Define your generation here. Generation What
عن استضافة «سلوى» في «90 دقيقة»: كيف يتعامل الإعلام مع ضحايا الأزمات النفسية؟
 
 
سلوى عرابي ضيفة على برنامج 90 دقيقة
 

كتب: عمر سعيد

أثارت حلقة الثلاثاء الماضي من برنامج «90 دقيقة»، التي استضاف بها المذيع معتز الدمرداش سلوى عرابي الكثير من التساؤلات بشأن مهنية وأخلاقية تعامل الإعلام مع امرأة تُعاني من أزمات نفسية دفعتها للعيش في الشارع وتَرَكَ منزل أهلها. ففي حين أصدرت الجمعية المُستضيفة لسلوى اعتذارًا عن بعض تطورات النقاش بشكلٍ يمس ويُسيء لها، جدد ظهور سلوى النقاش بشأن ضوابط تعامل وسائل الإعلام مع المُصابين بأمراضٍ نفسية والتعامل معهم كحالات مرضية أمام المشاهدين.

تُعاني سلوى من أمراض نفسية، وهو ما أكده محمود وحيد رئيس مجلس إدارة جمعية «معانا لإنقاذ إنسان»، خلال الحلقة، دون أن يوضح طبيعة مرضها. وقد أوضح أن الصعوبات النفسية أدت إلى دخول سلوى في حالة إرهاق جسدي ونفسي. وكانت الجمعية قد استضافت سلوى في مقرها منذ أيام.

وكان البرنامج قد أذاع لقاءً مع سلوى وشقيقها ورئيس الجمعية، الثلاثاء الماضي، استمر لأكثر من ساعة. وقد استعرض المذيع خلاله تفاصيل عن حياتها الخاصة وعلاقاتها الإنسانية. وقد سَمَحَ القائمون على البرنامج بتلقي مداخلات هاتفية، من ضمنها اتصال من جانب والدتها وشقيق آخر لها. وقد تعرضت سلوى خلال مدة الحلقة لتوجيه إساءات بشأن لسلوكها ومظهرها. كما تعرضت لتشكيك في سلامتها النفسية والعقلية بشكل فج.

زيادة الوَصمة المحيط بالمرض النفسي

عَبَرَت سلوى أكثر من مرة، خلال الحلقة، عن اعتراضها على عرض صورتها والتي تظهرها في حالة رثة في أحد شوارع القاهرة، غير أن فريق البرنامج استمر في بثها لأكثر من مرة. كما صَرَحَت عن عدم رضاها عن مشاركة شقيقها بالحضور في الاستوديو كذلك، وهو الأمر الذي تجاهله المذيع. كما أبدت انزعاجها بوضوح من تلقي المداخلات الهاتفية، ولم يستجب أحد إلى رغبتها بوقفها.

من جانبها قالت رشا عبد الله، أستاذة الصحافة والإعلام في الجامعة الأميركية في القاهرة، إن «كل مَن شارك في هذه الجريمة الأخلاقية والإعلامية أجْرم في حق الشابة والمجتمع كذلك. بدءًا من الجمعية وحتى فريق تحرير البرنامج. ومن الصعب الوقوف على كل النتائج السلبية المترتبة عن ذلك، لكن في أي بلد لديه إعلام مسؤول ومحاسبة موضوعية للنشاط الإعلامي، لن نرى فيها مثل ما حدث، وهو جريمة من كل الزوايا الممكنة».  وأضافت عبد الله: «نحن هنا بصدد دور للإعلام في زيادة الوصمة المحيطة بالمرض النفسي عمومًا، وهو عكس الدور المنتظر من الإعلام تمامًا، بالذات في مجتمع يعتبر أن المريض والمرض النفسي وصمة اجتماعية ومسألة تدعو للخجل. حلقة مثل هذه في برنامج يشاهده الملايين من شأنها أن تهدم مجهود سنوات من محاولات مواجهة فكرة الوصم الاجتماعي المحيط بالمرض والعلاج النفسي.. الأذى هنا لا يتوقف عند حدود الضيفة، إنما يتسع لدائرة أكثر شمولًا».

فيما قال طبيب الأمراض النفسية محمد بلطية لـ «مدى مصر» إن: «مجرد رؤية الحلقة أمر مؤذي. لا أريد أن أتحدث عن سلوى نفسها والتفاصيل التي رَوَتَها. لكن في سياق المسموح بالحديث عنه أرى بوضوح أنها ليست في وضع نفسي يسمح لها بالتعرض لهذا الضغط. بدءًا من عرض صورها في الشارع، ومرورًا بالإصرار على استقبال أسرتها وانتهاءً بالتعدي اللفظي عليها في المداخلات الهاتفية. هذا كان يستوجب على فريق تحرير البرنامج أولًا سؤال طبيب مختص، إذا ما كانت قادرة على التعرض إلى هذه الضغوط، وإذا ما كانت مسؤولة وواعية لما باحت به.. خاصة وأنها أبدت بعض الرغبات والشروط في الحديث كان، على الأقل، من المفترض احترامها». ويضيف طبيب الأمراض النفسية موضحًا: «في حالة معاناة سلوى من مرض نفسي، فالحلقة ضاعفت من سوء الأمر لعدة مرات.. ببساطة نحن في مجتمع لا يستوعب تمامًا مسألة المرض النفسي أو العقلي. في كل مرة تمثُل سلوى للعلاج، وتخرج للمجتمع ستتلقى معاملات سلبية تجعل مسألة العلاج بالغة الصعوبة».

