Define your generation here. Generation What
«وقت قليل جدًا».. عاشه الشهيد الحي
عرض مسرحي عن «أول شهيد مسيحي لبناني مات دفاعًا عن القضية الفلسطينية»
 
 
 
Photo by Jeva Griskjane
 

«وقت قليل جدًا» هو عنوان العرض المسرحي الأحدث للمخرج المسرحي والفنان البصري اللبناني المعاصر ربيع مروّة، والذي يمكن تصنيفه باعتباره ينتمي للمسرح الوثائقي السياسي، ويتناول فيه مروّة مجددًا تاريخ لبنان المعاصر. يُسرد هذا التاريخ من خلال جسد وصوت لينا مجدلاني، وهي الممثلة الوحيدة في هذا العرض. يدور العرض حول حياة أول شهيد مسيحي لبناني مات دفاعًا عن القضية الفلسطينية، ويقع في المساحة الفاصلة بين بساطة ووضوح هذا التوصيف وبين كل تعقيداته المحشوة بجثث ودمار وحروب واغتيالات وبطولات وهزائم.

يمتد وقت ربيع مروة «القليل جدًا»، على مدار خمسين عامًا تقريبًا، يتتبع فيها شخصية واحدة عاشت وشاركت في كل أحداث لبنان المعاصر، وكل القضايا العالقة والتي تتعقد بمرور الزمن بموت وحياة فاعليها وببناء نصب تذكارية وهدمها بتغير قناعات وأيديولوجيات.

«حكاية شهيد، القصة هاي، عن ديب الأسمر، أول فتى لبناني يسقط شهيدًا من أجل القضية الفلسطينية»، تقول لينا مجدلاني.

ديب الأسمر، الذي يدور حوله العرض المسرحي، هو مزيج من عدة شخصيات وعدة هزائم، وهو تجسيد لسذاجة وخطايا المواطن اللبناني المسيّس، والذي لا يعرفه أحد وتجده في كل اللبنانيين، المواطن الذي انخرط مقاتلَا في كل الميليشيات وكره كل الميليشيات، وصنع أسطورته من مقاومة إسرائيل كما نكّل به من كل من حاربوا إسرائيل.

يبدأ العرض بدخول لينا مجدلاني لمساحة المسرح السوداء، الفارغة إلا من شاشة مستطيلة معلقة طوليًا على يسار المسرح ومن منضدة مستطيلة في يمين وسط المسرح، لتبدأ مباشرة بذكر تاريخ 30 مارس (آذار) 1971، باعتباره، كما تقول، تاريخ أول عملية لتبادل الأسرى بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتشرح تفاصيل هذه الصفقة السياسية التي تقوم على مبادلة جثة طيار إسرائيلي بثمانية أسرى فلسطينيين، بالإضافة لجثة اللبناني ديب الأسمر، بطل الحكاية هنا.

بينما تسرد لينا قصة ديب، كانت تقوم بفعل مسرحي بسيط؛ تضع صورها الشخصية الفوتوغرافية هي وربيع في إناء مربع يحتوي على سائل شفاف، تطفو الصور وتغرق ثم تتلاشى، ويبقى الكارت كصفحة بيضاء، كالذاكرة الجمعية والشخصية لمجتمع ما.

«حكاية شهيد، القصة هاي، عن ديب الأسمر، أول فتى لبناني يسقط شهيدًا من أجل القضية الفلسطينية»، تقول لينا، ثم تحكي عن مشهد المجتمع اللبناني في انتظار جثمان البطل الشهيد، وأثناء هذا تعرّفنا بالشهيد من خلال ذكر معلومات أولية وأساسية عنه، مثل سنة ميلاده وطبقته الاجتماعية وطائفته وتوجهه السياسي والجامعة التي درس بها.

هذه معلومات أساسية، ولكن لن يمكن للمشاهد، في مجتمع غير المجتمع اللبناني، ومن خلالها، التعريف كثيرًا بنمط وهوية شخص ما، لأن البشر في غاية التعقيد والاختلاف، ولكن في السياق اللبناني يمكن لهذه المحددات رسم شبح لشخصية نمطية في مخيلة اللبناني، ومع تزويدها ببعض الحوادث والمواقف والصراعات، يمكن له رؤيتها مجسدة في الواقع كشخصية قابلها مواطنون كثر وأثّرت في حياة الكثيرين.

