Define your generation here. Generation What

تدوينة عن «صيف الحب»: نكسة أمريكية مختلفة في يونيو 67

لم تؤثر فيّ كثيرًا ما تُعرف بـ «نكسة 67»، ولم أعرف السبب إلا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. لم أضبط نفسي مرة مدندنًا بأناشيد الهزيمة وحرب أكتوبر، وكنت أنفر من أغاني الشيخ إمام السياسية الساخرة، رغم إعجابي بجسارته وقدرته على امتلاك ناصية الغناء التعبيري.

غيّرت ثورة الخامس والعشرين من يناير في جيلي. وُلد لدينا حلم الحرية والعدل والكرامة للجميع، رأينا السلطة شرًا مطلقًا، وباتت التساؤلات الأكثر إلحاحًا على الجيل المشارك في الثورة: كيف نعمم اللحظة؟ كيف نحوّل العالم من خريطة تقسّمها الحدود إلى أرض مفتوحة للجميع؟ كيف نحوّل العداءات بين الناس، والتي تحركها الاختلافات الدينية والوطنية والطبقية، إلى محبة وصداقات، تمامًا مثلما حدث في الخامس والعشرين من يناير؟

من هذه الزاوية أرى عصر الستينيات بعيدًا عما حدث في بلدي، اعتبرته عصر الوعي وبروز الحلم الجماعي بالحرية المتجسدة في مجتمعات الهيبيين. في هذه السنوات (1960-1967) اختبر البشر تجربة عقار «إل إس دي» المعروف بـ«الأسيد»، وفي هذه السنوات كانت شوارع أوروبا وأمريكا تكتظ بأناس يحلمون بالحرية والمساواة، ولهم رؤية معادية للسلطة، ليس لفساد فيها، ولكن لمجرد وجودها، في هذه السنوات حلم البشر بشكل جماعي، ببلاد يحل فيها محل الشرطة التضامن الإنساني بين العائلات والأصدقاء وتجمعات الحي الواحد.

عندما أسمع تاريخ 1967 تخطر على خيالي مباشرة مجتمعات الهيبيين، الجيل الأول الذي حلم بالحرية، وشعر بالأخوة الإنسانية، وأجدني أدندن مع رود ريجيز الذي بدأ نشاطه الغنائي في 1967:

I kiss the floor, one kick no more

The pig and hose have set me free

I’ve tasted hate street’s hanging tree

I’ve tasted hate street’s hanging tree

أقبل الأرض، ركلة واحدة لا أكثر

الخنزير والخرطوم حرروني

لقد ذقت كراهية الشجرة المعلقة في الشارع

لقد ذقت كراهية الشجرة المعلقة في الشوارع

هذه الأغنية تتحدث بشكل صريح عن «نكسة 1967 الأمريكية»، عن فض الشرطة الأمريكية لتجمعات الهيبيين في إحدى المناطق الراقية «هيت ستريت» بسان فرانسيسكو، وهي لحظة لا يزال البعض حول العالم يحييها حتى في سان فرانسيسكو نفسها.

أتذكر هذا الحدث وتلك الأغنية وأنا أستعيد تلك اللحظة التي خنقني فيها الغاز أثناء اشتباكات يوم الغضب 28 يناير 2011، وشعرت بتواصل مع كل ما هو حي، مثل شجرة صغيرة على قارعة الطريق، خُيّل لي حينها أنها ساعدتني في التنفس. شعرت أني والشجرة، كلانا نواجه الموت ونكافح من أجل الحفاظ على الحياة، ووجدتني أردد مع رود ريجيز «لقد اختبرت الشجر المعلق في شارع الكراهية». كأن قمع الشرطة المصرية في جمعة الغضب 2011 كان امتدادًا لمشهد قمع الشرطة الأمريكية لمجتمعات الهيبيين في نكسة 1967.

كما لم تكن ثورات الربيع العربي مؤامرة قطرية إيرانية جرى فيها استغلال الشباب المغيب، كذلك لم يكن الهيبيون جماعة إباحية وفوضوية كما وصمها الإعلام في سردياته، بقدر ما كانوا يعبرون عن جيل شاب حالم، ولم يكن حلمهم أمريكيًا أو غربيًا بقدر ما كان حلمًا إنسانيًا، باختفاء الشرطة والجيش وتعميم الإخاء والمساواة والاستمتاع الحر بمباهج الحياة.