هل الإساءة لسلوى تُطمأن الجمهور؟

في حين أوضح أحمد صلاح، أخصائي الطب النفسي في مستشفى العباسية، قائلًا«قصة سلوى تكشف عن سلوك غريب من جانبها، وتعرضها لظروفٍ غير طبيعية كذلك. ونحن لا نعلم مَن سعى لهذا الظهور الإعلامي.. سواء هي نفسها أو الجمعية أو فريق التحرير. لكن في كل الأحوال مع وجود هذا السلوك وتعرضها لهذه الظروف كان يستوجب عرضها على طبيب مختص أولًا ليُحدد إمكانية مشاركتها في الحلقة (من عدمه)». وبسؤاله عن الدور الذي يجب أن تمارسه الجهات المختصة بالطب النفسي أضاف: «مسؤولية الأمانة العامة للطب النفسي بشكل مباشر عن الأمر ليست صحيحة.. هناك مسؤوليات غير مباشرة تمارسها الأمانة كتوعية المجتمع مثلا، لكن في الحالة المباشرة، لا تتحرك الأمانة إلا بخطابٍ رسمي من أقارب الحالة من الدرجة الأولى أو الشرطة أو النيابة العامة مثلًا».

وكان «مدى مصر» قد تواصل مع محمود وحيد، رئيس جمعية «معانا لإنقاذ إنسان»، الذي تراجع عن التحدث بشأن ما جرى بالحلقة، رغم طلبه لمهلة زمنية حتى يتمكن من الرد على تساؤلاتنا، لكنه لم يجب، فيما بعد، على اتصالاتنا ليومين متتاليين. فيما نشرت الجمعية، على فيسبوك، اعتذارًا، بعد عرض الحلقة الثلاثاء الماضي، قالت فيه: «تعتذر مؤسسة معانا لإنقاذ إنسان لكل أعضاءها الكرام عما تمّ تداوله في حلقة 90 دقيقة بقناة المحور لمعتز الدمرداش أثناء البث المباشر لحلقة سلوى الشهيرة بفتاة العباسية.. نظرًا لتداول البرنامج لحياة سلوى الخاصة والعائلية دون مراعاة لمرضها النفسي والضغوط وعلى الرغم من تأكيد المؤسسة بعدم المساس بأي تفاصيل تخص حياتها الخاصة.. سبب ظهور سلوى بالبرنامج مع معتز الدمرداش هو طمأنة الناس (عليها). ولم يكن لدينا عِلم بتغير محتوى النقاش أثناء البث المباشر للبرنامج والتطرق لتلك التفاصيل الخاصة».

كما حاول «مدى مصر» الاتصال مرارًا بكلٍ من المذيع معتز الدمرداش ورئيس تحرير البرنامج سامي عبد الراضي، غير أن أي منهما لم يجب على الاتصالات. وقد كَتَبَ رئيس تحرير البرنامج توضيحًا على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك، نُشر أمس الأربعاء، قال فيه: «هاجمنا البعض وقال :لا يجب أن تستضيفوا شخصية مريضة نفسيًا.. وأقول:الفتاة كانت في منتهى الذكاء والقوة في الحضور عند كل إجابة وعند كل مداخلة مع متصل وعند كل رد على أمها أو شقيقها أو على أي سؤال.. ربما رآها البعض مريضة نفسية.. والحقيقة أنها مصدومة أو مصابة بانهيار عصبي ويجب أن تعالج.. ويتم احتوائها من أسرة (..) دور الإعلام هكذا.. يكون أحيانًا صادمًا.. وأحيانًا كاشفًا.. وأحيانًا موضحًا.. وأحيانًا يرفه.. وأحيانًا يخبر.. وأحيانًا يرشد.. وأحيانًا يعطي نماذج من لحم ودم.. وأحيانًا يقلب في هموم المجتمع وحكاياته وآلامه.. ويقدمها.. يقدمها بحثًا عن حلول».

وكانت الجمعية قد أصدرت بيانًا توضيحيًا، نشرته على فيسبوك أول يوليو. كشفت فيه عن بداية توليها رعاية سلوى، قالت فيه إن فريقًا يضم طبيبة وممرضة وعددًا من المتطوعين انتقل إلى منطقة العباسية. لم يعثر الفريق بسهولة على سلوى، ثم انتقلوا إلى قسم الشرطة الوايلي، وتبَيَّن أنها كانت قد حوّلت إلى الكشف الطبي بمستشفى الدمرداش، ومنه إلى القسم الذي أحالها إلى آخر وفي النهاية سلمتها النيابة المسائية بمدينة نصر إلى الجمعية، ولكن مع اشتراط إتمام إجراء تحريات المباحث بقسم مدينة نصر، الذي أراد حجزها. وقد انتهى اليوم بخروج سلوى، التي رفضت أن تنتقل إلى منزل أسرتها مفضلة أن تقيم بالجمعية، حسب البيان.

اعلان