خلق ربيع مروّة شخصية ديب الأسمر من معلومات وتتابعات تاريخية وحوادث شخصية مرتبطة بالأحداث السياسية الكبيرة، والجزء الأول من حكايته هو تكوين أسطورة الشهيد الحي؛ يعود جثمان ديب كشهيد يقام له التأبين والمسيرات والاحتفالات الشعبية، وينصب له تمثال في وسط بيروت.

وبعد سنتين يعود الشهيد حيًا لم يمت، وتقام له الاحتفالات كمناضل أسير محرر عائد من الموت. يزور الشهيد الحي تمثاله الذي أصبح بفعل الزمن معلمًا من معالم المدينة، وهنا يبدأ الخط الدرامي في التصاعد؛ صراع بين ديب وتمثاله، وصراع بين ما يمثله تمثال ديب لكل فصيل سياسي. بصفة ديب مسيحيًا لبنانيًا ولكن توجهاته قومية عروبية، فهل يمثّل المقاومة الفلسطينية التقدمية أم المشروع القومي اللبناني الذي رآه التقدميون مشروعًا انعزاليًا طائفيًا؟ لا يُشرح هذا في العرض، وإنما يُفهم من سياق الجمل الرنانة على لسان شخصيات، مثل ياسر عرفات، قابلت ديب الشهيد الحي بعد عودته في عملية تبادل الأسرى الثانية.

في هذا الجزء يظهر الصراع التراجيدي لديب الأسمر؛ افتتانه بتمثاله ثم خوفه منه وصراعه معه، هو التمثال الذي أصبح أهم منه شخصيًا. ديب الآن أسير محرر، ولكن لا يزال مكتوبًا على التمثال «نصب الشهيد ديب»، وساحة التمثال نفسها أصبحت «ساحة الشهيد ديب».

بعد تصالح ديب مع تمثاله، ينشأ صراع آخر محوره هو «لمن الجثة المدفونة في مقابر عائلة ديب؟» وتبدأ رحلة الكشف عن هوية الجثمان المدفون، ثم نقل هذا الجثمان بعد تملص جميع الفصائل المقاومة منه. هذا الجزء يذكّر بملحمة جلجامش في بحثه عن الخلود. ثمة صراع وجودي محوره صورة ديب عن نفسه؛ كيف يراه الآخرون؟ أين الخلود؟ هل وصل للخلود أم أن الناس خلّدوا أحلامهم وانتصاراتهم المتخيلة فيه؟

ينتقل السرد بعدها للحرب اللبنانية الأهلية، ليجعل ربيع تفجير تمثال ديب الأسمر، من قبل مجموعة من حزب الكتائب، هو السبب الرئيسي لاندلاع الحرب. هنا يتضح أكثر أسلوب الكتابة الذي اعتمده ربيع ولينا وفريق العمل، في مزج تواريخ اندلاع أحداث حقيقية بحوادث جديدة ترتبط شخصيًا بديب وتمثاله وما يمثله في هذه اللحظة.

من العرض.. photo by Jeva Griskjane

ومن السبعينيات والحرب الأهلية اللبنانية ومغامرات ديب بها، إلى التسعينيات ودخوله مع لبنان كله عصر رفيق الحريري والسوليدير والصراع مع الرأسمالية التي غيّرت وجه بيروت، واستهدفت تمثاله الذي تهدم وفُجّر وبُني أكثر من مرة. يدخل ديب حقبة التسعينيات كما دخلها لبنان مستخدمًا لغة وتكتيكات التسعينيات، ويصارعها على نفس الأرضية، ربما كمعظم يساريي الوطن العربي الذين تسربوا بهدوء مع انهيار الاتحاد السوفيتي، إلى هذه الحقبة، ليجدوا لهم مساحات حاضنة مثل الصحافة والفن المعاصر والعمل بالمجتمع المدني.

يعرض ديب نفسه كتمثال حي في معرض فن معاصر، بإيعاز وتعاون فني من أحد الفنانين الذين درسوا بأمريكا، وعادوا بأفكار عن الفن المعاصر، وتحديدًا عن «فن الأداء الحي.. performance»، حيث يقيم ديب نصبًا حيًا له في معرض، ليجعل الفنانين يرسمون مساحة نقدية مع تاريخهم. هنا يبدو المخرج ساخرًا من نفسه، أو على الأقل يحمّل نفسه، كفنان معاصر، ومع الآخرين، وزر الشهيد الحي التائه وتمثاله.

تنتهي المسرحية كما بدأت بديب شهيدًا مرة أخرى، أو مفقودًا، شهيدًا ولكن ليس حيًا بشكل معنوي، وبلا إجماع عليه كما حدث في السابق مع سمير القنطار الذي كان رمزًا لمشروع المقاومة، ثم افتقد الإجماع بعدها

في تفاعل ديب مع كل القضايا والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان، مرورًا باغتيال رفيق الحريري كحدث جلل في حياته، يقترب ديب من الفصل الأخير في قصته، فبعد إعلان إسلامه وانضمامه لحركة لمقاومة الإسلامية «حزب الله» وتجدد روح المقاومة مع العدوان الإسرائيلي في 2006، يتغير أسلوب السرد، فتصبح الممثلة لينا مجدلاني هي ديب الأسمر؛ لا تحكي عنه ولا تسرد الأحداث، وإنما تتكلم بضمير المتكلم لتصبح هي صوته.

يحكي ديب، بصوت مجدلاني، عن خوضه الحرب المقدسة في سوريا ضد الدواعش والتكفيريين، وكيف أنه «انخدع بالثورات»، وتكشفت له الحقيقة عندما رأى جموع الثوار تحاول كسر تمثال الرئيس بشار الأسد.

هنا ربما يناقض ديب نفسه، لأنه وطبقًا للسرد السابق، كان قد سُجن في سوريا بسبب اصطدامه العمدي بتمثال باسل الأسد، الابن الراحل لحافظ الأسد، لأنه شعر بالغبن؛ كيف يقام نصب لشخص قُضي في حادث ويطلق عليه لقب «الشهيد»؟ وربما يكون ما حركه هو السؤال عن الأنصاب والتماثيل؛ من يجب أن يُصنع له تمثال، ومن يجب أن يحظى تمثاله بالتمجيد؟

وبعد انخراط ديب في «الحرب المقدسة» في صفوف حزب الله، وافتتانه بمقام السيدة زينب في سوريا، وتفانيه في الدفاع عن المقام الشريف وتحليقه روحيًا مع قداسة هذا المقام، يحكي عن آخر مهمة له في سوريا، مع سمير القنطار عميد الأسرى اللبنانيين المحرر، والقائد في حزب الله والذي قُتل في اجتماع في غارة إسرائيلية قام بها الطيران الإسرائيلي.

تنتهي المسرحية كما بدأت بديب شهيدًا مرة أخرى، أو مفقودًا، شهيدًا ولكن ليس حيًا بشكل معنوي، وبلا إجماع عليه كما حدث في السابق مع سمير القنطار الذي كان رمزًا لمشروع المقاومة، ثم افتقد الإجماع بعدها، حيث استشهد على يد الإسرائيليين، ولكن برفقة النظام الذي ساهم بتحويل الثورة السورية لحرب طائفية، والذي يقصف المدنيين كما فعل الإسرائيليون ويفعلون.

يكمل ديب القصة بعد موته قائلًا إنه لدى الكشف عن الجثة يُكتشف أنها ليست جثته. يسرد علينا الأقاويل المختلفة والشائعات حول موته والتي يُحتمل معها أنه ربما لا يزال على قيد الحياة، ولكن المؤكد أن ديب قد اختفى للمرة الثالثة في يناير/ كانون الثاني 2015.

«وقت قليل جدًا» هو محاولة ربيع لإثبات فشل المنطقة العربية في إنتاج تراكم نتعلم منه في حياتنا السياسية والاجتماعية، ورغم أن العرض يقوم على التواريخ الدقيقة للأحداث ومزجها مع شخصية خيالية، فلن يمكن للمشاهد بسهولة، إن لم يكن لبنانيًا، إدراك أن هذه الشخصية غير حقيقية. ما فعله المخرج ربيع مروة ببساطة هو تعقب شخصية خيالية في خط تاريخي ممتد من 1971 حتى 2015، ولكنه لم يجهد نفسه في صقلها تاريخيًا ونفسيًا لتصير شخصية ملحمية، أو على أقل تقدير لتقديم مادة درامية عنها.

لا يزال بناء شخصية ديب مسطحًا، لأن السرد لا يفصح إلا عن مواقف محددة لشخصية ذات سمات عامة محددة طائفيًا وسياسيًا ومشكَّلة وفق الأحداث التاريخية، فبإمكان المشاهد خلق «ديب» لكل طائفة لبنانية، وكلها ستنتهي لنفس المصير؛ الطائفية والاقتتال وضياع البوصلة.

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب