فالتر بنيامين وسؤال المستقبل

 
 
«الموت هو الوعد. الموت هو الاستثمار وهو غاية الأمل. الموت هو أفضل مستقبل يمكن للرأسمالية أن تؤمنه لنا»
 
بيفو (فرانكو بيراردي) – بعد المستقبل
 
 
يبدو للوهلة الأولى أن التفكير في المستقبل عند بنيامين بمثابة صيغة مستحيلة، نجده ينذرنا في الهوامش الإضافية من مقاله «حول مفهوم التاريخ»، بأن اليهود يحرمون على الناس الاستعانة بالمنجمين لقراءة الطالع واستشراف المستقبل، لأن الغيب في علم الله وحده وخارج عن إرادة البشر. وفي مقابل حرمانية التنبؤ بالمستقبل كانت التوراة والمزامير تحثهم على التذكر الدائم.
 
يتطلب فعل التذكر تحويل بوصلة الحياة إلى حالة من الانتظار وترقب الوعد المسيحاني، ولكن حالة الانتظار تلك لا تعني بالضرورة الاستسلام ورفض الفعل. فمن خلال فعل التذكر يكتسب الزمن بعدًا خلاصيًا، لتصبح كل لحظة بمثابة البوابة التي قد يدلف منها المسيح المنتظر في أي وقت.
 
في مقال سابق أفردت نقد بنيامين للتاريخانية، والتي رأى أنها تفرغ الزمن من مضمونه وتحوله إلى وحدات متتالية رتيبة وأحادية. فصلت التاريخانية التاريخ عن أي غاية نهائية (إسكاتولوجية) من خارجه، ليصبح هدفًا في حد ذاته. بصيغة أخرى، فقد تحول التاريخ إلى ساحة التحقق الدائم للوعد المسيحاني وفقًا لسيرورة دائمة نحو الكمال اللا نهائي. وأصبحت سيرورة التاريخ في حد ذاتها مرتبطة بالتقدم والتبشير بمستقبل واعد. طبقًا لذلك المنظور، تؤجل التاريخانية مظلوميات الماضي وإمكانيات الحاضر وتصادرها لحساب المستقبل، وكأن سيرورة التاريخ تملك أداة انعتاقية تخصها، تمحو أي خطأ سابق وتدمجه في مسار أشمل من لحظة الخطأ العابرة.
 
من منظور الفكر التاريخاني، فأي كارثة ومظلومية تاريخية لها ما يبررها ويمحوها باسم «التقدم» أو «الضرورة التاريخية»، ولذلك رأى بنيامين أن الفكر التاريخاني له أثاره الواضحة على رؤيتنا للتاريخ وإحساسنا الفقير بالزمن المعاش. إذا رجعنا إلى صورة «المَلاك الجديد» للرسام بول كلي التي استقى منها بنيامين رؤيته النقدية للمدرسة التاريخانية، فسنرى وجه الملاك مذعورًا يحاول جاهدًا ضم جناحيه في مواجهة عاصفة التقدم العاتية، ليتوقف ويتبين أثار الحطام في التاريخ. يطرح بنيامين منهجًا مغايرًا من التأريخ، في مواجهة الفكر التاريخاني وسردية التقدم المبطنة فيه، منهجًا معنيًا بأدق التفاصيل الغائبة عن السرديات التاريخية الرسمية.
 
المؤرخ المادي بحسب بنيامين أقرب لـ«مدون أحداث.. chronicler»، ويهتم بتبويب أدق التفاصيل اليومية التي ستُطمس أو تُتجاهل لأنها لا ترقى لمصاف التاريخ، وبذلك تصبح مهمة التدوين تلك أقرب لمهمة خلاصية (ألا تشبه وظيفة المؤرخ هنا مهمة ملكَيْ اليمين واليسار في الخيال الإسلامي، واللذين يدوّنان أعمال الفرد منا؟) وكأن المدون لن يترك شيئًا أو حجرًا دون أن ينطق بمظلوميته (أو كما يقول بنيامين: «كل ساعة هي بمثابة يوم الساعة»).
 
يعلق المؤرخ والفيلسوف الألماني اليهودي، يعقوب تاوبس، على علاقة اللاهوتي باليومي كما تظهر في الأطروحة الثانية من مقال بنيامين، بأن موقع اللاهوت في فكر بنيامين يتألف من «إحالات لحياتنا الطبيعية كالسعادة أو تنفس النساء، فيلمع من خلالهما هدب ما (أو بالأحرى يلمع هنالك هدب ما). شيء لاهوتي يشكل ذاته ضمنيًا في تلك التجارب الطبيعية ويوجزه بنيامين بعد ذلك في فكرة تحمل اسم القوة المسيحانية الواهنة».
 