يحكي أحد نشطاء الهيبيين أحداث 67، فيقول إن صيف هذا العام كان يسمى «صيف الحب»، وهناك نشأ بشكل تلقائي مثل الفطر والأعشاب عالم صغير حسي مثل الفطر، مقسمًا الثقافة الأمريكية إلى «ما قبل» و«ما بعد» بشكل لا مثيل له منذ الحرب العالمية الثانية، وإذا كان عمرك بين 15 و30 عامًا حينها، فلم تكن لتستطيع مقاومة إغراء التسامي، وجاذبية ما كنا نعتبره موسم السحر والبهجة واليوتوبيا، كما وصف ظاهرة «الهيبيين» التي اجتاحت أمريكا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى بأنها «ظاهرة تغسل أمريكا مثل موجة المد والجزر»، وغيرت بطريقة لا رجعة فيها «طريقتنا في الحياة».

وفي نفس التقرير قالت كارولين جارسيا الملقبة بـ «فتاة الجبل» والتي أنجبت طفلًا من كين كيسي، أحد صناع «صيف الحب»، عن اللحظة إنها كانت «لحظة سحرية.. هذه حركة تحررية، لحظة مشاركة خاصة جدًا، كان هناك كثير من الثقة حولنا».

ماذا حدث في هذا العام؟

في مقال بصحيفة الجارديان للمحرر أليكس نيدهام يقول: «في 12 يوليو 1967 تصدّرت أخبار فض تجمع الهيبيين صحيفة محلية في سان فرانسيسكو، خاصة أن فتاتين من أشهر راقصات الباليه جرى احتجازهما، ووجّهت إليهما السلطات تهمة الحضور في مكان تُدخَّن فيه الماريجوانا، وأطلق سراحهما فيما بعد لعدم وجود دليل على تعاطيهما للمخدر»، وتقول الصحيفة إن الراقصتين كانتا من بين 100 ألف شخص حضروا «صيف الحب» في 1967، التي كانت، بحسب الكاتب، سنة مميزة تصاعدت فيها الاحتجاجات ضد حرب أمريكا على فيتنام في الحرم الجامعي في بيركلي.

وبحسب تقرير الجارديان، فما طُرح في هذه السنة كان رفض المجتمع التقليدي بعنصريته وقمعه وحربه المدنية، لبناء واقع بديل. هذا هو الصوت الذي نقلته فرق موسيقية مثل البيتلز، التي دعت بشكل واضح لثقافة مضادة لتلك السائدة في أمريكا والمشجّعة على الاستهلاك المفرط، والمغذية للفروق الطبقية والعنصرية.

هل نجحت الشرطة في القضاء على فلسفة الهيبيين؟

«كان هؤلاء الهيبيون يتوجهون إلى الريف للعيش بشكل جماعي محاولين تحقيق رؤية مجلة ‘كتالوج الأرض الكاملة’، وهي المجلة التي ظهرت بعد أحداث الفض بعام، وأثّرت على مهندسي الحاسوب الأوائل وألهمتهم فكرة اختراع الحاسوب، ليأسسوا بعدها بذور وادي السيلكون، حيث توجد شركات جوجل وأمازون وفيس بوك الآن»، هذا ما يحكيه مقال الجارديان عن الفترة التالية لفض الشرطة لمخيم «صيف الحب».

يضيف التقرير أن إعادة تصور العالم كشبكة معلومات، وُلدت بذرتها في تلك المجلة التي دفعت بعض علماء الحاسوب لتخيل إمكانات التكنولوجيا؛ عالم جديد يمكن فيه تجاوز الحدود الجغرافية وتبادل المعلومات بين الناس.

في خطاب شهير له أثناء تخرج دفعة طلاب في جامعة أكسفورد البريطانية عام 2005، اعتبر ستيف جوبز، مجلة «كتالوج الأرض الكاملة» التي تأثر بها، أحد الكتب المقدسة لجيله، مشبهًا إياها بجوجل، ومتخذًا من شعار المجلة شعاره في الحياة «ابق جائعًا، ابق أحمق»، وفقًا لما نقله مقال الجارديان.

