Define your generation here. Generation What
رواية بصوت تيد هيوز عن سيلفيا بلاث: سجنتني في اسمها وانتحرت!
 
 

داخل أرشيف الشاعر البريطاني الشهير تيد هيوز ( 1930- 1998) صندوق صغير مقفل بالشمع، حمله هو بنفسه إلى جورجيا، موصيًا ألا يفتح قبل عام 2023. ويعوِّل الكثيرون في الأوساط الأدبية العالمية أن يحتوي هذا الصندوق على إضاءاتٍ أكثر إشباعًا حول حياة شاعر البلاط الانجليزي الأشهر، وزوج أيقونة الشعر الأمريكي المنتحرة سيلفيا بلاث (1932- 1963)، وكانت سنوات زواجهما القليلة عجينةً رخوةً للحكايات السائلة المضروبة بالتطرف بين الأسطرة والشيطنة.

لكن يبدو أن الروائية الهولندية الشهيرة كوني بالمن لم تفضل الانتظار حتى 2023، فصنعت من المادة الحكائية الخصبة، التي تشكلت عبر نصف قرنٍ منذ الرحيل الدرامي لبلاث، سرديتها الخاصة المغايرة، في روايتها «أنت قلت» التي منحت فيها هيوز صوتًا منفردًا يتلو عبره مظلوميته الخاصة به، والتي وأدها أنصار سيلفيا ومقدّسوها.

منذ انتحار بلاث وحتى الآن لم يخفت حضورها، ولا الحضور الضدي لهيوز، الذي فرّخ صمته أقاويل واتهامات بلا نهاية، حمّلت نزقه وإهماله لزوجته المريضة بالاكتئاب المزمن مسؤولية انتحارها، فعلى فتراتٍ متباينة تظهر سيرة هنا، فيلم سيري هناك، قصيدة مخطوطة، رسالة، نبأ ميلادٍ أو رحيل، أو تكريم، ليضع رأس «خليفة ت. إس. إليوت» على المقصلة.

ورغم أن ديوان «رسائل عيد الميلاد» الذي نشره هيوز قبيل رحيله بأشهر قليلة، وعندما استشف قرب أجله، كان مقاربة ذاتية للعلاقة الملتبسة بين الزوجين اللدودين، وحمل في طياته الكثير من التأسي، الذي يقترب من الندم، من جانب هيوز على سيلفيا وحياتهما معها، إلا أنه ظل في مجمله أحد روايات الأسطورة، قبل أن تعود إليه بالمن بعد 17 عامًا من رحيل هيوز، وتجعله هيكلًا صلبًا لروايتها الأخيرة «أنت قلت»، الصادرة في مصر مؤخرًا، عن الهيئة المصرية للكتاب بترجمة ناعمة وذكية أنجزتها الشاعرة التونسية لمياء المقدم، بروح وتحيز شاعرة، وأمانة مترجمة تدرك سلفًا خطورة العمل الذي تصدت له، وحساسية ومراوغة لغته، وثراء عالمه وإرثه الجدلي.

أكدت بالمن في كلمة لها بخاتمة الرواية أن القصائد الـ88 لهذا الديوان كانت مصدرها الأهم، فضلًا عن مجموعات هيوز الشعرية الأسبق «حياة وغناء الغراب»، «كابريشيو» و«عواء وهمسات».
نحن إذن أمام رواية خيالية مبنية على نوع أدبي خيالي هو الشعر، وبمعرفة أن هيوز لم يمِل في أي وقتٍ للأدب الاعترافي، باستثناء ديوانه الأخير، وبقدَرٍ، تكون الرواية إعادة تخييل للخيال المقتضب الذي سرّبه هيوز عن نفسه في نصوصه الشعرية الأخيرة، لكن الروائية، وباعتمادها على الصوت الأحادي المطلوق، منذ أول إلى آخر صفحاتها، ذلك الصوت المشحون بالحكمة والتعالي واليقين، بدت وكأنما أرادت تقديم عملها كحقيقةٍ وحيدةٍ متاحة.

«بالنسبة للكثيرين، نحن غير موجودين إلا في الكتب، أنا وزوجتي. تابعتُ على مدى الأعوام الخمسة والثلاثين الأخيرة، بكثير من العجز والاستنكار، كيف تعفّنت حياتها وحياتي تحت طبقةٍ من المغالطات والشائعات، والقصص الملفقة والشهادات الكاذبة والأساطير والخرافات والهراء. ورأيت بعيني كيف تم تحوير شخصيتينا المركبتين إلى شخصيتين عاديتين، بملامح باهتة وبسيطة صنعت خصيصًا لإرضاء نوع معين من القراء الطامحين للإثارة. هي المقدسة الهشة، وأنا الخائن القبيح».

من اللقاء الاستثنائي، بعضّةِ شبقةٍ على الخد في حانة رقصٍ، وصولًا للرحيل التراجيدي بمشهد رأس الزوجة والأم الشاعرة محشورة في فرن، كانت الأحداث في مجملها بترتيبها مقصودة بعناية

على الدوام كانت الأرض ممهدة لاستقبال أية معلومةٍ أو كذبةٌ أو خاطرة حول هذين الزوجين الدراميين، ماخلق مناخ تلقٍ استثنائيٍ لرواية بالمن. وبحضور صوت الزوج الصموت في مفتتح الرواية، يشتعل الشغف والإنصات على أمل أن يعترضه في أي فصلٍ صوت بلاث، عبر حوارٍ أو مونولوج أو قصيدة، إلى أن تكتشف ألا صوت هنا سوى صوت هيوز، ولا حتى صوت الروائية نفسها.

رواية محظوظة بموضوعها الشيق، ومصادرها الجدلية، ومقدماتها التاريخية المشتعلة مثل «أنت قلت»، يبدو أنها جعلت صاحبتها أكثر اطمئنانًا وجرأةً حيال طريقة السرد التقليدية غير المشغولة باللعب وحيل التقديم والتأخير ومسألة تعدد الأصوات ومستويات اللغة وكواليس البناء وغيرها. رغم ذلك نجحت في الإمساك بقارئها دون تململ، وظلت نصًا مدهشًا، طرفه في يد صاحبه، ويصعب معه توقع القطعة السردية التي سيسرّبها للقارئ تاليًا، فرغم خطيته الظاهرية كحدثٍ يبدأ باللقاء الاستثنائي، بعضّةِ شبقةٍ على الخد في حانة رقصٍ، وصولًا للرحيل التراجيدي بمشهد رأس الزوجة والأم الشاعرة محشورة في فرن، كانت الأحداث في مجملها بترتيبها مقصودة بعناية، ومضبوطة على زواية يظهر معها كم كان هذا الشاعر النبيل ضحية امرأةٍ مشوهة ومزعجة، لدرجة أن موت سيلفيا يبدو وكأنه لم يكن خلاصها وحدها، بل خلاص هيوز أيضًا، كما جاء على لسانه في الرواية:

«كانت هي عبارة عن برميلٍ مليءٍ بالسُّم تنبعث منه رائحةً ذكية… ثم جئت أنا الطبيب الساحر، الذي وهب الفتاة الهشة المجروحة حقيقتها وأعادها إلى نفسها.»

و: «بعد عامٍ ونصف من انتحارها، تزوجتُ بامرأةٍ شابةٍ من القرية التي ولدتُ فيها: فلاحةٍ وابنة فلاحٍ، من دون اهتماماتٍ أدبيةٍ، ولا كآبةٍ، ولا رغبة في الموت».

موت سيلفيا بلاث يبدو وكأنه لم يكن خلاصها وحدها، بل خلاص هيوز أيضًا

كأي قصةٍ معلومٌ أولها وآخرها، يكون بعثها في التفاصيل، وكان هذا كنز رواية كوني بالمن؛ التفاصيل الشائقة المحبوكة، والإحالات الفنية للشعر والسرد والموسيقى، والإيغال في التأمل، واستدعاء مفردات الطبيعة من حيوانات وبحار وصخور، والإنصات لكل هذه المفردات وتتبع إشاراتها، والعوالم الموازية الآتية منها كإشارات الفلك والنجوم، واتخاذها تأويلًا ونبؤة ومرجعية لكافة تفاصيل الحياة الخاصة لثنائي مختلفٍ وغامضٍ مثل سيلفيا وهيوز.

وبما أن هذا الأخير كان الراوي الأوحد، فقد كانت التفاصيل صنعته وحياكته؛ شاعر مأخوذ بالقوى الغيبية وظلال إرادتها في الكون، مشغول بصنع أساطيره الخاصة ورموزه من الحيونات البرية التي قضى طفولته ومراهقته وسطها، وموهوب في التنويم المغناطيسيٍ، كان قديرًا على استغلال فرصته كراوٍ في تفجير الأحداث داخل مسارات الصراع، وتحديد المنتصر سلفًا.

عندما يكون الصراع مع امرأة ميتة، لا تملك أية فرصة للرد أو الدفاع، امرأة أحرق غريمها مذكراتها الشخصية، بدعوى خشيته على طفليهما،  فإن هذا الصراع يفقد الكثير من نبله وغايته ومشروعيته أيضًا

في حكايته الشخصية هذه، كان النصر يعني التحول إلى ضحيةٍ، وتجريد حبيبته السابقة من هذا اللقب الذي يرى أنها استمرأته لسنين، بل يرى أن حياتها ذاتها والطريقة التي اختارت إنهاءها بها، كانت سعيًا محمومًا لنيل هذا الشرف:
«وإذا كانت بانتحارها رغبت في سجني داخل موتها إلى لأبد، وتذويب جسدي داخل جسدها الغائب، فقد نجحت في ذلك. لقد تحولت بالفعل إلى زوجٍ سجينٍ في الموت، مشدودٍ إلى جثة زواج بقوةٍ لا يمكن كسرها. أليس هذا ما أرادته في حياتها؟ أن يكون اسمها هو اسمي، وموتها موتي؟»

لكن عندما يكون الصراع مع امرأة ميتة، لا تملك أية فرصة للرد أو الدفاع، امرأة أحرق غريمها مذكراتها الشخصية، بدعوى خشيته على طفليهما، ولاحق رسائلها لأمها وطبيبتها النفسية، مغيبًا أية أثر، ولو ضمني، لندوب روحها، فإن هذا الصراع يفقد الكثير من نبله وغايته ومشروعيته أيضًا، حتى أن القارئ يتساءل عن السبب الذي يدفع كاتبةً، امرأة، لتحضير روح شاعر البلاط الانجليزي المفوّه، الذي نال من التكريم والقداسة ما لم ينله شاعر منذ الحرب العالمية الثانية، حتى أن إحدى كبريات كنائس لندن وضعت حجرًا باسمه في إحدى زاوياها.

في هذه الحكاية الشخصية لتيد هيوز، كان النصر يعني التحول إلى ضحيةٍ، وتجريد حبيبته السابقة من هذا اللقب

على لسان راويها الأوحد، تنضح رواية «أنت قلت» بالتعالي والحقد على بطلتها الضد سيلفيا بلاث وبتحقيرها، ولولا وصف كاتبتها كوني بالمن لبلاث بأنها «فنانة لم تستوعب أن زوجها أهم منها»، لآمنت برؤية الشاعر الصديق أحمد شافعي الذي أخبرني مرة في حوار شخصي بأن ما فعلته بالمن في هذه الرواية هو أنها منحت هيوز حبلًا ليشنق به نفسه، إذ أظهرته الرواية كزوجٍ متسلط كريه، «مهووس بالأستاذية والتفوق وتصوير نفسه في صورة البطل الشعري والثقافي والجنسي»، بحسب وصف شافعي، ويرى أنه الأنبل الذي داسته في طريقها امرأة مخبولةً ومتهافتةً وضعيفة الموهبة، فضلًا عن الملاحظة التي لفتت إليها الشاعرة لمياء المقدم في إحدى المداخلات الصحفية حول تجاهل الروائية لاسم سيلفيا بلاث نفسه على مدار الرواية، باستثناء مرتين في أول الرواية وآخرها.

أخيرًا تبقى الإشارة لفيفيل العشيقة، التي كانت نهايتها أتعس ربما من سيلفيا نفسها، إذ اختارت الانتحار بعدها وبنفس طريقتها التراجيدية، لكنها لم تنل حظها من التعاطف والقداسة، إذ: «وكما كانت تعرف وتحس وتتوقع، لم تكن حبيبتي ليليث إلا تذييلًا بسيطًا وهامشيًا في قصتنا، وضعًا ملفقًا داخل قصةٍ قويةٍ، لم ينجح الموت في جعله يبدو مهمًا. وحتى كتاب السير والنقاد قلدوني جميعًا في جبني تجاهها وتجاه الاعتراف بوجودها».

اعلان