغربية، ووقائع تاريخية من الماضي، فبعد سقوط سور برلين، وتداعي أنظمة الكتلة الشرقية واحدًا وراء الآخر، وإعلان المنظّر الأمريكي فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ، والانتصار النهائي للديقراطية الليبرالية، فإن خطاب التغيير السلمي هيمن على الساحة السياسية وتنظيراتها الفكرية عالميًا، وكان أحد أهم تجلياته هو «الثورات الملونة».

إن تجاوزنا سؤال اعتماد العنف أو نبذه كوسيلة للفعل السياسي، فإننا نجد النصيب الأكبر من الجدل يدور حول حدود العنف وأهدافه

كان لمنظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان والروابط الأهلية، أن تأخذ مكان الميلشيات المسلحة، في مقاومة المحتل أو الأنظمة الاستبدادية، وأن تصبح ساحات المحاكم، والمؤتمرات الحقوقية، وميادين الاحتجاج السلمية هي ساحة المعارك، لا الأحراش أو قرى الجبال كما في الماضي. لكن وإن كانت ثورات «الربيع العربي»، ابنة هذا الخطاب، إلا أن مآلاتها، كما يرصد جلبير الأشقر في كتابه «انتكاسة الثورات العربية»، كانت أيضًا أحد تجليات هشاشة هذا الخطاب، ومحدودية فاعليته.

هكذا فكما كان عنف الجماهير في جمعة الغضب، ثم التصدي للعنف في «معركة الجمل»، النقطتين الأكثر حسمًا في إنجاح الثورة المصرية في تحقيق هدفها المرحلي بإزاحة مبارك، فالعنف أيضًا كان معضلة الثورة، فمنذ اللحظات الأولى كانت هتافات «سلمية»  تتصاعد، سواء بدوافع تكتيكية لتحاشي عنف الأمن، ولاجتذاب تعاطف محلي ودولي أيضًا، أو لأسباب مبدئية تلتزم بخطاب التغيير السلمي وثوراته الملونة.

لكن وإن تجاوزنا سؤال اعتماد العنف أو نبذه كوسيلة للفعل السياسي، فإننا نجد النصيب الأكبر من الجدل يدور حول حدود العنف وأهدافه. فمع التسليم بحق المقاومة في استخدام العنف، بل وضرورته أيضًا في وجه فظائع الاحتلال، فإن الاعتراضات تتباين بين عدم مشروعية استهداف المدنيين، أو لا أخلاقية استهداف الأطفال وكبار السن، مصحوبة بأسئلة عن تعريف «المدني»، وإن كان هذا التعريف ينسحب على المستوطنين أم لا.

المقاومة بحكم الضرورة، مثلها مثل الثورة، هي فعل استثنائي وخروج على القانون القائم

يقود الانجرار لمناقشات تقنية حول نصوص القانون الدولي ومعاهداته المنظِّمة للصراعات المسلحة، إلى تغييب المعضلات الأكثر جوهرية. فالمقاومة بحكم الضرورة، مثلها مثل الثورة، هي فعل استثنائي وخروج على القانون القائم. وإشكالية تقنين الاستثناء ليست بالأمر الجديد، بل لطالما كانت المعضلة الأساسية لفلسفة القانون. يدفع  فيلسوف القانون الإيطالي جورجيو آجامبين، في كتابه «حالة الاستثناء – الإنسان الحرام»، بتلك المعضلة إلي حدها الأقصى، مجادلًا بأن حالة الاستثناء، أي تعطيل القانون في حالات الطوارئ وفرض الأحكام العرفية المتضمَّنة في قوانين الدول الحديثة، أصبحت هي القاعدة. فاحتواء القانون على نصوص تسمح بتعطيله ونفيه، يبدو كمعضلة عصيّة على الحل، لا تنتهي فقط بتعميم حالة الاستثناء وتحويلها لحالة دائمة، بل وأيضًا إلى تحطيم منطق «القانونية» نفسه.

وفيما يبدو تحليل آجامبين معنيًا بفهم علاقة القانون بالسلطة، فإن أطروحته عن «حالة الاستثناء» تثير معضلات تتعلق بالثورة والمقاومة كحالات للاستثناء، وبإشكالية تقنينهما. فكيف للمقاومة، التي هي بالضرورة حالة للاستثناء، وخروج عن القانون، أن تكون موضوعًا للقانون، ونطاقًا لإلزاميته؟ وخاصة حين تمارَس ضد احتلال، يرى القانون الدولي أن استمراره وممارسته خروج على القانون وخرق لمعاهداته وتحد للإرادة الأممية؟ ألا ينتهي هذا بحالة الاستثناء، أي الاحتلال، إلى وضع الحالة الدائمة، وتداعي منطق القانونية بمجمله مرة أخرى؟

ولو تخلّينا، بدافع الجدل، عن مسألة القانونية في علاقتها بالمقاومة، فما سيبقى أمامنا هو سؤال أخلاقياتها، والذي لا يتعلق بالضرورة بالأخلاق بمعناها المثالي، أي بنسبتها إلى نص ديني، أو بمحددات طبيعة إنسانية أصلية تتعلق بالفرد أو الجماعة البشرية. فهيجل الذي يمكن الادعاء بأن فلسفته عن الأخلاق، كان لها تأثير عميق على الفلسفة الحديثة بكافة مدراسها إلى اليوم، يستعين بلفظة ألمانية لوصف الأخلاق، لا يوحي معناها بالوجوب، أي بـ«الواجب» و«غير الواجب»، بل بمفهوم العادة والتقليد أو المتفق عليه.

لا يعني هذا أن ممارسات المقاومة «فوق أخلاقية»، أو أن المنخرطين فيها غير قادرين على الفعل الأخلاقي وعكسه، بل أن الحكم الأخلاقي عليها، من خارجها، يواجه معضلة تشبه معضلة تقنين الاستثناء القانوني

لا يعتمد هيجل مفهومًا للأخلاق يقوم على فكرة التعاقد الاجتماعي الذي تحتّمه الضرورة والجزع من حالة التوحش البدائية، أو الاتفاق الطوعي أو الإلزام القسري على حد حرية الفرد لصالح المصلحة العامة، بل بتأطير الأخلاق كعلاقة اجتماعية وعلائقية بين أضداد تحكم صراعاتهم. إلا أنه في الوضع القائم للفلسطينيين، والذي حرمهم جميعًا من الاعتراف بدولة لهم، أو بمجتمع طبيعي، أو حتى بوضع قانوني غير استثنائي لهم كأفراد، وفي ظل ممارسات شديدة القسوة والبربرية، وعلاقة إخضاع تدور في اتجاه واحد، تبدو محدّدات «الأخلاقية» بمفهوهما الهيجلي، والتي تفترض حدًا أدني من الندية المبدئية بين أطرافها، غير متوفرة.

لا يعني هذا أن ممارسات المقاومة «فوق أخلاقية»، أو أن المنخرطين فيها غير قادرين على الفعل الأخلاقي وعكسه، بل أن الحكم الأخلاقي عليها، من خارجها، يواجه معضلة تشبه معضلة تقنين الاستثناء القانوني، فكيف لنا الحكم أخلاقيًا على ما نُفي عمدًا خارج نطاق الأخلاق وإمكانها!؟

في النهاية، لا أبتغي هنا تبرير العنف ولا إدانته بأي حال، ولا نفي قانونية أو أخلاقية حدود بعينها للمقاومة أو أهدافها، وكذلك ولا التأكيد عليها، بقدر ما هي محاولة لطرح معضلات تتعلق بالعنف والمقاومة، وأسئلة حولهما.

ومع هذا، وحتى ولو قبلنا جدلًا باستحالة إخضاع المقاومة للقانون والأحكام الأخلاقية، ولو افترضنا أن جوهر ما نراه اليوم من عمليات هو محاولة لنزع القشرة الأخلاقية عما هو لا أخلاقي بالأساس، بهدف الاعتراف بالحق في الوجود، والرجوع إلي نطاق الأخلاقية، فما أظنه هو أن المنخرطين في المقاومة، وبحسب أي شكل يتخذونه لها، يظلون مسؤولين تجاه أنفسهم، لا تجاه الآخرين، عن عدم الاستسلام أمام توحش خصمهم، والانقلاب في النهاية على شاكلته.

اعلان