ضد الإعدام.. لماذا؟ ولماذا الآن؟

نتحدث هنا عن عقوبة الإعدام، ليس بغض النظر عما يحدث الآن، بل بالنظر فيه، وتحديدًا في أحكام الإعدام التي علا صوتها مدويًا، بدرجة لا يصلح معها الصمم.

ستة شباب جامعيين يواجهون حكمًا بالإعدام، اتُهموا بقتل رقيب شرطة في المنصورة.

وسبعة آخرون يواجهون حكمًا عسكريًا بالإعدام، اتُهموا بقتل ثلاثة طلاب، بتفجير عبوة ناسفة في كفر الشيخ.

وعشرون متهمًا باقتحام مركز شرطة كرداسة، وثلاثة سكندريين آخرون ينتظرون حبل المشنقة.

استنفد هؤلاء جميعًا كل درجات التقاضي، وهم الآن يساقون إلى الموت سوقًا، بحبل يلف أعناقهم ويُزهق أرواحهم.

لا أظنك تجهل أن هذه الأحكام الصادرة بحقهم، صادرةٌ باسمنا جميعًا، نحن الشعب، فالأصل أن القاضي ينطق بالحكم ليقيم العدل في المجتمع نيابةً عنا، وهو ما يجعلنا مسؤولين معه، بدرجة أو بأخرى.

وإزاء هذه المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعًا، يجدر التذكير بعدد من الحقائق في قضية عقوبة الإعدام التي أثارت جدلًا في العالم كله، ولا تزال إلى الآن.

الحقيقة الأولى هي أن الإعدام عقوبةٌ لا رجعةَ فيها، رغم احتمالات الخطأ في الأحكام، حتى في أكثر النظم القضائية كفاءة ومهنية، لكن اكتشاف الخطأ بعد تنفيذ الحكم، لا يعيد الراحلين عبر المقصلة.

تلك الحقيقة دفعت دولًا لتبني وقف هذه العقوبة، بعد أن وقعت في لعنة تجارب إعدام لأبرياء، بأحكام ثبت الخطأ فيها لاحقًا.

في أمريكا عام 1944، وفي زمن تفشت فيه عنصرية البيض، صدر ونُفذ حكمٌ بإعدام الفتى الأسود جورج ستني، صعقًا بالكهرباء، لاتهامه بقتل فتاتين من البيض.

وبعد ستين عامًا، أي في عام 2004، بعد أن جرى في نهر السياسة والمجتمع الأمريكيين ما جرى، قررت شقيقته فتحَ القضية مرة أخرى، وبعد بحث لمدة عام، تبين أن جورج قُدّم كبشَ فداء للشرطة التي فشلت في العثور على القاتل. لكن ماذا يُفيد الفتى المغدور أن تثبت براءته بعد إعدامه بسبعين عامًا؟

وفي بريطانيا، عام 1950، اقتيد تيموثي إيفانز إلى كرسي الإعدام، بتهمة قتل زوجته وابنته الرضيعة، رغم إصراره على براءته من الجريمة حتى الرمق الأخير، وهي البراءة التي لم تظهر إلا بعدها بثلاثة أعوام، حين انكشف أمر جاره جون كريستي، الذي واصل ارتكاب جرائم قتل مماثلة، شكلت مفتاحًا أمام العدالة.

قصة إيفانز المثيرة في تفاصيلها، باتت مادةً ثريةً للأعمال الفنية، آخرها الفيلم الذي أنتجته مؤسسة بي بي سي عام 2016 بعنوان «بيت ريلنجتون.. Rillington Place»، كما أنها القصة التي كانت سببًا رئيسًا في وقف عقوبة الإعدام في بريطانيا.

أٌعدم إيفانز بريئًا، كما أُعدم ستني من قبله، وفق أحكام كاذبة خاطئة، ولم يعودا إلى الحياة يوم تصحيحها.

الحقيقة الثانية، هي أنه إن كان خطأُ الحكم احتمالًا في قضاء العالم الأول، فإنه احتمال أكبر في قضاء وقدر العالم الثالث، وهو ما يجيب على سؤال المقال: لماذا الآن؟

في 17 مايو عام 2015، نُفذ حُكم بإعدام ستة مدنيين، اتُهموا باستهداف حافلة جنود، في قضية عُرفت باسم «عرب شركس».
وبعدها بيومين فقط، وفي فعل أقرب إلى العبث، كانت محكمةُ القضاء الإداري، تقبل دعوى تطالب بوقف قرار إعدامهم، وتحدد جلسة لنظر الدعوى.

يُقال بأن العدالة غير الناجزة ظلم، فما بالك إن كانت غير ناجزة وقاتلة كذلك؟

وفي مارس 2014، أصدرت محكمة بالمنيا حكمًا أول درجة، بإعدام 529 شخصًا، فيما عرف بقضية «أحداث العدوة»، ولكن في آخر سُلم درجات التقاضي، ألغت محكمةُ النقض هذه الإعدامات جميعها، وهو أمر إن كان يُحسب إيجابًا لمحكمة النقض، فإنه يُحسب سلبًا لقضاة أول درجة، إذ يشير إلى مدى البون الشاسع بين مفاهيم القانون والإجراءات والتقاضي عند المحكمتين.

والحقيقة الثالثة أن الاعتراف أمر سهل تحت وطأة التعذيب، ولا أدل على ذلك مما جرى في قضية مقتل النائب العام، حين واجه القاضي متهمًا باعترافاته، فرد عليه المتهم بكل هدوء، طالبًا منه توفير صاعق كهربائي له فقط، وسيكون قادرًا على نزع اعتراف أي شخص من الحاضرين بقتل السادات نفسه، لا النائب العام فقط.

يدل هذا الجواب على حجم ما تعرض له المتهمون من تعذيب أنتج اعترافًا لا يُبنى عليه قرار، ومع هذا فإن ثلاثين من هؤلاء المتهمين ينتظرون الآن رد فضيلة المفتي في الحكم بإعدامهم.

قديمًا أيضًا، وتحديدًا عام 1998، صدر حكمٌ بإعدام ممرضة بالإسكندرية، تدعى عايدة نور الدين، لإدانتها بعد الاعتراف، بتعمد قتل مرضى، عبر إعطائهم عقارًا مٌرخيًا للأعصاب دون حاجة.

لكن قبل تنفيذ الحكم، وبينما هي حبيسة، ظهرت حالات قتل بنفس الطريقة في المستشفى التي تعمل بها، وبناءً عليه أُعيدت المحاكمة، فأكدت أنها أدلت باعترافها بعد التعذيب، وانتهى الأمر بتخفيض تهمتها من القتل العمد، إلى الإهمال المفضي إلى موت، وبالتالي تخفيف العقوبة من الإعدام إلى السجن، والفرق بين الحكمين هو الفرق بين الحياة والموت.

الحقيقة الرابعة والأخيرة موجهة لأولئك الذين قد يستدعون نصوصًا دينية، كآيات القصاص، برهانًا على صحة موقفهم، في تأييد استمرار عقوبة الإعدام، متصورين أن في إزهاق الأرواح على أعواد المشانق قربى لله، وهي نصوص لا شك في قداستها، ولا في صحتها، لكن المشكلة تكمن في استدعائها هنا في واقعنا، ما يجعلها استدعاء في غير موضعه، وفي هذا شرح كثير، لكني أختصر القول بأن التشريع الجنائي في الإسلام، يستند على مبدأين أساسيين؛ أولهما درء الحدود بالشبهات، كما في الحديث، وثانيهما القاعدة الذهبية؛ خطأ الإمام في العفو خير من خطأه في العقوبة.

ولا يجب أن ننسى أن العقوبة هنا، كما أشرنا آنفًا، عقوبة لا رجعة فيها، وإن وقعت لا تُصحح، فالقادر على تصحيح الأحكام، ليس قادرًا على إخراج الحياة من الموت.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500