أما الأنثروبولوجي، وأحد مؤسسي حركة «أوكيوباي» الأمريكية، ديفيد جرابر، فيقول في كتاب «مشروع الديمقراطية» إن رؤية الهيبيين أثّرت على شكل الوظائف، فهذا الجيل لم يعد بإمكانه تخيل كيف يُجبر الناس على العمل في مؤسسات كبرى، معظمها تابع للدولة أو لرأسماليين يحتقرون المبادرات الفردية، ويُجبر معارضو النظام في هذا الوضع على الطرد من العمل، ليجدوا أنفسهم بلا عائد.

الآن، وبعد ظهور الحاسوب الشخصي وشبكة الانترنت، أصبح العالم مفتوحًا بدرجة لا تصدق، وبات مثلًا الكثير من الصحفيين الأمريكيين الأناركيين يعملون لحساب شركات في دول أخرى، غير مقيدين بتقاليد وتوجهات الصحف الأمريكية الكبرى، كما بتنا نسمع عن مصطلح «العمل الحر free lance» الذي يعتمد على مجهود  الفرد ومبادراته أكثر مما يعتمد على الانضباط في المواعيد وتنفيذ أوامر المدراء.

بشكل شخصي، تأثرت بـ«صيف الحب» وأثر في وجداني وثقافتي هؤلاء الهيبيون، ومن اعتنقوا رؤيتهم من الأجيال التالية لهم، أحببت الاستماع لرود ريجيز والبيتلز وبينك فلويد وإيلوي، وغيرت ذائقتي الأدبية والفنية تلك التجربة التي رأيت فيها موسيقى بينك فلويد بعيني، وشممتها تحت مفعول إحدى العقاقير، أو ممارساتي لطقوس روحانية مثل «الكاراكاتا» الهندية، الشهيرة بطقس تأمل الشمعة.

أثّرت فيّ تلك الموسيقى أكثر مما فعلت أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وزملائهما، هؤلاء الذين حملونا بعبء ثقافي يقدس الحزن، وخدعونا، وعلى رأسهم صلاح جاهين، بوهم القومية العربية، وزعامة عبد الناصر. كنت أشعر بالغثيان والاشمئزاز من جيل الستينيات، جيل الهزيمة الذي حوّل 67 إلى موال من المحن المستمر، وكنت أقرأ قصائدهم ورواياتهم مرغمًا بحكم اهتمامي بالكتابة الإبداعية.

على العكس، وجدتني شديد التأثر بكوميكس آلان مور، الهيبي الشهير صاحب «في فور فانديتا» و«وواتش مِن». تعلمت منه أن قناع «في» هو الوجه الحقيقي للبشرية المكبوتة والمقموعة، وأن المقاومة ممكنة، وأننا نكون نبلاء عندما نقاوم، وكنت سعيدًا وأنا أرى أبناء جيلي يرتدون القناع في ميادين الحراك الثوري في السنوات الثلاث التالية لثورة يناير، كما حررتني كتاباته الإباحية من الشعور العميق بالذنب في الاستمتاع بالخيال الماجن.

أما ستيف جوبز وأصدقاؤه في وادي السليكون، فقد أثروا فيّ بشكل أعمق بكثير من مثقفين مصريين عظام لا يزالون يعيشون ما يعـرف بـ«النكسة». لن أنسى الخطاب الذي ألقاه جوبز في السنة التي ولدت فيها 1984، ولدى اختراعه لجهاز الحاسوب، موجهًا كلامه إلى جورج أورويل الذي تنبأ بكابوس سيجثم على البشرية في هذه السنة، وابتسامته الساخرة وهو يتساءل «هل كان جورج أورويل على حق؟».

كانت هذه السنة هي سنة ميلاد الحواسيب الشخصية التي أحدثت ثورة في مجال الوظائف والتفكير.

إذا كنت أرى نفسي وجيلي ممن شاركوا في ثورات الربيع العربي هكذا، فكيف يرانا هؤلاء الهيبيون الذين لا يزال البعض منهم حيًا حتى الآن؟ كيف يرون ميدان التحرير وميادين الربيع العربي؟ بحسب ما يرى جو ماكدونالد، أحد منظمي مخيّم «صيف الحب»، ومغني فرقة «كانتري جو» المصنفة بـ«السايكدليك روك»، فالمخيم هو النمط الأول الذي خرجت منه ثورة ميدان التحرير وسائر الميادين العربية. يقول ماكدونالد: «أصبح صيف الحب قالبًا؛ الربيع العربي مرتبط بصيف الحب، احتلوا وول ستريت مرتبط بصيف الحب».

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين