«هذا المساء»: لنرى أبعد مما نراه في الواقع

في كتابة الحوار السينمائي، يعتبر رد الفعل غير المتوقع وسيلة هامة وذكية للدلالة على حزن أو قهر أو غضب مكتوم يعقبه انفجار عنيف. المثال الشهير على رد الفعل غير المتوقع؛ هو الزائر المفاجئ الذي يخبر الأم أن ابنها الوحيد تُوفي في مكان عمله، ولكن الأم تصمت للحظات وتدعو الزائر للعشاء أو شرب كوب شاي لأنه قادم من بعيد.

في مسلسل «هذا المساء» يخبر  سمير «أحمد داوود» شريكه في العمل وصديقه سوني «محمد فراج» أن عبلة «حنان مطاوع»، وهي المرأة التي يُحبها سوني، سوف تتزوج من أكرم «إياد نصار»؛ يصمت سوني للحظة، ثم يبارك بابتسامة مفتعلة، وينتقل للحديث في موضوع آخر. هذا المشهد، رغم سرعته، تجسدت فيه براعة العناصر الثلاث الرئيسية في «هذا المساء»: النص والإخراج والتمثيل. فالحوار الذكي وتجسيد محمد فراج البارع كانا يُنبئان بأن سوني على وشك الانفجار، بالإضافة لإخراج تامر محسن الذي اختار حدوث هذا المشهد في السينما المهجورة المظلمة.

لطالما كانت العلاقة بين الفن والانحياز الأيدلوجي ملتبسة، فكل الأعمال الفنية منحازة، ولكن تظل الوسيلة الأمثل للتعبير عن هذا الانحياز، هي الابتعاد عن الحوارات والمونولجات المباشرة، لأنها تحول العمل الفني لدرس في الأيدلوجية أو تعبير سطحي عنها، واﻷبقى هو اﻷسلوب السردي الذي يجعل الإنسان وتعقيدات شخصيته، وحيرته في رحلة البحث عن ذاته، هم الموضوع اﻷساسي.

وفي «هذا المساء»، عَبَرَ مؤلفو ومخرج المسلسل عن انحيازهم دون اللجوء لأي من الأساليب المباشرة. المسلسل يدور حول عدة موضوعات، أهمها حيرة الإنسان المصري وبحثه عن ذاته المفقودة، وخلال اﻷحداث تظهر الاختلافات في طريقة بحث أبناء كل طبقة عن الأخرى، مع حدوث لحظات التقاء.

تمييز عابر للطبقات

وعلى جانب آخر، يمثل المسلسل نقلة هامة في طرح قضية التمييز ضد النساء في الفن المصري، فهو يعرض علينا حياة مجموعة من النساء والفتيات من طبقات مختلفة؛ نايلة «أروى جودة» وهند «سمر سامي» وسارة «هاجر أحمد» من الطبقات الأغنى، وعبلة وتقى «أسماء أبو اليزيد» وأم عبير «زينة منصور» من الطبقات الأفقر.

يفكك المسلسل المعتقد السائد أن النساء في الطبقات العليا لا يتعرضن لتمييز، نايلة مثلًا تحاول علاج فتور علاقتها مع أكرم، لكنه يخونها ويتزوج عليها لإرضاء نزواته الطارئة. كانت نايلة هي الأكثر عقلًا، هي التي حاولت إيجاد حلول لتجديد حبهما، ولكن كان أكرم فاقدًا لعقله، ويري -حتى لو لم يعترف بذلك- أن إرضاء نزواته حق مقدس.

أما  حازم «هاني عادل»، الذي يعامل سارة بشكل أقرب للعبودية، فيُخفي علاقته بها عن جميع الأشخاص، ويتعمد إهانتها وعدم الاهتمام بها، حتى يحافظ على صورة الإعلامي الخلوق لدى العاملين في المحطة والجمهور. فيما يماطل شريف «باسل الزارو» في الزواج من حبيبته المخلصة، ثم ينفصل في نهاية المسلسل عنها، لأنه أقام معها علاقة جنسية.

إذن نساء هذه الطبقة لديهن الحرية في الملبس، ولن تتسبب ممارستهن للجنس خارج منظومة الزواج في قتلهن، ولكن لن تختلف نظرة أغلب رجال هذه الطبقة عن رجال الطبقة الأفقر، فقط ستكون أقل في لجوئهم للعنف المباشر.

