«سد النهضة»: مسار التفاوض الفني يتعقد في انتظار تدخل سياسي
 
 

تُجري أجهزة  مصرية رسمية مختلفة، حاليًا، تحركات مكثفة بشأن بداية تجمع مياه أمام سد النهضة الإثيوبي، وهو الأمر الذي حَدَثَ دون توجيه إخطار رسمي للقاهرة. فيما قال مصدر حكومي لـ «مدى مصر» إن أديس أبابا قد بدأت إجراء ما يُسمى بـ «الملء المبكر» للسد.

وقال مصدر حكومي، متصل بملف سد النهضة، لـ «مدى مصر» إن تحركات حكومية حثيثة بدأت بالفعل إزاء مسألة السد، والذي يُشارف بناؤه على الانتهاء. وهو الأمر الذي سيؤدي لنقص لا يُستهان به في الحصة التاريخية لمصر من مياه النيل. وقال المصدر، الذي طلب عدم ذِكر اسمه: « نحن اﻵن في مواجهة وضع مختلف عما كنّا نتوقع ونخشى. احتمالية أن تتحرك إثيوبيا بوتيرة أسرع كثيرًا مما يحق لها، وفي هذا السياق نعكف على دراسة رد الفعل». فيما تُعد حصة مصر من مياه النيل غير كافية لسد الاحتياجات المتزايدة للبلاد. ومن المتوقع أن يستمر تناقص المياه لمدة غير محددة بعد فيما يصل حدها الأدنى – بحسب أكثر التقديرات الرسمية تفاؤلًا- إلى خمس سنوات.

وأشار المصدر، الذي تحدث لـ «مدى مصر»، إلى أن التحركات الحكومية تشمل وزارتَي الخارجية والري إلى جانب وزارات أخرى وأجهزة أمنية ومعلوماتية.

وكان حسام الإمام، المتحدث الرسمي باسم وزارة الري والموارد المائية، قد نَفَىَ اليوم، الخميس، بدء إثيوبيا ملء خزان السد. وقال إن كميات المياه التي رُصدت أمام سد النهضة «ليست كبيرة»، وتتزامن مع فيضان النيل الأزرق كذلك. وقد جاءت تصريحات المتحدث الرسمي بالتزامن مع جولة يُجريها وزير الري المصري لتنزانيا وكينيا، العضوتين في دول حوض النيل، لإجراء مشاورات التعاون الثنائي الهادف إلى رفع كفاءة الاستخدام المشترك للموارد المائية.

القاهرة كانت مرنة

وفي سياق متصل تستعد القاهرة لتنظيم اجتماع للجنة الثلاثية لمصر والسودان وإثيوبيا، ومن المتوقع أن يُعقد نهاية الشهر الحالي. وتعمل اللجنة على متابعة الدراسات الفنية الخاصة للسد، وهي دراسات مُلزمة، بحسب اتفاق موقع بين الدول الثلاثة في ربيع 2015. ويُلزم، الاتفاق الثلاثي، دولة المنبع بعدم التقدم في عمليات التشييد إلا بعد الانتهاء من الدراسات، والتأكد من مراعاة أديس بابا لكافة الملاحظات الفنية.

فيما قال مصدر حكومي آخر، على صلة بملف السد، وطلب عدم ذِكر اسمه كذلك، إن «الوقت قد تأخر لمثل هذه التحركات. نحن نتحرك على هذا المسار فقط لضمان الحقوق القانونية في حال ما قررنا اتخاذ إجراءات قانونية أو دبلوماسية، بالنظر لأن إثيوبيا مضت قدمًا في أعمال البناء دون أن تقدم الجهات الفنية خلاصة جُهدها». كما أشار إلى أن القاهرة تعاملت بمرونة كبيرة مع سد النهضة، حسب تعبيره.

ومن المفترض أن يحتجز «النهضة» في خزانه ما يزيد عن 70 مليار متر مكعب، ما يعني اختصام 56 مليار متر مكعب من حصة مصر من المياه. وفيما اختلف الطرفان في الفترة الزمنية المحددة لجدولة الملء، إذ تطرح أديس أبابا أن تكون 3 سنوات، بينما تسعى القاهرة لأن تتراوح هذه المدة من خمس إلى سبع سنوات، بحسب المصدر. وأضاف: «المفاوضات بين الطرفين لا يمكن رؤيتها على أنها تحقق أي تقدم»، مُشيرًا إلى أن هذا كان واضحًا في اجتماعات قمة دول حوض النيل التي استضافتها أوغندا، الشهر الماضي. كما كان ذلك باديًا خلال اجتماع ثنائي عقده وزير الخارجية المصري مع نظيره الإثيوبي على هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأفريقي.

وأوضح: «القاهرة تشعر أنها أبدت الكثير من التفهم لمواقف إثيوبيا ولم تمارس عليها أية ضغوط مبالغ فيها، ومع ذلك فإن إثيوبيا لم تتعامل حتى الآن بما يقابل هذا التفهم».

كما أكد على «فشل» وساطات من جهات عديدة سعت لإقناع أديس أبابا بالتعامل بإيجابية أكثر مع المخاوف المصرية.  فيما رفض التعليق حول ما إذا كانت إسرائيل هي إحدى الدول التي قامت بهذه الوساطات، وكذلك رفض التعليق بشأن موقف السعودية إزاء هذا الملف. بينما اكتفى بالقول إن السودان «لا تقف إلي جانب مصر إطلاقًا، بل تقف فعليًا بجانب إثيوبيا».

تدخل محتمل

فيما قال مصدر دبلوماسي سوداني لـ «مدى مصر» إن «الخرطوم تتفهم القلق المصري، لكنها تجد أن لها مصالح مباشرة وقابلة للتطوير مع إثيوبيا». وأضاف أن القاهرة لا يمكن أن تتوقع من الخرطوم في هذه المرحلة أن تصطف معها بشكل كامل ومباشر.

وأشار المصدر السوداني إلى أن الحليفين الإقليميين الأبرز للقاهرة؛ الرياض وأبو ظبي، هما اللذان يمكن أن يقنعا أديس أبابا بـ «جدولة مناسبة للملء»، بشكل يُقلل حجم الضرر الذي يقع على مصر، خاصة لما تتمتع به كلٍ من السعودية والإمارات من مصالح كبيرة مع إثيوبيا سواء في سد النهضة وفي غيره.

وقد أكد المصدران المصريان على أن مسار التفاوض الفني مع إثيوبيا والسودان لا يبدو مفتوحًا نحو أي أفق جاد. وأشارا إلى أن التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية المصري سامح شكري، على هامش مشاركته في أعمال القمة الأفريقية في أديس بابا، في وقت سابق من الشهر الحالي، يُلخص الموقف بدقة، وكان شكري قد قال: «الأمر أصبح يحتاج إلى تدخل سياسي».

اعلان
 
 
أسمهان سليمان