بين واحة «طاهر» وواحة «أبو ذكري»
 
 

في رواية بهاء طاهر «واحة الغروب»، الصادرة عام 2008، تدور اﻷحداث حول شخصية محمود عبد الظاهر، المستوحاة من سيرة محمود عزمي، الضابط في البوليس المصري الذي عيّنته سلطات الاحتلال الإنجليزي في القرن التاسع عشر مأمورًا لقسم الشرطة بواحة سيوة؛ المنطقة النائية في صحراء مصر الغربية، والذي تكاد لا توجد وثائق تاريخية عن سيرة حياته، سوى ما يربط اسمه بحادث تخريب معبد أم عبيد، الذي استخدم حطامه في تجديد بيت مأمور الواحة.

مستأنسًا بكتابات عالم الآثار المصري أحمد فخري عن واحة سيوة وأهلها، يحيك طاهر في روايته، حول شخصية محمود الغامضة قصة عن الحب والخيانة والموت والاحتلال، وفوق كل شيء، الهوية، منتجًا رواية قوية ذات طابع فلسفي وسرد أدبي اعتمد على لغة بسيطة غير معقدة ومصطلحات مختارة بعناية لإيصال الإيحاءات ورسم الصورة المطلوبة، دون الوقوع في أي فخ من فخاخ التعقيد والعامية. كما يبعث الروح في شخصياته، مستخدمًا مناجاتهم الداخلية لسرد اﻷحداث من وجهات نظر مختلفة.

وفي تحدي صعب ومكلف قامت «العدل جروب» باختيار ذلك النص الجريء لتحويله لعمل تليفزيوني، عُرض خلال شهر رمضان الماضي، وذلك من خلال الثنائي المميز؛ المخرجة كاملة أبو ذكري، ومدير التصوير نانسي عبد الفتاح، بمشاركة الكاتبة مريم ناعوم في الحلقات الثمانية عشرة اﻷولى، ثم هالة الزغندي في باقي الحلقات.

قدم هذا الفريق «كاملة ونانسي ومريم» من قبل أعمالًا سينمائية ناجحة (واحد صفر ويوم للستات)، وأعمالًا تليفزيونية (ذات وسجن النساء) شاركت هالة الزغندي في كتابتهم.

يبدو الإعجاب الشديد من فريق العمل برواية بهاء طاهر واضحًا، وكذلك محاولتهم الالتزام بها قدر الإمكان (صرحت أبو ذكري عن قراءتها للرواية تسع مرات قبل العمل عليه).

لكن خلافًا لرواية طاهر، تبدأ أحداث المسلسل في الحادي عشر من يوليو عام 1882. حين قام الأسطول الإنجليزي بمحاصرة الإسكندرية وقصفها، وشبه تدميرها، في رد على ثورة أحمد عرابي على النظام الحاكم، والتي استمرت من 1879 وحتى 1882.

وسط تلك الأحداث نتعرف على محمود (خالد النبوي) خلال مساعدته للثوار وسط القصف، وهتافه بتأييد الثورة، في مقدمة مثيرة لشخصيته الجريئة المتحفظة، تدفع المشاهد للتساؤل عن ذلك الضابط المصري؛ من هو وما الذي يحارب من أجله، لمَ يساعد الثوار، وكيف ستؤثر تلك الأحداث على شخصيته لاحقًا؟

تبدأ الأحداث بداية قوية لافتة تنجح في تأسيس الجو العام للرواية وحقبتها التاريخية التي تبدأ بسقوط الثورة العرابية، و بداية الاحتلال الإنجليزي الذي استمر 74 عامًا، وفكرة المقاومة المستمرة على مدار الأحداث التالية.

نجح افتتاح المسلسل بحلقتين تتناولان الثورة العرابية وسقوطها في جذب اهتمام المتفرج؛ لاحتواء الأحداث والمشاهد على إشارات واضحة لثورة 25 يناير، وتشابه الأحداث المتعلقة بسقوطها، و هي الإشارات التي انتبه لها أغلبية الجمهور.

بعد تحالف مسؤولي الدولة (بمن فيهم لطفي باشا محافظ الإسكندرية في ذلك الوقت) مع الاحتلال الإنجليزي والخديوي، وإصدارهم أوامر مباشرة للبدو بحرق شوارع الإسكندرية وترهيب أهلها لإحلال الفوضى، يحاول طلعت زميل محمود في الشرطة، والذي شاركه في الثورة، إقناعه بعدم جدواها وضرورة التبرؤ منها بعد سقوطها. راصدًا الحال التي آلت إليها الأمور، حيث أصبح الشعب يلقب الثوار بالخونة، والثورة بـ «الهوجة»، وعرابي ومن معه بالعُصاة.

في مشهدين مبتكرين من وحي خيال الكاتبة مريم نعوم (تم تداولهما بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي) تتحقق نية نعوم في الإشارة إلى ميل التاريخ لتكرار نفسه. خلال بقية الأحداث يتصارع محمود مع نفسه ومع حقيقة خيانته وإنكاره للشيء الوحيد الذي آمن به واستعد للموت من أجله.