أما نساء الطبقات الأفقر في المسلسل، كان التمييز ضدهن أكثر عنفًا وقسوة، وأي محاولة للخروج عن السياق الاجتماعي المحدد لهن قد تؤدي لتدمير حياتهن. وهن أكثر عرضة واستجابة للابتزاز الجنسي، كما حدث للنساء اللاتي يتلصص سوني عليهن، وكما في قصة تقى، التي لولا مساعدة سمير «أحمد داود»، لربما كانت استسلمت لابتزاز فياض «محمد جمعة».

سمير الذي بدوره وَقَعَ في حيرة إزاء تقى، فهو محمل بأفكار مجتمعه التي تُدينها، وفي نفس الوقت يتعامل في عمله مع أفكار أخرى، بالإضافة لماضيه الذي يجعله أكثر تعاطفًا مع تقى. نظرة رجال هذه الطبقة للنساء تتجسد في سوني، الذي نَصب نفسه مُراقبًا، ومَن يكتشف سوء سلوكها، طبقًا لوجهة نظره، يستغلها إذا راقت له عبر التهديد بفضحها، ثم يتركها، دون أن يتوقف عن مراقبة سلوكها.

وفي المقابل نجد عبلة التي تقرب منها أكرم إرضاءً لنزواته فقط، كانت إجراءات زواجهما مهينة لها حتى لا تكشفه نايلة، ورضيت عبلة بكل هذا لأنها لأول مرة تشعر بأن هناك رجل يحن عليها ويقدرها، فكما قالت: «الست عندنا هي اللي بتحب على إيد جوزها».

عمل حافل بالتفاصيل

يهتم المسلسل بالأبعاد المختلفة لشخصياته، فهو لا يقدم شخصيات طيبة أو شريرة، وهذا ما جعلنا كمشاهدين على اتصال روحي بكل شخصيات المسلسل. ميزة الدراما التقدمية أنها تعرض عليك أبعد مما تراه في الواقع. مثلًا، شخصية سوني مع كل خطاياها، يوضح  المسلسل بحرفية دوافعها دون تبرير؛ فسوني، كما قال في الحلقة الأخيرة، يشعر بعقدة النقص تجاه صديقه الأقرب سمير. هو يفتقد للجاذبية ووجود أحباء ومخلصين له، يحاول جذب الانتباه بكل طريقة منذ صغره، ويرى في الزواج من إنسانة سوية كعبلة، ثم تقى فرصة أخيرة ليكون إنسانًا جيدًا، لذلك رفضه من قبل الاثنتين  قفل جميع الأبواب في وجهه، مما دفعه لمحاولة تدمير كل من حوله.

وللمفارقة أنه أثناء تشاجر سوني وسمير في قاعة السينما في الحلقة 28، قال سوني الوصف الأفضل لسمير، فالأخير رغم خطاياه، التي أدت لمقتل أم الطفلة نور «ملك عاصم»، لكن قدراته الشخصية وجاذبيته وذكائه دائمًا ما كان يعطيه فرصة أكبر حين يريد التوبة عن تلك الخطايا، التي لم تنته تمامًا، عكس ما يدعي، فهو ما يزال يتجسس على نايلة.

أما أكرم، الذي كانت رغباته في البداية متفهمة حتى في إعجابه بعبلة، ثم تتحوّل تدريجيًا لكراهية بسبب أنانيته المفرطة، يستعيد في المشهد قبل الأخير بعض التعاطف بنظرة واحدة منه لصورة أبيه المتوفي وهو يقول: «أنا وصلت إني أبقى أصغر مدير تنفيذي للمجموعة، تمام؟».

ربما ما يميز هذا المساء إنه نص حافل بالتفاصيل المميزة ولا تكفي مقالة واحدة لذكرها، فكل حلقة مليئة بأدق التفاصيل. ويأتي الحوار غاية في العذوبة والواقعية؛ فكل الجمل واقعية ومناسبة لشخصية وطبقة وتربية قائلها، ولكنها في نفس الوقت مكتوبة بعذوبة شديدة، حوارات سوني لتريكة ولسمير في المشهد الأخير مثلًا، وأغلب حوارات سمير وعبلة.