وكأن شذرات المقدس منثورة في اليومي، في أبسط الأعمال اليومية، في حكايات النساء العابرة والتي تنجو، رغم هشاشتها، من زمن الحروب والأهوال (أو كأن النساء يكثّفن تلك «الأحداث» في تضفيرة الحكاية). ولذلك يمكن القول إن مساءلة السردية التاريخية الرسمية، وزعزعة التراتب الزمني الخطي، وتضفيره في زمانية مغايرة، هي من المهام الثورية للطبقة العاملة (والطيف الواسع من المهمشين معهم) من جانب، والمؤرخ المادي (المدوّن) من جانب آخر.
 
الطبقة العاملة تقاتل بكل ما أوتيت من قوة داخل الصراع الطبقي، تقاتل كأنها الوريثة والمنتقمة لكل الهزائم السابقة في التاريخ (وكأنها تثأر لكل هزائم الخاسرين في التاريخ بعد إيقاظ أرواحهم). بحسب بنيامين، تحارب الطبقة العاملة من أجل نَفْض التراب عن المظلوميات السابقة.
 
هنا تظهر فكرة الأنسال والتجربة المسيحانية الواهنة التي قد نتوارثها، ولكننا لا نمتلكها. تلك القوة المسيحانية التي تسمح لكل جيل بإيجاد نافذة للخلاص في لحظته الراهنة واقتناص الجديد، من داخل سيرورة المتكرر والمتشابه في الزمن، وبإحياء الماضي و«تفخيخه» خارج رتابة مسار الزمن الخطي.
 
في مواجهة التاريخانية ومركزية صيغة المستقبل فيها، كان بنيامين يسعى للتأكيد على فرادة اللحظة الراهنة وإمكانية انفتاحها على بعد خلاصي تستدعي وتشفع فيه لمظلوميات الماضي.
 
بنيامين كان يكره الشعارات من نوعية «العمل من أجل الأجيال الجديدة» أو «من أجل أطفال المستقبل» وكان يراها وسيلة من وسائل ضغط الدولة وأصحاب الأعمال في زمنه على العمال للقبول بالوضع الراهن. بمعنى آخر، تبتز الرأسمالية الطبقة العمالية وتدخلها فى صراع بقاء يومى وتحول أي إمكانية لحياة أعدل إلى قضية مؤجلة دائمًا باسم «المستقبل المبشر»، كما تقطع صلة الأنسال ببعضها البعض، بمعنى إنها تصادرعلى أى محاولة لاستدعاء ذاكرة جماعية للمهمشين، حيث تفصل مظلومية كل جيل عن الأخرى، وتطمس جميع تلك المظلوميات فى سيرورة التاريخ ومنطق سردية المنتصرين فيه.
 
لذلك ركّز بنيامين على مسألة التذكر واستدعاء مظالم الماضي للمهمشين فى التاريخ كقضية إشكالية تقتضى تفخيخ السرديات التاريخية الرسمية وكسرمنطق الزمانية الخطية المبطن فى تلك السرديات. ولكن ماذا عن المستقبل؟ هل يمكننا الكلام عن تصور مغاير للمستقبل، خلافًا لصيغته الحداثية (الزمانية الخطية)؟ هل يمكن إنقاذ المستقبل من سردية التقدم ومحاولة إيجاد محل له بشروط أخرى في زمانية مغايرة؟
ثمة إجابة مركبة قد نجدها في قراءة مغايرة لبنيامين للحاضر، كما نعيشه اليوم.

الكارثة الآتية

 
قد نُتهم بالقراءة المتعجلة لبنيامين، ولكن لنتذكر أنه هو ذاته افترض أن الترجمات السيئة (أو الخائنة) للنصوص الأصلية قد تكون أكثر وفاء لها، بمعنى أنها قد تفتح سبلًا أخرى للحياة، وأسئلة مغايرة للنصوص الأصلية (أسئلة قد تتخطى قصد المؤلف وأفقه المنظور). ولذلك أرى أننا يجب أن نقرأ نصوص بنيامين في ضوء اللحظة الراهنة من أجل الوصول لتصور مختلف عن المستقبل. أقترح أن نقرأ بنيامين في مقاربة مع الفيلسوف الماركسي الإيطالي فرانكو بيراردي، أو «بيفو» كما يُعرف في دوائر المثقفين، وهو أحد أهم نقاد الليبرالية الجديدة ومن المناضلين ضدها.
 