يأتي عقاب محمود بعد ذلك في هيئة ترقية كمأمور جديد لواحة سيوة، المشهورة في ذلك الوقت بعدائها الشديد ومقاومتها لأي محاولات تحكم خارجي من قبل الدولة، وكراهيتها للقاهريين والأجانب.

بدءًا من الحلقة الثالثة يتعرف المشاهد على كاثرين (منة شلبي)؛ أرملة ايرلندية قادها ولعها الشديد بالحضارة الفرعونية إلى إنفاق آخر مدخراتها للمجيء إلى مصر ورؤية تلك الأطلال الفرعونية ودراستها عن قرب.

يظهر الخلاف القائم بين كاثرين ومحمود واضحًا فورًا بعد إعجابهما المتبادل والارتباط الذي يليه. تعشق كاثرين الماضي والحضارة المصرية القديمة، والتي يمقتها محمود، ويتعدى الأمر بالنسبة له مسألة عدم الاهتمام، فنلاحظ كراهيته ورفضه لذلك الماضي وتلك الأطلال. فتصبح كاثرين هي الأجنبية المهووسة بالماضي، ومحمود هو المهموم بالحاضر، والذي يعبر، في نبرة حزينة، عن عدم اهتمامه بتلك المعابد قائلًا : «المجد للأجداد، أما الأحفاد فلا يصلحون إلا للاحتلال».

تنتقل الأحداث إلى واحة سيوة بدءًا من الحلقة الخامسة، فنتعرف على شخصية الشيخ يحيى، وسعيه للسلام، والأهم هو تعرفنا على شخصية مليكة (ركين سعد) الغامضة، وهي الشخصية التي تقدمها أبو ذكري للمشاهد عن طريق مشاهد صامتة تظهر مليكة هاربة من بيتها إلى معابد الفراعنة و مقابرهم لصناعة تماثيل من طين مشابهة لتماثيلهم. يبدو واضحًا إدراك «أبو ذكري» لمدى أهمية شخصية مليكة في القصة، وتنجح إلى حد كبير في إبراز طابع الغموض الطاغي على شخصيتها.

على الرغم من كونها الشخصية الأبرز في الرواية، وتأثيرها المحوري على باقي الأحداث و الشخصيات من حولها. لا يسرد طاهر الأحداث أبدًا من رؤية مليكة، ولا نسمع لها أي حديث داخلي كباقي الشخصيات، مما يزيد الحيرة والغموض المحيط بشخصيتها، فيصبح لكل شخصية ولكل قارئ تفسيره وموقفه الخاص من معضلتها.

فيما تختلف الأمور على الشاشة؛ ففي الانحراف الأبرز، والأقل توفيقًا لنعوم عن الرواية،  يتزوج رضوان (أحمد مجدي)، ابن الشيخ يحيى، غير الموجود بالرواية، من مليكة مبكرًا، فقط لتفقده سريعًا بسبب الحرب الدائرة بين الشرقيين والغربيين. تبكي مليكة رضوان وترثيه لبقية المسلسل، وتتحول قصتها إلى قصة حب مفقود، فتأتي أفكارها وأفعالها جميعًا متأثرة برضوان وخسارتها له وعدم قدرتها على الحب من بعده، وتتكرر مشاهد زيارتها لقبره وحكيها له عن مشاكلها وآمالها وأحلامها، وتصبح تلك هي مناجاة مليكة الداخلية التي تفاداها طاهر.

نتج عن هذا الاختيار (الذي ربما اُخذ بدافع إعطاء قصة مليكة حيزًا أكبر، أو ربما إرضاءً للجمهور بوجه أحمد مجدي الوسيم، أو لجذبهم بتقديم تلك العلاقة المثالية ثم تحطيمها سريعًا) أن فقدت شخصية مليكة قدرًا كبيرًا من سحرها وغموضها، والأهم أن نعوم فقدت حيادية بهاء طاهر تجاه مليكة.

معظم الأحداث واللحظات المؤثرة وإن لم تنفذ حرفيًا كالرواية، فهي تنجح في تحقيق الغرض والإيحاء الحسي المقصود، كما نرى مثلًا في المشهد المهم الذي تقصد فيه مليكة كاثرين في منزلها وتتقابلان للمرة الأولى. والذي اضطرت نعوم إلى إضافة وحذف بعض العناصر من النص كي تستطيع تحويله إلى مشهد بصري معبر عن فوضوية الموقف. فنلاحظ شرب كاثرين للخمر -الذي لا تقربه في الرواية- في تمهيد للأحداث التي تلي في أحد أهم وأصعب المشاهد من ناحية التمثيل، ففي حكم مشوش وسوء فهم من كاثرين تبدو عاطفة مليكة وتوقها للتفهم والمساعدة في صورة إيحاء واهتمام جنسي.

