تنظيم بلا اسم: طريق مجموعة المبتدئين لاغتيال النائب العام
 
 

ينتظر محمود اﻷحمدي إشارة مجموعة الرصد. على بُعد شارعين يترقبون النائب العام السابق هشام بركات عند منزله بحي مصر الجديدة شماليّ القاهرة. يتحرك الموكب في ثلاث سيارات رباعية الدفع قبل العاشرة بقليل من صباح اﻹثنين الموافق 29 يونيو 2015. يتسلم محمود اﻹشارة. يُصيبه توتر لحظي. يُرسل رسالة نصية إلى أخيه اﻷكبر محمد: «ادعي لي، أنا في خطر وممكن مرجعش». يبدأ الموكب في الدوران يمينًا في شارع مصطفى حجازي. تعبر السيارة الأولى. يستعد زميله أبو القاسم اﻷزهري بكاميرته. يقبض محمود على ريموت السيارة المفخخة على بعد خمسين مترًا. حين تظهر السيارة الثانية التي يستقلها النائب العام، يضغط الزر. ينتهي كل شيء في ثوانٍ تلتقطها الكاميرا. يتحركان سريعًا حيث تنتظرهما سيارة يقودها مسؤول مجموعة الرصد. يعطي أبو القاسم كارت ذاكرة يحوي تصوير العملية لمحمود. ينفصلان، مع تعليمات بالاختفاء لفترة حتى تهدأ اﻷمور. يُرسل محمود رسالة أخرى إلى أخيه: «يبدو أن النائب العام يُحاسب عند ربّه».

****

ترسم أوراق قضية اغتيال النائب العام قطعًا صغيرة من صورة أكبر. المشهد السابق كان واحدًا منها. شمل ملف القضية الذي أحالته نيابة أمن الدولة إلى محكمة الجنايات آلاف الصفحات من التحريات والمعاينات و«الاعترافات». إلى جانب الأقوال المنسوبة للمتهمين أمام النيابة، تحدث «مدى مصر» إلى عدد من المصادر لإنتاج نسخة مقاربة من الصورة وسياقاتها. تحكي النسخة طريق مجموعة من صغار المبتدئين من شباب الإخوان المسلمين أنشأوا تنظيمًا بلا اسم، انبثق عن تيار العنف داخل الجماعة، ونجح خلال شهور معدودة في تخطيط وتنفيذ أخطر عمليات الاغتيال السياسي في مصر منذ ربع قرن.

السبت الماضي، 22 يوليو، أصدرت إحدى دوائر الإرهاب بمحكمة جنايات القاهرة حكمها في القضية. أدين جميع المتهمين الستة والستين، وحُكم على 28 منهم بالإعدام.

محمود اﻷحمدي مخاطبًا المستشار حسن فريد خلال إحدى جلسات المحاكمة

حين يواجهه القاضي باعترافاته، يتحداه بتعرضه للتعذيب الشديد ليُدلي بها. «اديني -قدام الناس كلها وقدام الكاميرات- صاعق وقعدني مع أي واحد تختاره ساعة كهربا، هخليه يقول لك أنا اللي قتلت السادات».

محمود هو المتهم الرئيسي قيد الحبس في القضية. يتحدث في ثقة، في تسجيل مصور له خلال إحدى جلسات المحاكمة التي بدأت في يونيو 2016. طويل القامة بعض الشيء. يلتفت بحدة ناحية من يقطع حديثه، ويوزع نظرات من نفد صبره. ينظر إلى سقف القاعة بينما يتكلم القاضي حسن فريد. يقابل ردًا برد. حين يواجهه القاضي باعترافاته، يتحداه بتعرضه للتعذيب الشديد ليُدلي بها. «اديني -قدام الناس كلها وقدام الكاميرات- صاعق وقعدني مع أي واحد تختاره ساعة كهربا، هخليه يقول لك أنا اللي قتلت السادات».

ولد عام 1994 في قرية كفر السواقي التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية. يكبره شقيقان وشقيقة واحدة. يدرس اللغتين العبرية والتركية بكلية اللغات والترجمة بجامعة اﻷزهر. التحق بجماعة اﻹخوان المسلمين في سن مبكرة، على خطى شقيقه محمد، الذي سبقه إلى الجماعة، ثم حصل معه هذا الأسبوع على حكم بالإعدام في القضية نفسها.

اندمج محمود في أنشطة الإخوان مع عامه الجامعي اﻷول. كان العام الدراسي 2012-2013. مع نهايته، أُطيح بحكم الرئيس السابق والقيادي بالجماعة محمد مرسي في 3 يوليو. اعتصم في ميدان رابعة. تلقى رصاصة في ظهره خلال عملية الفض، وتلقى أخوه محمد اثنتين.

شارك محمود في تظاهرات طلاب اﻹخوان بجامعة اﻷزهر في العام الدراسي التالي لفض الاعتصام. كانت جامعة اﻷزهر أكثر مسارح الصراع مع نظام ما بعد 3 يوليو سخونة. تعددت المواجهات بين الطلاب وقوات الشرطة داخل الحرم الجامعي وفي محيطه. كوَّن طلاب الإخوان «لجان اﻹرباك»، وهي مجموعات تختص بحماية المسيرات وتعطيل عمل الشرطة في تفريق المتظاهرين. استخدموا شماريخ، وعبوات مولوتوف، أو -في بعض اﻷحيان- بنادق خرطوش. لم يعرف أغلب المتظاهرين مصدرها أو القائمين عليها. تظهر فجأة وسط المظاهرات بعد بدء المواجهات مع الشرطة، وتختفي فجأة. أحد المتهمين في قضية اغتيال النائب العام يحكي خلال التحقيقات عن مسيرة يتذكرها في أوائل عام 2014 داخل الجامعة: «اتفاجئنا داخل المظاهرة بصوت ضرب نار». عرف بعدها أن اثنين من مجندي اﻷمن المركزي قُتلا ذلك اليوم.

لكن الملل أصاب الشباب، وأصبحت المسيرات تضييعًا للوقت بالنسبة للكثيرين. يطمح بعضهم لشيء أكثر تأثيرًا. تحولت لجان اﻹرباك من الدفاع إلى الهجوم، الذي لم يعنِ وقتها أكثر من قطع الطرق وحرق محطات الكهرباء وعربات الشرطة.

بدأت المجموعات الصغيرة في التشكُل. عمل بعضها بمبادرات فردية، والبعض اﻵخر بعلاقات تنظيمية شخصية. ضمت طلابًا وشبابًا من جماعة اﻹخوان بشكل أساسي، وحفنة من المتعاطفين القريبين.

محمود كان أحد طلاب الجماعة الذين انخرطوا في هذا النشاط «المقاوم» منذ بدايته. عاد إلى قريته في صيف 2014 بعد انتهاء العام الدراسي. طلب منه صديقٌ الانضمام إلى مجموعة إرباك بمركز أبو كبير، ثم تشكيل أخرى «الغرض منها إنهاك الشرطة» حسب أقواله.

محمود اﻷحمدي – رسم سلام يسري

خلال تلك الفترة كانت جماعة الإخوان تشهد صراعًا داخليًا حادًا بين أنصار الاستمرار على النهج السلمي من قيادات الجماعة التقليديين من ناحية، وأنصار التحول الاستراتيجي إلى استخدام العنف ضد النظام، وأغلبهم من شباب الجماعة. مع خريف 2014 أخذ أنصار العنف داخل الجماعة الأمور خطوة أبعد: أصبح كل شيء متاحًا «دون اﻷرواح»، بحسب وصف أحد المتهمين لطبيعة تلك الفترة خلال التحقيقات، بما في ذلك العبوات الناسفة والقنابل البدائية التي لا يخلف تفجيرها قتلى. وأصبحت عناوين مثل «اللجان النوعية» و«العمل النوعي» أوصافًا لكل مجموعات العنف المماثلة وعملياتها.

****

في البداية لم يعرف محمود على وجه التحديد تفاصيل المجموعة التي كان ينتمي إليها أو مسؤولها أو هيكلها. كان فقط يدرك بشكل عام ومبهم أنه ينتمي إلى الجبهة التي تدافع عن انتهاج الإخوان «المنهج الثوري» في «مقاومة الانقلاب»، أي العنف.

احتاج أفراد تلك الجبهة إلى حد أدنى من تدريب الكوادر. بحسب اعترافات عدد من المتهمين، كانت غزة موقع عدد مختلف من هذه التدريبات. يحكي محمود تفاصيل رحلته إلى غزة خلال التحقيقات. في سبتمبر 2014، تواصل معه أحد زملائه ليدعوه للحصول على دورة تدريبية على العمل النوعي. أخبره أن اﻷمر سيتطلب غيابه عن منزله فترة طويلة، ووافق محمود.

أوصله صديقه بعد يومين بآخر كلّفه بالتوجه لمدينة العريش. هاتفه أحد اﻷشخاص عبر رقم محمول غير مصري، ثم قابله. توجها معًا إلى الحدود مع قطاع غزة. تبدل مرافقه بآخرين. ساروا في بعض الدروب الصحراوية -وليس اﻷنفاق- وعبروا بعض اﻷسوار. في النهاية، وجد نفسه هناك.