نأتي لتامر محسن والذي يقوم بالدور الحقيقي للمخرج. للأسف قليل من المخرجين في مصر هم مَن يقومون بمهامهم على أكمل وجه، حيث اقتصرت أدوار أغلب المخرجين على مهمة تحديد زاويا التصوير واختيار بعض الأدوار الثانوية، في ظل سياسة سيطرة النجم التي يتبعها المنتجين، والتي حولت السيناريو لـ«ورق» والمخرج لصاحب زاويا التصوير، لكننا رأينا بصمة تامر محسن في المعالجة الدرامية، والتي قام بكتابتها وتابع مراحل تطوير السيناريو مع محمد فريد وورشة الكتابة؛ المسؤولين عن الشكل النهائي للسيناريو.

ورغم أن كل الأبطال الرئيسين للمسلسل من الممثلين الموهوبين، لكن الموهبة وحدها لا تكفي دون مخرج يقودهم ويجعلهم معايشين لشخصياتهم. اختيار تامر لبعض الممثلين الشباب وأبطال الأفلام المستقلة مثل أسماء أبو اليزيد ودنيا ماهر (هدير في المسلسل) وغيرهما. ظهور أسماء بهذا الإتقان لشخصية تقى، دليل على موهبتها وبُعد نظر محسن ورغبته في التجربة والمخاطرة مع وجوه جديدة. كما فعل مع سهر الصايغ، في مسلسله الأول «بدون ذكر أسماء»، وجميلة عوض في «تحت السيطرة».

أما من حيث الصورة، ينتمي محسن للمدرسة الواقعية، حيث يهتم بإظهار أدق تفاصيل كل بيئة، وهذا ما رأيناه في دقة تصويره للحارة الشعبية، فمثلًا محل الموبايل نجد عليه الإعلانات الملصقة على زجاج الواجهة، المسمط والكراسي والطاولات المعدنية، ألوان الحوائط والأثاث في الشقق، والسينما المهجورة، التي استلزم إيجادها السفر لبني سويف. أما في عالم أكرم ونايلة فقد ظهر البذخ في الديكورات وأشكال الترفيه والحفلات، وأماكن السفر داخل وخارج مصر. وصُورت الكثير من المشاهد في أماكن حقيقة لتدعيم الرؤية الواقعية.

لم تكن عناصر المشهد (حركة الكاميرا والألوان والصوت) ثابتة طوال الأحداث، فقد كانت تتغير تبعاً للحالة النفسية للمشهد. فمثلًا أغلب مشاهد بيت سمير، التي كانت مليئة بالتوتر، صُورت بكاميرا محمولة hand held لتعكس حركتها إحساس التوتر. مشاهد بداية تعرف أكرم وعبلة كانت الكاميرا ثابتة والألوان دافئة لتعكس إحساسهما بالقرب. أما في مشاهد فتور العلاقة بين أكرم ونايلة أُستخدمت الألوان الزرقاء القاتمة، والإضاءة من مصادر ضوء قليلة لإعطاء إحساس الحزن والبرودة. اختيار السينما كمكان يستخدمه سوني للتلصص على حياة الآخرين اختيار ذكي. كل شيء في الصورة كان مقصودًا، حتى في اختيار الأغاني القديمة في خلفية المشاهد، وهذه الدقة تحسب لتامر محسن، وتضعه ضمن قائمة أفضل مخرجي مصر حاليًا، ليس بسبب تجربته في هذا المساء فقط، ولكن في «بدون ذكر أسماء» و«تحت السيطرة» أيضًا.

مسلسل «هذا المساء» أثبت نفسه كأفضل مسلسلات هذا العام، وربما يكون الأفضل والأكثر إتقانًا منذ سنوات طويلة. وهو عمل لديه رؤية فكرية تقدمية، وعرضه وسط موسم فاتر مليء بالأعمال ذات التصورات الرجعية أنقذ الموسم من الضياع الكامل.

تحية لتامر محسن ومحمد فريد والكُتّاب الشباب وطاقم التمثيل، ونتمنى لهم الاستمرار بنفس هذه القوة.

اعلان