بدأ بيفو مناضلًا في إيطاليا في صفوف الحركات الماركسية الراديكالية المعروفة بـ «الألوية الحمراء» في السبعينيات، وبعد القبض على أعضائها انضم إلى جماعة «أوتوماتا» التي كانت معنية بنقد الميراث الستاليني السلطوي لليسار في الستينيات.
 
يربط بيفو مفهوم «المستقبل» كصيغة زمانية بالحداثة. ويقصد هنا السردية الكبرى الموروثة من عصر التنوير الأوروبي، والقائمة على الإيمان بالعلم الحديث والعقلانية وحتمية التقدم اللا متناهي. كانت تلك الرؤية تشكل وعي الإنسان وأفقه المعرفي من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. تتصور تلك السردية المستقبل بوصفه أشبه بسيرورة لا نهائية نحو الكمال. من منظور بيفو، ورثت الماركسية تلك الرؤية للمستقبل، كصيغة زمانية مبشرة بالتقدم والارتقاء البشري. ولكن مع تحولات الليبرالية الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي تغيرت الفكرة عن المستقبل بوصفه معقدًا لآمال البشرية وغاية للفعل التاريخي البشري، وأفضت الى حالة من عدم اليقين المطلق.
 
أدى صعود الإدارات الجديدة (تاتشر في بريطانيا، وريجان في الولايات المتحدة) بالسلطة أنذاك لتفكيك دولة الرفاه الأوروبية وإضعاف التنظيمات العمالية القوية التي كانت قد كسبت معارك مهمة أمام التكتلات الرأسمالية في العقود السابقة. وأهم ما فعلته تحولات الرأسمالية في نسختها الأخيرة، الليبرالية الجديدة، هو عولمة رأس المال وتدفقاته، بالإضافة لإسهامها في بزوغ الرأسمالية المالية التي أصبحت الأرضية الجديدة للتراكم الرأسمالي. بصيغة أخرى، أصبحت الرأسمالية المالية تحدد قيمة الأصول والمنتجات والخدمات من خلال سوق المضاربة العالمي ومؤسساته المالية، وبالتالي أصبح لها عالمها المنفصل عن الرأسمال الصناعي، لتحوّل كل الأصول والمنتجات والخدمات إلى علامات مالية مستقلة عن مرجعها في العالم المادي (سواء كانت على شكل أصول أو منتجات). شروط عالم الرأسمالية القديم القائم على منظومة «صاحب العمل والمصنع والعمالة والمنتج النهائي» تغيرت لحساب شبكات عالمية من المضاربين والمؤسسات المالية، ما جعل أشكال المقاومة العمالية القديمة، من تنظيم وإضرابات، غير مجدية بحسب شروط الرأسمالية الجديدة.
 
أدت سياسات الليبرالية الجديدة إلى تحولات عميقة في البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، ما أثّر بدوره على الإيقاع الزمني اليومي الذي ربطته الحداثة بوعينا الحاضر، وكأن الزمن «انفلت من عقاله»، بتعبير هاملت. فبدلًا من الزمن الخطي الذي كان يغلف حيواتنا أصبحنا نعيش في منظومة من الإيقاعات الزمنية المتباينة والمكثفة، لينفرط أيضًا الواقع، كما كنا نعيه، وتتعدد مستوياته.
 
قد نكون نعيش في مرحلة مشابهة للمرحلة التاريخية التي كان ينقدها بنيامين قبل الحرب العالمية الثانية، بينما يرى الحضارة الأوروبية تنهار في وقته، لكن مع اختلافات جوهرية. فالمستقبل يبدو لنا الآن كصيغة زمانية انهارت، وكأننا نسير بخطى ثابتة نحو كارثة محققة بلا بدائل لتوقفها. تبدو الليبرالية الجديدة بلا أفق وبلا بدائل، وكأنها كابوس سرطاني يستحوذ على القادم، أو كأن ملاك التاريخ تحمله الرياح هذه المرة لمواجهة مباشرة مع الكارثة، بل تقوده إلى عين العاصفة (أو بالأحرى إلى ثقب أسود على وشك ابتلاع العالم).
 
الرأسمالية في نسختها الأخيرة أشبه بآلة لا تتوقف، بل تذلّل كل ما يعترضها وتحوّله لجزء من منظومة عملها. وفي آخر محاولة لوقف منظومة عمل الليبرالية الجديدة، حاول العديد من المهمشين تفخيخ الجسد البشري حرفيًا لمواجهة تلك الآلة، في محاولات أبرزها العمليات الاستشهادية ضد رموز الرأسمالية ومعاقلها في مطلع الألفية. ومع ذلك لم ير بيفو في تلك العمليات بعدًا انعتاقيًا، وإنما كانت في رأيه، ومن دون وعي، تستبطن منطق الرأسمالية الأخيرة في دفع البشرية نحو الموت، والموت هنا هو غاية الليبرالية الجديدة وموضوع رغبتها.
 
ذلّلت مراكز الرأسمالية نتائج تلك العمليات لحساب الآلة مرة أخرى على النحو التالي:
1.قامت بـ«أمننة» (نسبة للأمن) الحياة العامة وتفعيل أنظمة المراقبة في الغرب بصفة عامة، باسم «إجراءات محاربة الإرهاب». استخدمت المراكز الرأسمالية أنظمة مراقبة لتأمين أنماط الاستهلاك داخل تلك المراكز لدحر أي هبّات اجتماعية محتملة ضدها في المستقبل.
2. أما على المستوى العربي، فقد ظلت العمليات الاستشهادية بلا تصور لسؤال الحياة، وبلا تخيل عن إمكانيات الحياة في مواجهة الآلة الرأسمالية أو بدائل للحياة تتجاوز النموذج الرأسمالي.
 
ولكن يبقى السؤال: ما الحل في تصوّر بيفو؟
ينصحنا بيفو بالانخراط في شكل من أشكال السياسة يسميه «سياسة الإنهاك»، وهي محاولة لإيجاد «مناطق آمنة» ترفض مسايرة زمانيات المنظومة النيوليبرالية، وتصلح للانعزال المؤقت حتى يتواجد بديل حقيقي للنظام الرأسمالي، مناطق آمنة يمكن من خلالها تحقيق حد أدنى من الاستقلال عن سعار الليبرالية الجديدة التي تفرم الجميع. لا يربط بيفو سياسة الانسحاب بالضعف أو رفض المواجهة، ولكنه يدعونا لخلق مساحات تتيح لنا إعادة التقاط الأنفاس ومحاولة البحث عن وعي جديد وإيقاع زمني أكثر إنسانية من زمانية الليبرالية الحديثة الحاكمة. السياسة من ذلك المنظور أشبه بالبحث عن مخرج آمن من العالم بإيقاعه وقواعده الحالية.
 
ولكن هل يمكن تطبيق ذلك التصور على الثورات العربية؟ بصيغة أخرى، هل كانت الثورات العربية في لحظاتها العديدة مجرد وقفة قبل المنحدر (أو إنذارًا مبكرًا قبل السقوط النهائي) بلا أفق أو تصور بديل؟ فلنترك الإجابات هنا للتاريخ.
 
بعد نحو خمس سنين من الثورات العربية تعلمنا ألا مناطق أمنة هناك، أو أوقات مستقطعة في المعركة الوجودية، بالذات في مواجهة آلة حرب مثل الألة الأسدية والصهيونية، التي تتمنى حرق الأرض بما عليها، لتخلق شعوبًا جديدة أكثر انصياعًا وموالاة لها. ولذلك أعتقد أننا، أي القطاع الثوري، بمثابة ورثة لتركتين متناقضتين يمكن الاسترشاد بهما في تلك المرحلة الحالكة من الثورات العربية أو مما تبقى منها، فمن جانب يمكن الاسترشاد بمجازات بنيامين عن الحياة اليومية؛ اللحظة الراهنة كمكان يحمل شذرات المسيحانية الواهنة والمفتوحة دومًا على إمكانية الخلاص، ومن الجانب الأخر نأخذ من ميراث العمليات الاستشهادية فكرة خوض الحياة كأننا على شفا الموت، بطريقة تشحذ الذات والجسد نحو الاستعداد الدائم للموت كأنه لحظة عابرة، كأننا نحيا في حالة ترقب واستعداد دائمين. أي أننا في كل لحظة نعد أنفسنا لحدث ما، ننتظر ثغرة ما في الزمن، نعمل من أجلها سرًا، نستسلم لها حتى لو لم تحدث وفقًا لأهوائنا، أي حتى لو لم تتخذ شكل ثورة يناير ونموذجها.
اعلان
 
 
فؤاد حلبوني