Define your generation here. Generation What
أحمد أبو العزم.. سيرة أول رئيس لمجلس الدولة لم يختره المجلس
 
 

في تحدٍ واضح لاختيار الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتعيين المستشار أحمد أبو العزم رئيسًا للمجلس في الفترة من 20 يوليو الجاري وحتى بلوغه سن التقاعد وإحالته للمعاش في 14 سبتمبر عام 2019.

كانت الجمعية العمومية قد رشحت بإجماع الآراء في 13 مايو الماضي المستشار يحيى راغب دكروري النائب الأول لرئيس المجلس المنتهية ولايته في 18 يوليو الجاري لبلوغه سن التقاعد، المستشار محمد مسعود، لخلافته، رافضة بذلك الامتثال لقانون الهيئات القضائية الذي يلزمها بترشيح أقدم ثلاثة نواب لرئيس المجلس ليختار من بينهم رئيس الجمهورية من سيشغل المنصب، لكن رأس السلطة التنفيذية قرر اختيار أبو العزم، رابع أقدم نواب رئيس المجلس.

الرئيس الجديد للمجلس، الذي سيترأس المحكمة الإدارية العليا، وبخاصة الدائرة الأولى بها المختصة بنظر قضايا الحقوق والحريات والفصل في الطعون المتعلقة بالانتخابات الرئاسية، سبقه تاريخ يمتد إلى 45 عامًا قضاها داخل أقسام المجلس المختلفة، أصدر خلالها عشرات الأحكام والفتاوى والقرارات، وراجع غالبية القوانين التي أقرها البرلمان في الفترة الأخيرة، بما فيها قانون الهيئات القضائية الذي أتي به رئيسًا لمجلس الدولة بدلًا من دكروري.

كان أبو العزم، بحكم رئاسته لقسم الفتوى والتشريع بالمجلس حتى اليوم الأخير قبل اختياره رئيسًا، قد أفتى بعدم دستورية «الهيئات القضائية».

ولد أبو العزم بمحافظة القليوبية في 15 سبتمبر 1949، وعين بمجلس الدولة عام 1972، التحق بكافة أقسام مجلس الدولة القضائية والإفتائية والتشريعية، فعمل كعضو بالمحكمة الإدارية والتأديبية بمحافظة أسيوط، وانضم لمحكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا، الذي عمل بغالبية دوائرها الإحدى عشر. دائما ما افتخر بأنه كان «أصغر من التحق بالعمل بالدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا».

تنقل أبو العزم كذلك بين أقسام المجلس الافتائية، فعمل بإدارة الفتوى لرئاسة الجمهورية، ولوزارات المالية والتموين والتجارة الداخلية والنقل، كما عمل مفوضًا لمحافظات سوهاج والقليوبية والمنوفية، وعمل بإدارة التفتيش الفني التي تراقب عمل المستشارين.

لكن لم يذع صيته قبل ترؤسه لمنصة دائرة الانتخابات بالمحكمة الإدارية العليا في أكتوبر 2015، حيث أصدر وقتها أحكامًا جريئة، أشهرها تأييد حكم لمحكمة القضاء الإداري باستبعاد رجل الأعمال أحمد عز، أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني المنحل، من الانتخابات البرلمانية، وإلغاء حكم محكمة القضاء الإداري بتأييد ترشح الراقصة، سما المصري، للانتخابات البرلمانية، واستبعادها من الانتخابات، ﻻفتقادها شرطي الثقة واﻻعتبار وحسن السمعة، بالإضافة إلى تعديله حكم أصدره المستشار يحيى دكروري وقت رئاسته لمحكمة القضاء الإداري بشأن الكشف الطبي للمرشحين للانتخابات البرلمانية، فبينما ألزم دكروري المرشحين في اﻻنتخابات البرلمانية بتقديم شهادة طبية تفيد لياقتهم البدنية والذهنية وعدم تعاطيهم المخدرات والمسكرات للجنة العليا للانتخابات، قصر أبو العزم الحكم على إلزامهم بتقديم ما يفيد سلامتهم الذهنية وعدم تعاطيهم المخدرات فقط. أصدر كذلك حكما بتأييد حل مجلس إدارة النادي الأهلي.

عرف عنه الحزم والشدة في إدارة كافة الجلسات التي ترأس فيها الدائرة الحادية عشرة بالمحكمة الإدارية العليا، لكن حزمه وشدته لم تخل من مرونة يراها مطلوبة في قضية ما. يذكر الموظفون الذين عملوا معه في الدائرة أنه في أول جلسة له في 3 أكتوبر عام 2015،  حيث بدأ أبو العزم الجلسة المخصصة وقتها لنظر 51 طعنًا متعلقًا بالانتخابات البرلمانية السابقة باستئذان مقدمي الطعون ببدء الجلسة بنظر طعن مرشح عن منطقة إمبابة، وكان ترتيب قضيته في قائمة الطعون المنظورة أمام المحكمة رقم 44، وذلك استجابة لطلب محامي المرشح مرتضي منصور، رئيس نادي الزمالك، لارتباطه بالاستعداد لمباراة لناديه، ضمن بطولة الكونفيدرالية، فقال أبو العزم وقتها  للمتقاضين: «المستشار مرتضي استأذن هيئة المحكمة علشان عندهم ماتش مهم»، فرد مقيمو الطعون بالموافقة، مرددين «الزمالك يستاهل»، وهو ما رد عليه المستشار أبو العزم وقتها «مش عايز تعليقات»، قائلًا: «أنا مش هاسمح بكده تاني حتى ولو كان المتقاضي هو اللي هيلعب الماتش».

غادر أبو العزم المحكمة الإدارية العليا إلى رئاسة قسم التشريع في الفترة من 21 يوليو 2016 وحتى 19 يوليو الجاري، لينضم إلى المجلس الخاص الذي يضم أقدم سبعة مستشارين بمجلس الدولة. وخلال هذا العام ارتبط اسم أبو العزم بمجلس النواب، حيث أرسل له رئيس مجلس النواب طوال تلك الفترة  كل القوانين التي أقرها البرلمان سواء التي أعدها نواب البرلمان بأنفسهم ووافقوا عليها، أو التي أعدتها الحكومة ومررها البرلمان.

حرص أبو العزم خلال تلك الفترة على عقد مؤتمرات صحفية بشكل دوري، يعرض خلالها عدد القوانين التي وصلته من البرلمان، والوقت الذي استغرقه القسم في مراجعتها وضبط صياغتها، مع بعض الملاحظات التي أبداها مستشارو القسم على تلك القوانين، مؤكدًا على أن تلك الملاحظات لا تخص سوى الجهة التي تصنع التشريع.

كثيرًا ما أكد خلال أحاديثه للإعلام على أن توصيات قسم التشريع، الذي ألزم الدستور بعرض كافة القوانين عليه لمراجعتها قبل إصدارها، غير ملزمة، وأن «مهمة قسم التشريع أن يأخذ بيد جهة الإدارة لتضع النص الصحيح، وإذا كانت تملك رفاهية مخالفة نصائحنا فهناك أكثر من وسيلة للرقابة على صحة القوانين بعد إصدارها».

عاب البعض على قسم التشريع في عهد  أبو العزم سرعة مراجعته للقوانين، فلم يستغرق القسم في مراجعة أيًا من مشروعات القوانين التي أرسلها له رئيس مجلس النواب أكثر من 15 يومًا، مهما زادت مواد القانون، رغم أن المادة 175 من اللائحة الداخلية للبرلمان أعطت للقسم مهلة لمراجعة القوانين وضبط صياغتها تصل إلى 30 يومًا من تاريخ وصولها إليه.

ظهر هذا الانتقاد بوضوح عند مراجعة قانون الهيئات القضائية؛ حيث تسلم قسم التشريع القانون من البرلمان في 29 مارس الماضي، أعقب هذا التاريخ، عقد  قضاة مجلس الدولة لجمعية عمومية طارئة في 3 أبريل الماضي ، وانتهت تلك الجمعية إلى رفض القانون، وتفويض رئيس مجلس الدولة وأعضاء المجلس الخاص في اتخاذ الإجراءات اللازمة، للتصدي له، ثم أعلن رئيس مجلس الدولة المستشار محمد مسعود في 8 أبريل ترأس جلسات قسم التشريع بنفسه وقت مناقشة مشروع القانون، وتوقع كثير من مستشاري مجلس الدولة، بل ورئيس وأعضاء البرلمان أنفسهم، أن يستغل قسم التشريع المادة  175 من اللائحة الداخلية للبرلمان، وألا يرسل رأيه في القانون المعترض عليه من غالبية مستشاري مجلس الدولة قبل انتهاء مدة الثلاثين يومًا، أي في 29 أبريل الماضي، خصوصا وأن رئيس مجلس النواب أجل وقتها انعقاد الجلسة العامة للبرلمان إلى جلسة 29 أبريل أيضًا.

لكن أبو العزم فاجئ الجميع وأرسل ملاحظات القسم إلى رئيس البرلمان في 15 أبريل الماضي، وهو ما ساهم في سرعة إقرار البرلمان للقانون، وتصديق الرئيس السيسي عليه قبل أول مايو، حيث بدأ تطبيق نصوص القانون الذي تضمن إلزامًا للهيئات والجهات القضائية الأربعة المخاطبة بنصوصه، بـ«إبلاغ رئيس الجمهورية بأسماء ثلاثة مرشحين لرئاسة الجهة القضائية قبل نهاية مدة رئيس الجهة بستين يومًا على الأقل، وفي حالة عدم تسمية المرشحين أو ترشيح عدد يقل عن ثلاثة أو ترشيح غير أقدم ثلاثة مستشارين بالجهة، يعين رئيس الجمهورية رئيس الهيئة من بين أقدم سبعة من نواب رئيس الجهة»، وهي الفقرة التي طبقت على أبو العزم دون غيره من رؤساء الجهات القضائية، حيث التزم مجلس القضاء الأعلى وهيئتا النيابة الإدارية وقضايا الدولة بإرسال مرشحيهم في الوقت المحدد، لكل منهما فور تمرير القانون في أول مايو، في حين أصرت الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة على ترشيح المستشار يحيى دكروري منفردًا.

خلال مسيرة أبو العزم القضائية، انتدب للعمل  كمستشار قانوني لمحافظة القليوبية في الفترة من 29 أكتوبر 2014 وحتى الآن، إلى جانب عضويته بمجلس إدارة كلية الحقوق بجامعة بنها، وبمجلس إدارة الهيئة العامة للتنمية الصناعية، التي يعمل بها كمستشار قانوني أيضًا منذ 25 سبتمبر عام 2016 وحتى الآن. انضم في أكتوبر 2016 لعضوية اللجنة الاستشارية العليا لتطوير والتشريعات واتفاقات الامتياز البترولية والتعدينية، إلى جانب عضويته في اللجنة العليا للإصلاح التشريعي. وفوضه رئيس مجلس الدولة الأسبق، المستشار جمال ندا، في تمثيل مجلس الدولة في الندوات والمؤتمرات التي تنظمها وزارة العدل السعودية، والمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية ببيروت، وانتدب لوزارة الزراعة وبعض الجهات التابعة لها طوال عدة سنوات.

وعلى غرار غالبية مستشاري مجلس الدولة، لأبو العزم نجلان يعملان كمستشارين بالمجلس، هما محمود، 33 سنة، ويعمل حاليًا بالمكتب الفني بالجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بدرجة مستشار مساعد، ومهاب، مندوب مساعد معين حديثًا بالمجلس.

في ندوة جمعت دكروري وأبو العزم بالجامعة الأمريكية قبل إصدار قانون الهيئات القضائية، طلب أبو العزم من دكروري عند ترؤسه لمجلس الدولة أن يُفعل مواد قانون المجلس، ويبدأ في إرسال تقريرًا إلى رئيس الجمهورية يتضمن كافة الأحكام والفتاوى التي أصدرها المجلس، إلى جانب تقريرًا مفصلًا عن التشريعات التي عُرضت على قسم التشريع، ومدى استجابة البرلمان والحكومة لملاحظات القسم بشأنها، وهو ما يتوقع أن يبدأ أبو العزم الترتيب له عقب أدائه اليمين الدستورية كأول رئيس لمجلس الدول يختاره رئيس الجمهورية وليس قضاة المجلس.

اعلان