لم يرَ وجوهًا ﻷيٍ ممن تعامل معهم. كلهم ملثمون طوال الوقت. ينتمون لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، طبقًا لأقواله أمام النيابة. لم يعرف سوى أنهم أبو الوليد، وأبو إبراهيم، وأبو عمر، وآباء آخرين. فقط سمع محمود بصدفة ما أن أبو عمر يعمل ضابطًا بجهاز مخابرات حماس.

لا يستبعد مصدر داخل الجماعة، على اطلاع وثيق بملف العلاقات بين مصر وحماس، أن يكون عدد من شباب الجماعة قد تدربوا في القطاع بمساعدة بعض مجموعات كتائب القسام. توترت علاقة مصر مع غزة بشكل كبير بعد عزل مرسي؛ لكن اﻷمر المؤكد بالنسبة له أن هذه المساعدة -في حالة حدوثها- قد تمت بمبادرات فردية أو ميدانية دون موافقة مركزية من حماس أو تنسيق رفيع المستوى مع قيادات الإخوان.

استغرق اﻷمر عدة سنوات لاستعادة التفاهم بين مصر وغزة. أعلنت وزارة الداخلية المصرية في مارس 2016 عن تورط عناصر من حماس في تدريب العناصر الإخوانية التي قامت باغتيال النائب العام. نفت الحركة تورطها، وقالت إن الاتهامات «لا تنسجم مع الجهود المبذولة لتطوير العلاقات بين حماس والقاهرة». بعد أيام من الاتهام الرسمي زار القاهرة وفد من حماس للمرة الأولى بعد انقطاع طويل.

يقول المصدر إن الوفد «صُعق» بعدما أطلعه الجانب المصري على تفاصيل التحقيقات في القضية والأدلة على تورط عناصر من القسام. وطلب الجانب المصري خلال المفاوضات -المستمرة حتى اﻵن- تسليم بعض المتهمين بالتورط في أحداث عنف، ضمن مطالب أخرى.

تغيرت محظورات العنف مرة أخرى بالنسبة لهذه المجموعة. استخدم أحد المتهمين تعبير «العمليات النوعية المتقدمة» في وصف نشاط المجموعة الجديدة، وتعني له «استهداف شخصيات معينة في الشرطة والقضاء».

يضيف المصدر أن التفاهمات اﻷخيرة بين الطرفين تؤكد لديه اقتناع الجانب المصري بأن مساعدات غزة في العنف المصري لم تكن بقرار من الحركة. لهذا خفتت مسألة تسليم المطلوبين مع الوقت مقابل ملف أمني أكثر إلحاحًا هو ضبط حدود سيناء. ولم توجه النيابة اتهامات ﻷي فلسطيني في هذه القضية.

خلال شهر ونصف، تعلّم محمود هندسة وتصنيع المتفجرات واستخدام السلاح في منطقة بيت حانون شمال شرقي القطاع، حسب أقواله. استعد للعودة بحلول نهاية أكتوبر 2014، لكن هجومًا في الشهر ذاته على كمين كرم القواديس الأمني بمدينة الشيخ زويد شماليّ سيناء -راح ضحيته 30 جنديًا من الجيش المصري- تسبب في تشديد الحالة اﻷمنية. اضطر للانتظار لشهر ونصف آخرين كي يتمكن من عبور الحدود عائدًا لمصر.

بعد عودته، اتصل به أحد المسؤولين التنظيميين وطلب منه ألا يتواصل مع رفاقه القدامى في لجان العمليات النوعية. أرسل له جهاز لابتوب جديد، وكلفه بنقل خبرات غزة لشباب بعض اللجان، عبر دورات تدريبية؛ اﻷولى كانت في الشرقية، بعدها في المنيا، والثالثة في مدينة 6 أكتوبر، طبقًا ﻷقواله. قابل في اﻷخيرة رفيقه «أبو القاسم». اسمه أبو القاسم يوسف لكنه يُعرف باسم «أبو القاسم اﻷزهري». شاب في أوائل العشرينيات، ولد في أسوان ويدرس في كلية الدعوة اﻹسلامية بجامعة اﻷزهر.

عرف محمود بعدها للمرة اﻷولى أنه ينتمي إلى مجموعة يتولى مسؤوليتها نفس القيادي الإخواني الذي تولى في السابق الإشراف على أنشطة الإخوان داخل جامعة الأزهر، والذي كان وقتها قد غادر البلاد. يقول إنه عرف أيضًا أن هذه المجموعة تأسست لتنفيذ «عمليات كبيرة في البلد مش زي العمليات بتاعة اللجان النوعية».

تغيرت محظورات العنف مرة أخرى بالنسبة لهذه المجموعة. استخدم أحد المتهمين تعبير «العمليات النوعية المتقدمة» في وصف نشاط المجموعة الجديدة، وتعني له «استهداف شخصيات معينة في الشرطة والقضاء». لم يعد العنف بالنسبة لهم يتوقف عند ما هو «دون الأرواح». يستدرك الشرط: أن تكون هذه الشخصيات «ارتكبت أفعالًا تستوجب القصاص منها». النائب العام السابق هشام بركات كان ضمن هؤلاء.

****

جاء قرار استهداف النائب العام في حدود شهر مارس 2015. قامت مجموعة الرصد بتتبع مسارات حركة موكبه بين منزله في حي مصر الجديدة وعمله بوسط البلد. بحسب أقوال عدد من المتهمين، استغرقت عملية الرصد شهرين كاملين.

في مايو، تسلم محمود موادًا كيماوية وفرتها مجموعة الدعم اللوجستي -يقودها أبو القاسم- في شقة سكنية بمدينة 6 أكتوبر. لم يكن أي منهم يعلم الهدف بعد. استشعر محمود خطر الانكشاف، فطلب نقل المواد إلى مكان بعيد. مخزن في مركز ههيا بمحافظة الشرقية استأجره متهم آخر في القضية (حُكم عليه أيضًا بالإعدام). صُنعت المواد في مزرعة بإحدى القرى هناك، بحسب أقوال ثلاثتهم.

بعدها تواصل محمود مع مسؤول التنظيم بشكل مباشر للمرة اﻷولى. كل المحادثات تتم عبر تطبيق لاين LINE ﻷنه يسمح بتشفير الرسائل ومسح المحادثات بشكل آلي. أخبره المسؤول المقيم خارج البلاد أنهم يستعدون لاستهداف شخصية كبيرة لم يحددها. وكلفه بإلقاء نظرة على موقع العملية المقترح. لم يعرف محمود أن هشام بركات هو هدف العملية إلا قبل أسابيع قليلة من التنفيذ.

استمرا في التواصل، ولاحقًا انضم لهما في المحادثات الفلسطيني أبو عمر، الذي كان محمود قد سمع في غزة أنه ضابط بمخابرات حماس. اقترح أبو عمر عليه أحد المواد لاستخدامها في صنع القنبلة. واجه محمود مشكلة في تصنيع المادة المحرضة للتفجير. اقترح أبو عمر بديلًا آخر هو نترات اﻷمونيوم. تقدم أقوال محمود أمام النيابة رواية تفصيلية مطولة ومعلومات دقيقة حول كيفية إتمامه تصنيع العبوة. تأخذه شهوة الحكاية فيستعرض «خبرته»: يتحدث عن مادة اسمها بروكسيد اﻷسيتون ويُلقي بملاحظة عابرة أن «اسمها عند الناس اللي بتصنع متفجرات (أم العبد)».

يتذكر محمود خلال التحقيقات تعرّض يده للكسر في الشهر ذاته، واحتفاظه بالجبيرة في يده حتى بعد إتمام العملية.

أنهى تجهيز المواد بمعاونة أحد رفاقه. نقلوها في حقائب سفر بواسطة القطار إلى القاهرة. طلب محمود من «أبو القاسم» استقباله في محطة قطار رمسيس لمساعدته في نقل المواد إلى شقة في مدينة الشيخ زايد.

إحدى العقبات كانت طريقة إتمام التفجير عن بُعد. كلف المسؤول شخصًا يًدعى أحمد محروس بهذه المهمة. ليس خبيرًا في تجهيز دوائر العبوات الناسفة، لكن دراسته الهندسية واهتمامه الشخصي كانا كافيين للاعتماد عليه.

يقول محروس خلال التحقيقات معه إنه صمم دائرة توصيل كهربية تعمل عبر جهاز إنذار سيارة. قابل شخصًا لا يعرفه -يده مكسورة- وأعطاها له.

يحكي أبو القاسم في أقواله إن مسؤول التنظيم كلّفه في منتصف يونيو بشراء سيارة «شكلها نضيف». توجه إلى مكتب بريد وأقنع موظفًا أن بطاقة تحقيق شخصية مفقودة هناك تخص إحدى قريباته. اشترى سيارة اسبيرانزا موديل 2007 من سوق السيارات بمدينة القاهرة، واستخدم البطاقة المفقودة لتحرير العقد. سأله بائع السيارة عن اسمه فأخبره أنه يدعى إسلام.

مسؤول الرصد في مكمنه ﻹعطاء اﻹشارة. ركنوا السيارة على ناصية شارع سلمان الفارسي في تقاطعه مع شارع مصطفى مختار. كل شيء جاهز، لكن موكب النائب اختار مسارًا بديلًا. تعطل التنفيذ، وتركوا السيارة المفخخة في مكانها.

عرف أبو القاسم يوم 24 يونيو أن الهدف سيكون النائب العام. في اليوم التالي، اصطحبه محمود لتجربة ريموت الدائرة الكهربية ومعرفة مداه، بحسب أقوالهما. في 26 يونيو، طلب مسؤول التنظيم من «أبو القاسم» مغادرة الشقة ﻷن شخصًا -لا يريد كشف هويته- سينضم لمحمود، طبقًا لما يحكيه أبو القاسم خلال التحقيقات.

في هذا اليوم، يقول محمود إنه انتهى من تجهيز العبوة بصحبة أحد رفاقه. أخبرهم يحيى يوم 27 يونيو أن ساعة الصفر هي صباح اليوم التالي، اﻷحد 28 يونيو. ونقلوا العبوة إلى السيارة.

تقابل أبو القاسم ومحمود صباح اﻷحد أمام نادي السكة الحديد في طريق النصر. التقطتهما سيارة يقودها رجل في اﻷربعينات من عمره. يقول محمود وأبو القاسم إن السائق لم يكن يعرف ما هم بصدده.

السائق المقصود اسمه ياسر عرفات، تعرف عليه محمود اﻷحمدي في عرض صور أمام النيابة (لم يتمكن أبو القاسم من تأكيد أنه نفس الشخص الذي أقلهم). ضابط سابق بالقوات المسلحة أُحيل للمعاش المبكر في يناير 2014 بناءً على طلبه. يتعاطف مع جماعة اﻹخوان لكنه لا ينتمي لها.

قال ياسر في التحقيقات إن صديقًا له طلب منه خدمة شخصية: في طريق ذهابه إلى مكتبه في حي مصر الجديدة، سيلتقط شابين ﻹنهاء عمل يخصهما هناك قبل مغادرتهما القاهرة. يتذكر ياسر في أقواله جبيرة كانت تحيط ذراع الشاب الذي جلس بجواره. لم يعرف اسميهما لكنه تعرف على محمود و«أبو القاسم» خلال عرض الصور أمام النيابة. في الطريق، سألهما عن وجهتهما فأخبره ذو الجبيرة عن استهدافهما النائب العام. أصابه الرعب -بحسب أقواله- لكن غلبه الفضول. انتظر في أحد الشوارع بعدما غادراه.

مسؤول الرصد في مكمنه ﻹعطاء اﻹشارة. ركنوا السيارة على ناصية شارع سلمان الفارسي في تقاطعه مع شارع مصطفى مختار. كل شيء جاهز، لكن موكب النائب اختار مسارًا بديلًا. تعطل التنفيذ، وتركوا السيارة المفخخة في مكانها.

عاد محمود وأبو القاسم إلى سيارة ياسر، وابتعد بهما، بحسب حكاية ثلاثتهم. غادرا إلى الجيزة: محمود إلى منزل شقيقه محمد في بشتيل، وأبو القاسم إلى بيت عمه في المنصورية.

بعد عودته إلى منزله، طلب ياسر من صديقه -مسؤول التنظيم- ألا يورطه فيما يفعله مرة أخرى. جلس إلى ورقة وكتب فيها تفاصيل ما حدث خلال اليوم. «كنت بفكر جديًا بإبلاغ الشرطة»، يقول ياسر في التحقيقات، لكن خوفه من الانتقام منعه. في النهاية، أقنع نفسه: ليس معقولًا أن ينجح هؤلاء «العيال» في اغتيال النائب العام. كان تقديره خاطئًا. وكلفه ذلك حكمًا بالإعدام.

بحسب أقوال محمود و«أبو القاسم»، كلفهما مسؤول التنظيم بإعادة المحاولة في اليوم التالي، اﻹثنين 29 يونيو. قال لهما إن سائق أمس لن يصحبهما ﻷنه خائف. توجها صباح اليوم التالي مرة أخرى إلى موقع العملية. أنهى محمود تجهيز الوصلة اﻷخيرة في دائرة القنبلة. واستخدم موكب النائب العام هذا اليوم مسارهم. نجح «العيال» في محاولتهم.

خريطة توضح موقع تفجير موكب النائب العام – المصدر: مرافعة النيابة العامة في القضية أمام محكمة الجنايات

توجه محمود إلى منزل شقيقه الأكبر محمد. أطلعه على تسجيل العملية المصور. طلب أن ينام وكلف شقيقه بالتخلص من جهازي ريموت إنذار السيارة المستخدمة في العملية. تخلص محمد من أحدهما وقرر الاحتفاظ باﻵخر في ميدالية مفاتيحه على سبيل ذكرى لحظة انتصار.

كان نجاحًا فائقًا: استهدفت مجموعة المبتدئين أحد أهم قيادات الدولة داخل العاصمة. رُصد بكفاءة. وتحركت كمية كبيرة من المتفجرات بسهولة عبر عدة محافظات حتى وصلت إلى هدفها. لم يكن ممكنًا تنفيذ ما هو أكثر دقة: قُتل النائب العام وحده بلا قتلى آخرين.

بعد نجاحه في هذه العملية الكبيرة، يقول محمود إنه حاز على ثقة مسؤوله بشكل كبير، فأصبح يكلفه بعملية إنتاج وتجهيز عبوات متفاوتة القوة وتوفيرها ﻵخرين.

في نوفمبر 2015 صنع محمود عبوتين ناسفتين، جهز سيارة بإحديهما، ووضع اﻷخرى في صندوق على دراجة نارية. عملية ستقوم بها لجنة تابعة للتنظيم، لكنه لا يعرف وجهتهم. سيعرف بعدها أن السيارة والدراجة انفجرتا برفاقهم قبل الوصول لوجهتهم. كان هذا ما حكاه محمود في أقواله. ما لم يعرفه أن مسؤول تلك اللجنة ومنسق العملية- وإن لم يكن من بين ضحاياها- كان شقيقه محمد.

****

كان محمد نموذجًا يحتذى به في مجتمع قريته. طبيب. متمرس في علوم الشرع، ويعطي دروسًا دينية لزملائه. كان مثلًا أعلى انضم بسببه أحد المتهمين من نفس قريته للجماعة. يتذكر المتهم في أقواله إنه تمنى أن يصبح «زي الدكتور محمد اﻷحمدي، الناس كلها بتحبه وتشكر فيه».

لا يعرف المتهم عن نشاط محمد سوى أنه عضو في جماعة اﻹخوان. كان مسؤول أسرته داخل التنظيم. يعلمهم القرآن والسنة واﻷحاديث وسيرة الرسول. يعلمهم أيضًا صفات الفرد المسلم: «سليم العقيدة، نافع لغيره، منظم في شؤونه، قادر على الكسب، حريص على وقته، صحيح العبادة». الهدف النهائي لدعوة الجماعة هو إقامة الخلافة الإسلامية ليحرز المسلمون بعدها «أستاذية العالم».

محمد اﻷحمدي – رسم سلام يسري

ولد محمد عام 1984. ككل شباب الأطباء، يوزع عمله بين وحدة صحية حكومية بمنطقة الوراق في الجيزة، وبين مستشفى خاص في التجمع اﻷول.

أصيب خلال فض اعتصام رابعة برصاصات أقعدته في الفراش بضعة شهور. يقول أمام النيابة إنه شاهد طائرة هليكوبتر تطلق النار على المعتصمين بشكل عشوائي أثناء الفض.

يعرف أخبار «العمل النوعي» فقط من شقيقه الأصغر محمود وعدد من أصدقائه. يحكي في أقواله عن سفر أخيه إلى مدينة العريش في سبتمبر 2014. بعدها بيومين تواصل معه من غزة وأخبره بما يفعله هناك. بعد ثلاثة شهور، عاد محمود إليهم. «كان متحفظ معايا في الكلام ومكنش بيحكي لي على أي تفاصيل».

هدأ نشاط التنظيم بضعة أسابيع بعد نجاح عملية النائب العام. أصابهم النجاح الفائق بلعنة الطموح.

في فبراير 2015 تلقى محمد رسالة من زميل دراسة سابق يقيم خارج البلاد طلب منه الانضمام لمجموعة عمل نوعي في القاهرة حيث يعمل. أوصله بشخص «غريب جدًا» بحسب وصفه: «شعره طويل ولابس سلسلة كبيرة». استغرب تقديمه لشخص «بالشكل ده». كان زميل الدراسة السابق هذا هو نفسه مسؤول التنظيم الذي أشرف لاحقًا على تخطيط وتنفيذ عملية اغتيال النائب العام التي نفذها شقيق محمد الأصغر، محمود.

قابل محمد صديقًا قديمًا من الجماعة، وحكى له ما حدث معه. أوضح له صديقه أن السيناريو ذاته تكرر معه. أبلغا «الشخص الغريب» برغبتهما في العمل سويًا في مجموعة القاهرة. لكن التكليف صدر لهما بالانفصال. يبقى صديقه لتأسيس مجموعة في منطقة مدينة نصر. ويعود محمد إلى محافظة الشرقية لتأسيس مجموعة أبو كبير هناك.

هدأ نشاط التنظيم بضعة أسابيع بعد نجاح عملية النائب العام. أصابهم النجاح الفائق بلعنة الطموح. رصدوا عددًا من اﻷهداف الكبيرة خلال الشهور التالية، من بينهم وزير الدفاع صدقي صبحي، والسفير اﻹسرائيلي في القاهرة (اسمه حاييم كورين، لكن أحدًا منهم لا يعرفه).

في هذه الشهور، اشتدت حملة الاعتقالات وسقط عدد كبير من أطراف التنظيم خصوصًا في الشرقية. يقول محمد اﻷحمدي أمام النيابة إن هذا دفعه للتفكير في تنفيذ عملية لتخفيف هذه الضغوط.

تواصل محمد مع مسؤول التنظيم المقيم خارج البلاد، وأخبره عما يفكر فيه. اقترح استهداف عربات اﻷمن المركزي التي تطارد المتظاهرين في مدينة أبو كبير. رصدوا حركتها وعرفوا أنها تعتاد الوقوف في أحد الميادين أيام الجمعة، موعد خروج المسيرات اﻷسبوعي.

الخطة معتادة: وضع سيارة ودراجة بخارية مفخختين في الميدان، وتفجيرهما صباح الجمعة 6 نوفمبر 2015. أرسل محمد اثنين من أعضاء مجموعته لاستلام السيارة والدراجة البخارية والانطلاق لتنفيذ العملية. في الطريق، انفجرت عبوتا السيارة والدراجة البخارية وقتلتهما. في صباح اليوم التالي، قُبض على محمد من مقر وظيفته كطبيب في الوراق. تحفظت قوات الأمن على تليفونه ومحفظته، لكنهم تركوا ميدالية مفاتيحه والذكرى التي تحملها. كان هذا ما حكاه محمد في أقواله. ما لم يعرفه أن من صنع وأرسل العبوات التي انفجرت برفاقه كان شقيقه محمود.

الشقيقان محمد ومحمود اﻷحمدي

****

كان التنظيم الوليد على درجة من السرية والعنقودية تسمح بأن يشترك شقيقان في تنفيذ العملية نفسها دون أن يعرفا أو يلتقي أحدهما بالآخر. الفضل في ذلك يرجع لمسؤول التنظيم: يحيى موسى.

يبلغ يحيى من العمر 33 عامًا، ولد بدوره في محافظة الشرقية. عمل مدرسًا بكلية الطب جامعة اﻷزهر، كما عمل متحدثًا رسميًا باسم وزارة الصحة وقت حكم مرسي. لم يكن شخصية عامة من شخصيات الجماعة. عُرف فقط بمداخلة أجراها معه التلفزيون المصري بعد أحداث الحرس الجمهوري التي قُتل فيها 61 متظاهرًا في يوليو 2013 وقت اعتصام رابعة. وصف يحيى اعتداء قوات اﻷمن على المتظاهرين بـ «مجزرة متكاملة اﻷركان». بعدها أصدرت وزارة الصحة بيانًا نفت فيه تحدث يحيى باسمها، وأعلنت اعتزامها مقاضاته لانتحاله صفة المتحدث باسمها.

أُصيب يحيى مرة خلال أحداث الحرس الجمهوري وأخرى أثناء عملية فض اعتصام رابعة. حدث تحول كبير في شخصية يحيى وقناعاته بعد النهاية الدموية لاعتصام الجماعة في أغسطس 2013. بحسب التقديرات الرسمية، قُتل 624 مدنيًا أثناء الفض. كغيره، انغرست المذبحة وتوابعها بداخله واختلف كل ما تلاها. «قُتل إخواني وأصدقائي أمام عيني في الحرس والمنصة ورابعة ورمسيس والسادس من أكتوبر»، يقول يحيى لـ«مدى مصر» في مقابلة إلكترونية.

يشير إلى أنه -وكثيرين غيره- «أعادوا التفكير في طبيعة الصراع القائم وأدواته ومساراته وطريقة إدارته» بعد فشل الجماعة في مواجهتها اﻷولى مع الانقلاب العسكري بين يوليو 2013 و25 يناير 2014.

بحلول هذا الوقت، تحولت جماعة اﻹخوان تدريجيًا من الاعتصامات والمسيرات المحلية إلى ما أطلقوا عليه «الحراك الثوري»، لكن أبعاد هذا الحراك لم تكن واضحة ولهذا خضعت للأهواء والتفسيرات الفردية. شهدت جماعة اﻹخوان في نقاشها الداخلي ارتباكًا حول طبيعة «الحراك» وحدوده. تشكلت لجنة ﻹدارة الجماعة بعد انتهاء فترة مكتب اﻹرشاد في ديسمبر 2013. يشرح مصدر داخل جماعة الإخوان -على معرفة بالتفاصيل التنظيمية خلال السنوات السابقة ويعيش خارج مصر- أن حدًا أدنى من العنف كان محل قبول بين مختلف قيادات اللجنة: فقط عنف الدفاع عن النفس.

لكن انسداد اﻷفق السياسي واستمرار عنف الدولة ضد فاعليات الجماعة دفع لاستمرار إعادة طرح السؤال حول درجة العنف المقبولة. بدأت خلافاتٌ تدب بين قيادة لجنة اﻹدارة حول الحدود المقبولة للعنف بحلول منتصف عام 2014. خلال الشهور التالية، تسبب الخلاف في صدع انتهى بانشطار الجماعة إلى كيانين.

بدأ تيار العنف داخل لجنة إدارة الجماعة بقيادة محمد كمال -عضو مكتب اﻹرشاد- في تبني العنف بشكل مؤسسي بحلول سبتمبر 2014. يقول المصدر المطلع إن كمال ومؤيديه بدأوا في استمالة بعض المكاتب اﻹدارية للجماعة في المحافظات المختلفة لرؤيتهم. تركزت دائرة نفوذهم في محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا والجيزة واﻹسكندرية، مع درجات متفاوتة من التواصل والتأثير مع مكاتب أخرى. وبحلول 24 يناير 2015 -ليلة ذكرى الثورة الرابعة- أعلن تيار العنف داخل الجماعة تأسيس مجموعتين لتبني استراتيجية «المقاومة» الجديدة، هما لجنة العقاب الثوري، وجبهة المقاومة الشعبية.

«يحيى عقلية تنظيرية وتنظيمية كبيرة وكان شايف إن اﻹخوان هيضيعوهم» خلال هذا الصراع الداخلي من أجل السيطرة على الجماعة. دفعه هذا لتأسيس «تيار ثالث، خارج التنظيم وخارج حتى تيار كمال»، طبقًا للمصدر.

لكن يحيى موسى قرر الانفصال بمجموعة ثالثة، تتمايز تنظيميًا وحركيًا عن غيرها، طبقًا للمصدر. كان يرى أن الانخراط في «العمليات النوعية» بشكل مركزي في ظروف مماثلة سيكون استنزافًا لا جدوى منه، وربما وجد أنه سيسهل سقوط المسؤولين والمنفذين في يد الأمن المصري. شرح رؤيته لـ «مدى مصر»: «التوحد حول الأهداف، مع اللامركزية والتخصص في الإدارة والتنفيذ».

يوضح المصدر أن يحيى اعتمد بشكل أساسي على مجموعة طلاب جامعة اﻷزهر التي تولى مسؤوليتها التنظيمية في السابق. «عيال قلبها ميت»، بحسب وصفه. «يحيى عقلية تنظيرية وتنظيمية كبيرة وكان شايف إن اﻹخوان هيضيعوهم» خلال هذا الصراع الداخلي من أجل السيطرة على الجماعة. دفعه هذا لتأسيس «تيار ثالث، خارج التنظيم وخارج حتى تيار كمال»، طبقًا للمصدر.

العلاقة الملتبسة بين مجموعة يحيى موسى من ناحية وجبهة العنف داخل الجماعة بقيادة محمد كمال من ناحية أخرى لم تظهر بوضوح إلا في أعقاب نجاح عملية اغتيال النائب العام هشام بركات. في نفس يوم تنفيذ العملية وبعد أن وجهت أجهزة الدولة أصابع الاتهام لجماعة الإخوان أصدرت جبهة كمال -على لسان متحدثها الرسمي في ذلك الوقت محمد منتصر- بيانًا شددت فيه على «رفضها القتل» وقالت إن مسؤولية الحادث تقع على عاتق «السلطة الحاكمة لأنها أسست للعنف وحولت الساحة المصرية من تجربة ديمقراطية واعدة إلى ساحات قتل جماعي وعنف ودماء» واعتبرت أنه «لا سبيل لوقف الدماء إلا بكسر الانقلاب العسكري والتمكين للثورة».

ليس واضحًا ما إذا كان يحيى موسى قد خطط ونفذ عملية الاغتيال الأهم من وراء ظهر الجماعة بما في ذلك جبهة العنف بقيادة كمال، أم أن تلك الجبهة علمت بمسؤولية يحيى ومجموعته عن تنفيذ العملية ولكنها أرادت النأي بنفسها عنها.

بالنسبة لأفراد مجموعة يحيى، لا يبدو أنهم علموا على نحو صريح بأن مسؤولهم كان يدير تنظيمًا مستقلًا يعمل لحسابه.

بالنسبة لهم، هم جزء من تيار العنف داخل الجماعة بقيادة محمد كمال. حين تسأل النيابة محمد اﻷحمدي عن قيادة الجماعة، يشرح أن القيادات بعد الانقلاب العسكري كانت سرية. «لكن المعروف في الجماعة إن الدكتور محمد كمال هو المسؤول عن لجنة العمليات النوعية على مستوى الجمهورية»، يقول محمد.

يضيف أن تكليفات العمل النوعي كانت تأتي بطريقة تنظيمية معتادة في المرحلة اﻷولى بعد الانقلاب. يستدرك: «في الفترة اﻷخيرة مكنش واضح التكليفات بتيجي منين».

شقيقه محمود الأحمدي، بالمثل، لم يكتشف أنه عضو في مجموعة يتولى يحيى مسؤوليتها إلا بعد أن عاد من فترة تدريبه في غزة، حسب أقواله.

كان يحيى قد بدأ في الاتصال بالكوادر وتجميعها في صيف 2014. سيعمل بهم منفردًا، ويديرهم من تركيا، حيث استقر بعد مغادرة مصر قبلها ببضعة أشهر. التنسيق مع المجموعات المماثلة داخل تيار العنف في الجماعة متاح، لكنه لم يخاطر باندماج تنظيمي. يتذكر محمود في أقواله أمام النيابة أن يحيى أرسل له خبرًا عن عملية تفجير أتوبيس مجندين في محافظة البحيرة في أغسطس 2015 (أسفر عن مقتل مجندين اثنين وإصابة 34 آخرين). استُخدمت في العملية عبوة ناسفة صنعها محمود. كان يحيى حريصًا على توضيح الفارق التنظيمي: «يحيى موسى قال لي إن اللي نفذها مجموعة زينا بتشتغل نوعي لكن مش المجموعة بتاعتنا»، يقول محمود. بعد يومين، قرأ أن مجموعة العقاب الثوري أعلنت مسؤوليتها عنها.

****

تشير أقوال المتهمين إلى أن محاولات يحيى بدأت في التحول إلى تنظيم في غضون شهر فبراير 2015. تخصصت لجان العمل: هناك مجموعة تصنيع العبوات المتفجرة، ومجموعة الرصد وجمع المعلومات، وأخرى لتقييم الرصد، إضافة إلى مجموعة الدعم اللوجيستي. تعمل هذه المجموعات بشكل مركزي، وتشكل معًا لجنة المهام الخاصة، من بينها كان اغتيال النائب العام.

اعتبار السرية كان محوريًا بالنسبة ليحيى. بالغ في الحرص لدرجة عدم إعلانه تبني أي عملية قاموا بها. ربما لهذا لم يضطر -وقتها- لاختيار اسم يطلقه على التنظيم.

إلى جانبها، تشكلت لجان جغرافية فرعية، تتفاوت في حجمها وقدرتها على النشاط. مجموعات في الفيوم والمنيا وبني سويف إلى جانب مجموعتي الشرقية والقاهرة.

ولأن يحيى لم يكن قيادة بارزة في الإخوان قبل أن يغادر مصر، فقد اعتمد فيما يبدو على دائرة معارفه المباشرة: محمد الأحمدي طبيب بشري وزميل دراسة سابق. ضابط الجيش المتقاعد ياسر عرفات هو زوج بسمة رفعت الطبيبة البشرية وزميلته في العمل. محمود الأحمدي وأبو القاسم الأزهري وأحمد محروس (الذي أعد دائرة التفجير الكهربية) من طلاب جامعة الأزهر الذين تولى تنظيمهم في السابق. وهكذا.

يلاحظ المصدر المطلع أن اعتماد يحيى موسى على طلاب جامعة اﻷزهر سهل له التمدد في نطاقات جغرافية أوسع. يأتي الطلاب إلى القاهرة للدراسة لكنهم يعودون إلى المحافظات المختلفة التي جاءوا منها. معظمهم تضرر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من العنف الرهيب خلال فض الاعتصام.

تعطي الاعترافات لمحة عن الهيكل التنظيمي. تتمثل القيادة في يحيى موسى. يعمل تحته شخص اسمه الحركي «فوكس»، لم يقابله أحد، ولم يُعرف اسمه الحقيقي.

إلى جانبها، يتفرع من القيادة عشرة خطوط تتوزع على خمسة قطاعات جغرافية. يحتوي كل خط على ثلاث مجموعات، في كل منها خمسة أفراد. «نظام عنقودي»، بحسب وصف عدد من المتهمين. لكل مجموعة مسؤول يتواصل بشكل مركزي عبر يحيى نفسه. كل الرسائل مشفرة، ولا يعرفون بعضهم البعض. يتبادلون كلمات سر حين يتقابلون للمرة اﻷولى. وفي حالة القبض على أحدهم، يُنصح بتحمل التعذيب لمدة 48 ساعة حتى يتمكن رفاق مجموعته من الهروب.

هل كان قتله مشروعًا إذن؟ يقول: «إن لم يكن لمثل هذا القصاص مشروعية فليس هناك مشروعية لشيء على هذه الأرض». يتمنى -ويتوقع- أن «يلقى جميع المشاركين في القتل والدماء مصائر مشابهة».

اعتبار السرية كان محوريًا بالنسبة ليحيى. بالغ في الحرص لدرجة عدم إعلانه تبني أي عملية قاموا بها. ربما لهذا لم يضطر -وقتها- لاختيار اسم يطلقه على التنظيم.

في إحدى المرات، أثار هذا التكتم شقيق زوجة يحيى، أحد أفراد التنظيم. أبدى ليحيى استغرابه: «احنا ما لناش أي ظهور في الواقع العملي وما بنعملش أي عمليات بخلاف واقعة أبو كبير اللي فشلت». اضطر يحيى ﻹخباره أنهم نفذوا عدة عمليات من بينها اغتيال النائب العام. كان شقيق زوجته قد شارك فعليًا في تحضيرات العملية قبل بضعة أشهر، حين استأجر -وفق الرواية الواردة بأوراق القضية- مزرعة ناهيا التي صنع فيها محمود مواد العبوة الناسفة.

في مقابلته مع «مدى مصر»، ينفي يحيى موسى صلته باغتيال النائب العام. «كنت فى تركيا يوم مقتله، فلا يُتصور أن أشارك فيه». من قتله؟ «هذا الرجل كان عليه ثأر لأكثر من 2000 أسرة مصرية قُتل أحد أبنائها بالقتل أو الحرق أو الإعدام أو التعذيب»، يقول يحيى، «وقد نالوا ثأرهم منه».

هل كان قتله مشروعًا إذن؟ يقول: «إن لم يكن لمثل هذا القصاص مشروعية فليس هناك مشروعية لشيء على هذه الأرض». يتمنى -ويتوقع- أن «يلقى جميع المشاركين في القتل والدماء مصائر مشابهة».

يحيى موسى – رسم سلام يسري

****

مع بداية العمل في الشهور اﻷولى من 2015، بدأ التنظيم تطوير إطار شرعي وفكري لنشاطه. التبرير الشرعي لطبيعة العنف الجديدة اسمه «دفع الصائل»، ويُقصد به الحق في رد العدوان على المعتدي بالمثل. تمثل هذه الفكرة حجر أساس لكل لجان العمليات النوعية لتبرير قيامها بعمليات قتل. بعد القبض عليه وخلال التحقيقات معه، حرص محمد الأحمدي على التأكيد على أن أعمال العنف لا تمثل منهج جماعة اﻹخوان: فقط لفترة مؤقتة سيرجع بعدها كل شيء كما كان.

لكن يحيى موسى يستخدم خطابًا سياسيًا -وليس دينيًا- في تحليله للموقف. يقول لـ «مدى مصر» إن كافة أجهزة الدولة فقدت شرعيتها الدستورية والقانونية منذ «خطف رئيس جمهورية منتخب» -محمد مرسي- في 3 يوليو 2013. يمتد الخط على استقامته: بالنسبة إليه «صار حقًا للشعب أن يسترد سيادته وإرادته المهدرة وإزاحة ورد أي معتدي يمنعه من ذلك»، وأصبحت «القوة مشروعة بكافة أشكالها».

لكن يحيى لا يكتفي بحل السؤال الأخلاقي فيما يتعلق بمشروعية العنف (يسميه قوة). هناك أيضًا سؤال سياسي. لهذا، وعلى الرغم من «المشروعية»، إلا أن «تقدير وقت وكيفية وحجم» استخدام هذا العنف يخضع لقراءة المشهد السياسي وتقديراته، بحسب رؤيته.

وسط هذا التحليل، لا أهمية لسؤال كُفر الحاكم أو إسلامه كما يفكر فيه أنصار النشاط الإسلامي المسلح تقليديًا. بحسب أقوال محمد اﻷحمدي خلال التحقيقات معه، «لما نستهدف شخص بنستهدفه عن أفعاله وليس عقيدته». المهم أن «يكون فيه أدلة على الشخص [المستهدف] إنه قتل أو إنه يكون اشترك في فض رابعة»، يقول محمد. كان هذا هو إطار عملهم.

أكّد محمد على هذا ﻷن مجموعة كبيرة من الشباب الغاضب «بدأت تكفَّر رجال الشرطة». لهذا حرص متهم آخر على التوضيح: «أنا مش زي داعش». وتداولوا بينهم كتيبًا اسمه «شبهات تنظيم الدولة اﻹسلامية وأنصاره والرد عليها» للمساعدة على رسم هذا الخط.

لم يتهم أي منهم النظام الحاكم بالكفر حين سُئلوا عن دوافع تورطهم. فقط قالوا إن النائب العام هو من أصدر قرار فض الاعتصام. على اﻷقل كان هذا هو ما سمعوه من مكبرات الصوت بينما تقوم قوات اﻷمن بالفض. هذا السبب كافٍ بالنسبة لهم كي يستحق القتل. بحسب تعبير يحيى لـ «مدى مصر»: «قتلُ الهالك المقبور [هشام بركات] بنفس واحدة من آلاف الأنفس التي شارك في قتلها».

لكن الانتقام لم يكن دافعًا وحيدًا. طبقًا لرؤية محمد خلال التحقيقات، فإن الغاية اﻷكبر هي «إسقاط الانقلاب العسكري وعودة الشرعية، أو الوصول [بالبلاد] إلى وضع متردي». لذا فإن النجاح في استهداف أحد أهم رموز الدولة المصرية في قلب العاصمة إنجاز كبير على طريق تحقيق الهدف.

تمزج لغة التنظيم وأفكاره بين أدبيات جماعة اﻹخوان التقليدية وبين محاولة التعاطي مع أزمة الواقع السياسي.

لديهم تصور بسيط عن طريقة عمل الدولة والمجتمع. على سبيل المثال، يتخيل أحد المتهمين أن «الجيش مثلًا لو قُتل منهم خمسين واحد من القيادات بتاعته الموضوع هينتهي ﻹن احنا -كشعب- بنصقف للقوي». يؤكد في أقواله إن «الجيش مجرد إنه يشوف قياداته اتقتلت هيعرف إن احنا أقوياء وهيخاف مننا ويعمل حسابنا».

تمتلئ الفجوات الذهنية بافتراضات نظرية حول طبيعة المقاومة المسلحة تسطرها كتب وأوراق تنظيمية مختلفة. «حرب العصابات» تثير الخيال. بحسب أوراق تم ضبطها، تنقسم حرب العصابات إلى ثلاث مراحل. اﻷولى هي مرحلة الاستنزاف أو الدفاع الاستراتيجي. الثانية هي مرحلة التوازن الاستراتيجي النسبي أو «سياسة اﻷلف جرح». المرحلة الثالثة هي مرحلة الحسم العسكري أو «جني الثمار» حيث يتمكن المتمردون من «مهاجمة المدن الصغيرة واحتلالها». هكذا.

تنوعت الكتب المضبوطة؛ «فن الحرب»، و«قتال الشوارع». لكن دائرة القراءات تتسع لتشمل عناوين من خارج أدبيات الحركة اﻹسلامية، ويمكن وصفها بتقديم أطروحات علمانية ونقد للحركات اﻹسلامية. من بينها كتاب «اﻹسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق، و«الوجه اﻵخر للخلافة اﻹسلامية» لسليمان فياض، و«جذور اﻷصولية اﻹسلامية في مصر المعاصرة» ﻷحمد صلاح الملا.

لم تكن جميع حلقات نقل اﻷموال على معرفة بطبيعتها. يقول عدد من المتهمين -بينهم بسمة رفعت زوجة ياسر عرفات وزميلة العمل السابقة ليحيى موسى- إنهم نقلوا أو دفعوا أموالًا كانوا يظنون أنها ﻷعمال خيرية مختلفة.

عُثر أيضًا على أوراق تنظيمية تناقش «طبيعة الصراع»، وتعتمد -كأدبيات الإخوان- على فن القصة لتوضيح طبيعته: «دق جرس المنبه في تمام الساعة الثالثة والنصف صباح يوم الجمعة، وكانت نغماته عالية؛ فقد تعمد محمد أن يضبطه على نغمة مصر إسلامية ذات اﻹيقاع العالي، حتى يتمكن من الاستيقاظ ﻷنه رجع من المسيرة متعبًا بعد مطاردات من البوليس». يذهب بطل القصة لصلاة الفجر. بعد الصلاة يسأل أحدهم اﻷستاذ علي عن السبب وراء الاعتقالات. «سكت اﻷستاذ علي برهة ثم قال: يا أحبابي، إن ما يحدث من صراع بين أنصار الشرعية وأتباع الانقلاب هو حلقة من حلقات الصراع المستمر بين الحق والباطل».

يواصل صوت الوعظ في الحكاية -اﻷستاذ علي- ربط النقاط. الصراع الداخلي يرتبط بمؤامرة صهيونية للقضاء على اﻹسلام. طبقًا للأستاذ علي، فإن جنودًا إسرائيليين التفوا حول موشي ديان بعد دخولهم القدس عام 1967 وأخذوا يهتفون: «حطّوا المشمش عالتفاح.. دين محمد ولّى وراح».

تحملت قيادة التنظيم كافة التكاليف المادية اللازمة لاستمرار عمله. دفعت أموال تأجير الشقق للأعضاء، ودبرت المواد واﻷسلحة واﻷجهزة والتدريبات. لم يتضح المصدر اﻷصلي للأموال، لكن اعترافات المتهمين تخبر عن تحويلات منتظمة عبر عدد من اﻷشخاص لمبالغ مختلفة من اﻷموال. لم تكن جميع حلقات نقل اﻷموال على معرفة بطبيعتها. يقول عدد من المتهمين -بينهم بسمة رفعت زوجة ياسر عرفات وزميلة العمل السابقة ليحيى موسى- إنهم نقلوا أو دفعوا أموالًا كانوا يظنون أنها ﻷعمال خيرية مختلفة.

بدأت عجلة التنظيم في الدوران. نظريًا، كان البناء التنظيمي متقنًا، لكن قلة الخبرة العملية كانت واضحة بحسب تفاصيل اعترافات مختلف المتهمين. في إحدى المرات، خاض أبو القاسم مغامرة لنقل مادة TNT المتفجرة، ليكتشف محمود أنها مغشوشة. استخدموا وسيطًا لشراء طبنجة من نوع ما فتسلموا غيرها. دفعوا ثمانية آلاف جنيه لخال أحدهم لتزوير جواز سفر فسرقهم. أحد أعضاء فريق الرصد لم ينتبه لعبور موكب يرصده ﻷنه انشغل بمتابعة مباراة كرة قدم يعرضها مقهى على الناحية اﻷخرى من الشارع. التزم أعضاء التنظيم بتعليمات السرية أثناء عملهم، لكنهم تفاخروا أمام أصدقائهم ببعض مما فعلوه فكشفوا تفاصيل خطيرة.

****

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن اغتيال النائب العام. فقط أعلنت صفحة المقاومة الشعبية بالجيزة -تتبع جناح العنف داخل الإخوان- مسؤوليتها في يوم العملية نفسه. بعد قليل، حذفت الصفحة منشورها ونفت تورطها. أعلنت اﻷجهزة اﻷمنية القبض على مسؤول الصفحة -يدعى محمود العدوي- لكن اسمه لم يرد ضمن المتهمين وهو ما يؤكد خطأ التبني. خلال يومين، أُلقي القبض على 20 من «مؤسسي صفحات المقاومة الشعبية» دون فائدة. وفي ثلاث مناسبات مختلفة خلال الشهور التالية، أعلنت الشرطة -خطأ- ضبط أو قتل منفذي العملية.

على ما يبدو، استبعد فريق التحقيق من اﻷمن الوطني في البداية تورط إحدى مجموعات العنف التابعة للإخوان. العملية أكبر وأدق منهم. كان تفكيرًا منطقيًا شاركهم فيه أحمد محروس، المتهم بإعداد دائرة العبوة المستخدمة. «كنت بقول العملية دي كبيرة على اﻹخوان ومش هم اللي عملوها»، يقول أمام النيابة. لم يعرف أن إحدى الدوائر التي أعدها استُخدمت في عبوة الاغتيال.

توجهت أنظار فريق التحقيق إلى هشام عشماوي. كان ضابط صاعقة في الجيش المصري في السابق قبل طرده من الخدمة. انضم بعدها لتنظيم أنصار بيت المقدس، ثم أعلن تأسيسه تنظيم «المرابطون» الموالي لتنظيم القاعدة. خطط لمحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في سبتمبر 2013. تتشابه المحاولة في طريقة التنفيذ مع عملية اغتيال النائب العام، مع فارق أن محاولة عشماوي كانت فاشلة.

بعد أيام من الواقعة -في 16 يوليو 2015- أُلقي القبض على الخيط اﻷول للتنظيم. أحمد الدجوي، «الشخص الغريب» ذي الشعر الطويل والسلسلة في رقبته. اعترف خلال استجوابه بعلاقته بعدد من المجموعات لفترة استمرت ما يقرب من عامين. أقر بكل شيء، لكن ما يعرفه قليل، ولم تتضح له الفوارق بين المجموعات التي شاركها.

سُئل عن عملية اغتيال النائب العام، فأنكر معرفته بأي تفاصيل تخصها. «مكانوش بيصدقوني»، يقول الدجوي خلال التحقيقات معه، وتعرض لتعذيب شديد. لكنهم صدقوه في النهاية. عُرض على النيابة في اﻷول من سبتمبر 2015، وواجه اتهامات في قضية أخرى من قضايا اللجان النوعية. أُضيف اسمه لقائمة المتهمين في قضية النائب العام فقط بعد سقوط المجموعة. وأُرفقت تحقيقات النيابة السابقة معه.

الخيط الثاني جاء عن طريق الصدفة. قُبض على محمد اﻷحمدي في 7 نوفمبر 2015، بعد يوم من فشل عملية أبو كبير. القبض عليه جاء في إطار مطاردة عناصر العمل النوعي في محافظة الشرقية، لكن ضباط الأمن الوطني اكتشفوا كنز معلومات. لهذا استمر اختفاؤه بشكل غير قانوني فيما يبدو، ولم يُعرض على النيابة حتى سقط الباقون.

مصادفة ثالثة جاءت في 17 يناير 2016 بعد الاشتباه في شخص واحتجازه في المطار. كان في مهمة رصد للسفير اﻹسرائيلي، واعترف بما يعرفه.

اتهمت النيابة 67 شخصًا، 51 منهم محبوسين. أحد المتهمين الهاربين كان محمد كمال، زعيم تيار العنف داخل الجماعة، لكنه قُتل في اشتباك مع الشرطة في أكتوبر الماضي بحسب الرواية الرسمية. حوكم يحيى موسى غيابيًا لوجوده في تركيا، ونال حكمًا بالإعدام.

بدأت حملة الاعتقال لمجموعة اغتيال النائب العام في 17 فبراير باقتحام شقة في منطقة المرج يعيش بها أحد أعضاء مجموعة مدينة نصر، وإلقاء القبض على من كان فيها.

بعد يومين، أُلقي القبض على «أبو القاسم» من شارع الحاكم بأمر الله في حي الحسين. حين ذهبت قوات الشرطة ليلتها إلى شقته، ألقت القبض على آخر كان يعيش معه.

كان فريق التحقيق من قطاع اﻷمن الوطني قد حصل على صورة لـ «أبو القاسم» بعد ساعات من اغتيال النائب العام. توصلوا إلى منزل بائع السيارة المستخدمة في العملية. سألوه عن سيارة إسبيرانزا شيري A11 باعها قريبًا. أخبرهم أنه باعها لشخص يدعى إسلام، وأطلعهم على أوراقها. حكى لهم عن المرات التي قابله فيها. إحداها كانت في مكتبة بجوار سوق السيارات بالحي العاشر لتصوير عقد البيع. الأخرى كانت أمام مستشفى في مدينة نصر. توافرت بهما كاميرات مراقبة، وتوصل فريق الضباط إلى صور لقائهما. بحسب شهادة البائع أمام النيابة، أصبح لدى قطاع اﻷمن الوطني صورة لمشتبه رئيسي به في الحادث. مشتري السيارة هو أبو القاسم، لكن فريق المحققين لن يعرف هذا قبل مرور سبعة أشهر.

بعد القبض عليه، استخدمت الشرطة «أبو القاسم» في إعداد كمائن لرفاقه. ثلاثة على اﻷقل قُبض عليهم بعد طلب «أبو القاسم» مقابلتهم خلال الأيام الثلاثة التالية لتاريخ اعتقاله كما حدده في أقواله أمام النيابة.

أيو القاسم اﻷزهري خلال إحدى جلسات المحاكمة

وفي 23 فبراير، اصطحب محمود صديقًا له وشريكًا في العملية -بحسب أوراق الاتهام- وتوجها إلى مجلس الدولة لمتابعة بلاغات وشكاوى اختفاء أخيه محمد منذ شهور. قُبض عليهما من أمام المجلس.

تتابع سقوط المتهمين نتيجة لما تكشفه التحقيقات الجديدة. عقد وزير الداخلية مجدي عبد الغفار مؤتمرًا صحفيًا في 6 مارس 2016 لإعلان سقوط مجموعة الاغتيال، واتهم جماعة اﻹخوان وحركة حماس. وزعت الوزارة فيديو باعترافات عدد من المتهمين. الاعتقال اﻷخير على ذمة القضية كان في 29 مارس.

طبقًا ﻷرقام وكيل النيابة في مرافعته أمام المحكمة، نفّذ أربعة أشخاص -أحدهم مجهول- عملية الاغتيال، وساعدهم 13 آخرين.

استمرت التحقيقات مع المتهمين من أوائل مارس وحتى أوائل مايو 2016. أُرفقت قضية تفجير أبو كبير الفاشل مع قضية 314 لسنة 2016 المعروفة بقضية اغتيال النائب العام. وفي 8 مايو، أُحيلت إلى محكمة الجنايات. اتهمت النيابة 67 شخصًا، 51 منهم محبوسين. أحد المتهمين الهاربين كان محمد كمال، زعيم تيار العنف داخل الجماعة، لكنه قُتل في اشتباك مع الشرطة في أكتوبر الماضي بحسب الرواية الرسمية. حوكم يحيى موسى غيابيًا لوجوده في تركيا، ونال حكمًا بالإعدام.

طبقًا ﻷرقام وكيل النيابة في مرافعته أمام المحكمة، نفّذ أربعة أشخاص -أحدهم مجهول- عملية الاغتيال، وساعدهم 13 آخرين.

إلى جانب هؤلاء المتهمين الرئيسيين، شاركت مجموعة كبيرة من المتهمين دون أن يعرفوا أبعاد ما قدموه. بسمة رفعت إحدى هؤلاء. أوضحت خلال التحقيقات أنها نقلت بعض الرسائل بين زوجها ياسر عرفات وبين يحيى موسى. ساعدت يحيى في إيصال مبالغ مالية في أعمال الخير. ولم يحكِ لها زوجها عن المرة التي أوصل فيه شخصين تابعين ليحيى في المحاولة اﻷولى لاغتيال النائب العام، بحسب اعترافات كليهما. حُكم على بسمة بالسجن 15 عامًا، ونال زوجها حكمًا بالإعدام.

على عكس الاعترافات التفصيلية المنسوبة لعدد من المتهمين، فإن بعضهم أصر على إنكار كافة التهم منذ البداية، أو قدم رواية تفصيلية لسبب وجوده في القضية. من بين هؤلاء أحمد حمدي. يبدأ أقواله بأنه «مش من اﻹخوان ولا حتى متعاطف معاهم وكنت بشرب حشيش لحد فترة قريبة». له تجربة وحيدة مع اعتصام رابعة: وقف بأحد الشوارع المحيطة به، دخن سيجارة حشيش قبل أن ينصرف. لكنه يعرف سبب القبض عليه؛ «أعتقد اسمي جه في الموضوع بسبب الشخص اللي اسمه أبو بكر [شقيق زوجة يحيى] لما روحت معاه المنيا وجبنا سلاح من هناك»، يقول، «لكن والله ده كان عشان هيطلع لي مصلحة». يقول إنه اصطحب معه في هذه المغامرة صديقًا له لكن أيًا من النيابة أو المحكمة لم يستدعه للسؤال. أبو بكر هو شقيق زوجة يحيى موسى الذي نال حكمًا بالإعدام. أما أحمد حمدي فتلقى حكمًا بالسجن المؤبد.

«أي حد هيتعرّض لنفس الضغوط اللي تعرضت لها ممكن يعمل زيي»

أصغر المتهمين سنًا هو إسماعيل نجم الدين. ولد عام 1997 في قرية عين غصين بمحافظة اﻹسماعيلية. له شقيقان، ينتمي كلاهما لجماعة اﻹخوان. تربطه بأمه علاقة خاصة. كانت تعمل بالتدريس، باﻹضافة إلى بيع الخضار أو الملابس في السوق. يقول خلال التحقيق معه أنها صممت على رعايتهم رغم الخلافات الشديدة بينها وبين والده. «كذا مرة شوفته بيضربها ويهينها». طلّقها ثلاث مرات لكنها استمرت في الحياة معهم.

زار اعتصام رابعة، عمره وقتها 16 عامًا. يحكي لوكيل النيابة ملاحظاته من الاعتصام. تمثلت اﻹيجابيات في «الحالة الاجتماعية اللي شوفتها من التعاون والمحافظة على الصلاة». السلبيات أنه شاهد بعض المعتصمين يتبولون بين العمارات. كانت «رائحة المجاري صعبة».

شارك في مظاهرة بمدينة اﻹسماعيلية بعد فض الاعتصام. مرت رصاصة عبر رأس متظاهر يقف بجواره. «جت لي حالة ساعتها وقعدت أصوت». أثناء هروبه، أصيب متظاهر آخر في قدمه. حاول مساعدة آخرين في نقله عبر سور وإيصاله لعربة إسعاف. «كنت حاسس بالقهر». خلال الشهور التالية، قُبض على شقيقيه.

ملأ الغضب قلب الفتى. اتفق مع عدد من أصدقائه على تأسيس مجموعة للانتقام من الشرطة وأعوانها. أطلقوا عليها «حركة مجهولون»، ونفذوا أربع عمليات حرق لسيارات ضباط شرطة وبوكس ومقهى. وثقوا العمليات اﻷربعة في تسجيلات مصورة على قناة –ما زالت متاحة– على يوتيوب. «أي حد هيتعرّض لنفس الضغوط اللي تعرضت لها ممكن يعمل زيي».

بعد فترة، اعتقلت قوات اﻷمن عددًا كبيرًا من رفاقه في الحركة. تصور أن الشرطة تطارده. ترك دراسته وقرر الاختفاء. توفيت أمه في يوليو 2014. أصيب أبوه بالشلل، لكنه لم يتمكن من زيارته بسبب خوفه من الاعتقال. ظل يقضي ليله في عشة بمزرعة يمتلكها والده لمدة سبعة شهور. وفي زيارة ﻷحد أصدقائه، تعرف على مجموعة شباب من القاهرة. عرفوا أن شقيقيه معتقلين. تعاطفوا معه، وأخبروه أن يتصل بهم إذا احتاج أي شيء.

بعد فترة، قرر الانتقال إلى العاصمة، وتواصل مع أحد هؤلاء الشباب. وفر له عملًا بمحل موبايلات في المرج يمتلكه قريب له، وسريرًا في شقته القريبة بإيجار 100 جنيه كل شهر.

كان هذا الشاب عضوًا في مجموعة مدينة نصر. حين داهمت قوات اﻷمن شقته، ألقت القبض على الجميع بمن فيهم إسماعيل. وجد نفسه متهمًا في قضية اغتيال النائب العام التي لم يعلم عنها شيئًا.

تعرض للتعذيب، وقضى أيامه الثلاثة اﻷولى واقفًا دون نوم. يحكي في أقواله إن ضابطًا أخبره أثناء التحقيق أن «التعذيب اللي بنعمله ده وسيلة مش غاية». قال له أيضًا «خليك ذكي واتكلم».

حين يسأله وكيل النيابة عما إذا كانت لديه أقوال أخرى في نهاية إحدى جلسات التحقيق، يرد باﻹيجاب: «عايز اللي يقرأ الورق ويشوف حالتي يفهم الظروف اللي وصلتني لكده وسني ساعتها كان صغير»، يقول إسماعيل. «نفسي أفتح صفحة جديدة وأرجع لوالدي وأشوف مستقبلي». حُكم على إسماعيل بالسجن 10 سنوات.

****

مثل إسماعيل، وجد عدد من المتهمين أنفسهم متورطين في قضية اغتيال النائب العام دون أن تثبت لهم مشاركة أو حتى علم بالعملية. فقط قادهم حظهم العاثر إلى زيارة أو لقاء بعض أصدقائهم وقت إغارة الشرطة. هناك أيضًا سائق ميكروباص من أسوان اسمه عمرو شوقي. طلب منه راكبان توصيلهما من أمام محطة القطار، وألقت الشرطة القبض عليه معهما في الطريق. نال حكمًا بالسجن عشر سنوات. شقيق أحد المتهمين -محكوم عليه باﻹعدام- قال لـ«مدى مصر» إنه على اﻷرجح كان سيصبح هو اﻵخر متهمًا في القضية لو تصادف سفره مع أخيه إلى القاهرة يوم قُبض عليه.

أثبتت النيابة في أوراق القضية إجماع المتهمين على تعرضهم لتعذيب شديد. أثبتت أيضًا آثار كدمات وجروح على معظمهم وقت عرضهم عليها. أمرت لهم بالعرض على الطب الشرعي دون استجابة. في بعض المرات، استعجلت أوامرها بالعرض بعد تجاهلها. لكن الملف الذي أحالته للمحاكمة لم يشمل نتائج هذه الأوامر.

شابت الاعترافات أيضًا شبهة اﻹكراه. في جلسات التحقيق اﻷخيرة أمام النيابة، تراجع المتهمون عن اعترافاتهم. ينطبق هذا على الجميع، ومن بينهم حتى من أنكر منذ البداية تورطه.

باستثناء ثلاثة، أجمع المتهمون أن القبض عليهم جرى قبل عرضهم على النيابة بأسابيع. أحمد محروس أفاد بالقبض عليه من مقر عمله في شركة بمدينة الغردقة. عُرض على النيابة للمرة اﻷولى في 5 مارس 2016. سجّل في أقواله اسم الشركة وأسماء اثنين من العاملين بها حضرا الواقعة. «علشان أثبت من خلالهم إنه اتقبض علي يوم 22 فبراير». لم تستدعِ النيابة أو المحكمة أحدًا من الشاهدين المحتملين. بالمثل، أصر محمد اﻷحمدي على أن القبض عليه تم قبل أربعة أشهر من عرضه على النيابة، من مقر وظيفته الحكومية كطبيب. لم تتوجه النيابة للسؤال هناك حول صحة ادعاءاته.

في اﻷيام التالية للحادث، طلبت نيابة النزهة -والتي شاركت في بدايات التحقيق- الاستعلام من شركات الهاتف المحمول الثلاثة عن «المكالمات الصادرة والواردة من النطاق الجغرافي لمكان وقوع الحادث اعتبارًا من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الثانية عشر ظهرًا». طلبت أيضًا الاستعلام من إدارة اتصالات الشرطة عمن استلم جهاز لاسلكي عُثر عليه في موقع التفجير، والتحفظ على تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة به.

حررت نيابة أمن الدولة محضرًا بورود نتائج استعلامات المحمول وإرفاقها بالتحقيقات. لكن لم يرد استعلام جهاز اللاسلكي، أو تسجيلات الكاميرات. ولم تقدم النيابة نتائج استعلامات شركات المحمول إلى المحكمة. يقول منتصر الزيات، محامي 18 من المتهمين الرئيسيين، إنه أثبت مرارًا في محاضر جلسات المحاكمة امتناع النيابة عن تقديم هذه البيانات للمحكمة. اكتفت النيابة في بناء قضيتها باعترافات المتهمين وتحريات اﻷمن الوطني. واعتمدت هذه التحريات على مصادر سرية لم يتسن التأكد منها.

في مقابلة مع «مدى مصر» يتهم منتصر النيابة بالتحيز ضد المتهمين؛ اتهام تأكد له بعد وصف أحد وكلاء النيابة للمتهمين في ديباجة مرافعته أمام المحكمة بالكلاب.

الملاحظة الواضحة في أوراق الاستجواب: كل المحامين الذين حضروا جلسات التحقيق اﻷولى مع المتهمين كانوا منتدبين من النقابة لغياب محاميهم اﻷصليين. لهذا دفع الزيات في مرافعته ببطلان إجراءات الضبط، وبطلان استجواب المتهمين في النيابة العامة ﻷنها «تمت في غيبة المحامين».

شابت الاعترافات أيضًا شبهة اﻹكراه. في جلسات التحقيق اﻷخيرة أمام النيابة، تراجع المتهمون عن اعترافاتهم. ينطبق هذا على الجميع، ومن بينهم حتى من أنكر منذ البداية تورطه. طبقًا للمتهمين، التراجع جاء بعد اطمئنانهم بالترحيل من اﻷمن الوطني إلى السجن وابتعادهم عن معذبيهم.

وبحسب فتوى من محكمة النقض، نقلها الزيات في مرافعته، فإن «الاعتراف الذي يعول عليه يكون اختياريًا، ولا يعتبر كذلك إذا حصل تحت تأثير اﻹكراه أو التهديد أو الخوف الناشئين عن أمر غير مشروع ولو كان صادقًا، كائنًا ما كان قدر هذا التهديد أو ذلك اﻹكراه».

لم تواجه النيابة المتهمين في أي من جلسات التحقيق بأدلة أو شهود باستثناء مرة وحيدة تعرف فيها بائع السيارة على «أبو القاسم» (وطلب منه اﻷخير مسامحته على توريطه).

استغرقت المحاكمة 36 جلسة استمرت عامًا حتى صدور الأحكام في 22 يوليو الجاري. ما زالت أمام المتهمين فرصة أخيرة للطعن أمام محكمة النقض.

من جلسة النطق بالحكم في القضية

****

تعرضت مجموعات العمل النوعي لضربات أمنية متلاحقة في أواخر 2015 وأوائل 2016، تسببت في اختلال كبير بها. تنظيم يحيى موسى كان من بينها، حيث سقطت المجموعة الرئيسية بحلول فبراير 2016.

نجحت الضربات اﻷمنية في التأثير على نشاط العمل النوعي. انخفضت عمليات اللجان النوعية إلى أقل من النصف في الشهور التالية، كما تُشير إحصائيات مؤسسة التحرير لسياسات الشرق اﻷوسط بواشنطن في تقريرها عن الوضع اﻷمني في مصر خلال الربع الثاني من العام 2016.

استمرت فترة الهدوء لمدة قصيرة. في يوليو 2016، أعلنت مجموعة جديدة اسمها «حركة حسم» عن تأسيسها. في الشهر التالي، أعلنت مجموعة أخرى اسمها «لواء الثورة» عن نفسها، ورحبت حركة حسم بها.

تبنت مجموعة لواء الثورة عددًا من العمليات أبرزها عملية اغتيال العميد أركان حرب عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة المدرعة بالجيش في أكتوبر الماضي، لكن نشاطها خفت بعد شهور.

في المقابل، استمر نشاط حركة حسم حتى اﻵن. يشير المصدر الإخواني إلى أن حركتي حسم ولواء الثورة هي إعادة إحياء للتنظيمات السابقة ومن بينها تنظيم يحيى موسى. لكن تفاصيل ما حدث في الشهور التالية للضربة اﻷمنية الكبيرة وطبيعة هذه التنظيمات الجديدة لا تزال مجهولة. اﻷمر المؤكد هو تعهد يحيى ﻹخوانه وأصدقائه الذين شهد مقتلهم خلال أحداث الاعتصام وبعده: «لن أترك ثأرهم ما حييت».

اعلان
 
 
محمد حمامة