خلال المسلسل، أظهر قرار صناع العمل الالتزام بالنص الأدبي عن طريق استخدام المونولوجات الفردية للشخصيات في سرد أحداث الرواية، تقديرهم لقدرات بهاء طاهر الأدبية الاستثنائية، وإضفائها الطابع الفلسفي المطلوب على أحداث الرواية والعمق لشخصياتها.

خلال تنفيذ العمل، استعانت أبو ذكري أيضًا بأقدم سكان الواحة، واطّلعت من خلالهم على نصوص قديمة يتوارثونها، موثق فيها تقاليد الواحة والأحداث التي مرت بها.

تم تصوير الأحداث وسط بيوت مدينة شالي القديمة، وأتت معظم اللقطات عن طريق حركات متسللة للكاميرا من خلال النوافذ أو بين الأعمدة والأسوار، ما يوحي للمشاهد بالطبيعة السرية والمتحفظة لأهل الواحة. وساهمت الإضاءة بقدر كبير في نقل الطبيعة الشاعرية الحزينة للرواية، مستخدمة شكل لوني محدد يطغى على كادرات المسلسل، كاللون الأصفر والبرتقالي، ممزوجًا بمهارة نانسي عبد الفتاح الاستثنائية في تشكيل الضوء الخافت معتمدةً اعتماد شبه كلي على الشموع. ينتج عن ذلك صورة متقدمة، بالمعايير السينمائية، على أي أعمال أخرى حاولت نقل صورة بصرية لتلك الحقبة الزمنية. الجانب السلبي الوحيد هو ظهور الصورة في شكل منمق أكثر من اللازم في بعض الأحيان. فبعد أن تمضي وقتًا ليس بالقليل في تقدير جماليات المشاهد والأزياء ومواقع التصوير تتذكر أنك تشاهد قصة تدور أحداثها في صحراء مصر الغربية في القرن التاسع عشر،  وأنه ليس من المنطقي أن يظهر كل شيء منظمًا ومنمقًا طوال الوقت، بما في ذلك الصورة نفسها.

لكن العيب الأكبر والملحوظ هو الرتم شديد البطء للأحداث، والمط الواضح للسيناريو. ففي التزامهم بهيكل الثلاثين حلقة اللازم للأعمال الرمضانية ابتعد صناع العمل عن البناء الدرامي للنص الأدبي وافتقرت الكثير من الحلقات لأي أحداث حقيقية، فكان من السهل جدًا أن تفوِّت أكثر من حلقة دون أن يفوتك فعليًا أي أحداث، فالكثير من الحوارات والنقاشات المطولة كان يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

رغم اهتمام «أبو ذكري» بنقاط التحول المهمة للأحداث، وتعرفها عليها وإعطائها الجهد المطلوب لتحويلها إلى صورة بصرية مقنعة، جاءت تلك النقاط في أغلب الأحيان متأخرة بعد فقد المشاهد للاهتمام.

في الوقت نفسه، فُقدت الأسئلة المطروحة من طاهر و الأزمات التي يتناولها -مثل أزمة محمود الوجودية وسعي كاثرين المستحيل لإعطاء حياتها معنى عن طريق المجد القابع في مقبرة الإسكندر- وسط الحوارات الطويلة غير المثمرة، والحلقات فقيرة الأحداث.

ومع بداية قوية، ووسط مطول، ونهاية متسرعة فقدت الشخصيات العوامل المكونة لها، وفقدنا نحن بالتالي الطريق لمتابعة ما تبحث عنه كل من تلك الشخصيات وهدفها الحقيقي؛ كل الشخصيات تظهر وتتحدث بنفس النبرة في الحلقات الأخيرة كما كانت في الحلقات الأولى دون تغيير واضح، مما يدفعني للتساؤل عن جدوى كل تلك الساعات والحلقات وفيما أثرت؟

في بداية عرضه تلقى العمل ردود فعل إيجابية واسعة، وأثار جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نالت الإشارات المبطنة لثورة يناير استحسان وإعجاب الجمهور الذي قام بتداول المشاهد والعبارات المتعلقة بالثورة والحرية. لكن سرعان ما فقد ذلك الجمهور اهتمامه بسبب الحركة الزاحفة للأحداث، وتسارعت ردود الفعل من الجمهور والنقاد في الإشارة لذلك.

على الرغم من ذلك، يظل العمل على المستوى البصري هو تصوير رائع لواحة بهاء طاهر، وهو عالم يكاد لا يوجد له أي وصف دقيق موثَّق، ويكاد يكون مجهولًا للمصريين. في النهاية ينجح العمل في إثارة اهتمام المشاهد وإلهامه لزيارة تلك المنطقة في مصر، أو على الأقل إن يقرأ عنها وعن تاريخها عن قرب، وبالتأكيد يُحيي الاهتمام بالرواية، التي بدأ جمهورها بالفعل في إعادة نشر تحليلاتهم لأحداثها وإيجاد تأويلات جديدة لها.

اعلان