«درب سيناء»: مبادرة بدوية لتنشيط السياحة

ترجمة: نصر عبد الرحمن

اتجه عدد كبير من المصريين للسياحة الداخلية، نظراً لانخفاض قيمة الجنيه وصعوبة الحصول على تأشيرات سياحية لدول أجنبية. واستمر تدفق السياح على جنوب سيناء، نتيجة المخاوف الأمنية بشأن التجول في بقية أنحاء شبه الجزيرة، خصوصاً شمال سيناء، التي تشهد قيودًا على الحركة جرّاء تهديد الجماعات المُسلحة والحملات الأمنية التي تشنها قوات الأمن، منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من السلطة عام 2013.

وفي محاولة لإنعاش السياحة في مناطق جنوب سيناء غير المطروقة، تعاونت ثلاث قبائل في المنطقة، وحصلت على دعم أجنبي لإطلاق مشروع «درب سيناء»، وهي مبادرة لتسلق الجبال والتجول في منطقة بمساحة 200 كيلومتر، تمتد من خليج العقبة إلى مدينة سانت كاترين.

وجّه المنظمون لي دعوة لتغطية المشروع صحفياً، فانضممت إلى 21 شخصاً من هواة التنزه سيرًا على الأقدام، والصحفيين، في الرحلة الأولى للمشروع. وبعيداً عن الطرق التي تربط المدن في سيناء، تتمتع المناطق الداخلية الجبلية بدرجة ما من الاستقلالية، إذ يديرها ويشرف على تأمينها عدد من القبائل البدوية، التي تربطها علاقات جيدة بقوات الجيش في المنطقة.

«يمكن للقبائل الحفاظ على سيناء آمنة دون استخدام أسلحة. نحن نلتزم بالعُرف البدوي الذي لا تتدخل الحكومة في تطبيقه»، هذا ما قاله الشيخ أحمد أبو راشد من قبيلة الجبالية، والمتحدث باسم مشروع «درب سيناء».

وعلى الرغم من الاستقلال النسبي، أكّد أبو راشد على العلاقة الطيبة بين القبائل البدوية والقوات المسلحة. «غالباً ما يُساء فهم البدو من جانب الشباب والجنود من ذوي الرتب الصغيرة، لكن اللواءات يفهمون ثقافتنا وقيمنا»، قال أبو راشد، مضيفا: «ولكي نتجاوز أي سوء فهم بين قوات الجيش والبدو، ولكي نتجنب أي عنف غير ضروري، نحرص على تعليم شبابنا كيف يتعامل مع الجنود بطريقة مناسبة».

حرص المشاركون في «مبادرة درب سيناء» على الحصول على دعم من وزارة السياحة، ولكنها لم تستجب لمطالبهم، ولم ترد على اتصالاتهم أو تحدد مواعيد للالتقاء بهم. وحاول ممثلو البدو التواصل مع الوزارة أكثر من مرة، لكي تساعدهم في تسليط الضوء على أنواع السياحة الجبلية المختلفة في سيناء، وألا تقتصر السياحة في شبه الجزيرة على المنتجعات الساحلية.

«لم تستمع إلينا وزارة السياحة إلا بعد فوزنا بمسابقة أفضل مشروع سياحي، التي نظمتها الجمعية البريطانية للكتاب السياحيين، في نهاية 2016»، قال أبو راشد، ولكن الوزارة لم تقدم لهم أي دعم يُذكر.

ويوفر مشروع «درب سيناء» وظائف لأبناء القبائل البدوية، ولهذا يحاول القائمون عليه التغلب على العقبات التي تواجههم.

في نوفمبر 2016، بدأ 22 شخصاً من هواة التجول، من مصر وإيطاليا والأردن، والولايات المتحدة الأمريكية ونيوزلندا وإسبانيا، السير في رحلة بطول 200 كيلومتر من راس شيطان في خليج العقبة إلى مدينة سانت كاترين، بصحبة المرشدين السياحيين وقافلة من الجمال.
الرحلة الأولى التي قطعت مسار «درب سيناء» كاملاً، والتي كانت التعاون الأول من نوعه بين ثلاث قبائل بدوية، بهدف خلق نوع جديد من السياحة في سيناء، يختلف عن منتجعاتها الساحلية.
قطعوا الرحلة عبر ممرات صخرية، ورمال ناعمة، وبعض قمم الجبال. وشاهدوا نباتات وحشرات وحيوانات غير مألوفة. في الصورة، يتأمل مصطفى عبد الفضيل إحدى الحشرات.
كانت القبائل البدوية تعيش في الماضي على إرشاد الحجاج والتجار عبر سلاسل سيناء الجبلية، ولكن هذا النشاط لم يعد موجوداً الآن. ركزت الحكومة على تنمية سياحة المنتجعات الساحلية، في حين تركت مناطق وسط سيناء بلا تنمية، وتحت قبضة أمنية صارمة. وسوف يفقد شباب البدو المهارات والعادات الثقافية لأسلافهم، ما لم يتوفر لديهم حوافز اقتصادية. وأحد أهداف المشروع هو تدريب شباب البدو على طرق الدروب الجبلية. بدر (إلى اليمين)، وسيف (إلى اليسار) هما من بين المتدربين الذين يصطحبون الرحلة.
يستيقظ المشاركون في الرحلة مع شروق الشمس، وينطلقون في الثامنة والنصف صباحاً، لكي يصلوا إلى المُخيم التالي قبل غروب الشمس بوقت قصير. وبعد يوم مرهق، ينام البعض في الثامنة أو التاسعة مساءّ، في حين يجلس البعض لتبادل الحكايات والاستماع إلى الشعر والموسيقى.
«الحياة حلوة» عبارة يكررها مسلم، وهو مرشد من قبيلة الترابين، وأصبح أعضاء الفريق يكررونها مثله.
لا يجد المشاركون حماية من الشمس في أغلب الأيام، عدا بعض الأشجار والأعشاب المتناثرة، التي توفر لهم ملاذاً وقت تناول طعام الغذاء.
يمر المشاركون في مناطق تابعة لثلاث قبائل، وبصحبتهم عدد من الجمال التي تحمل الأمتعة والماء والطعام. وغالباً ما تتخذ قافلة الجمال مساراً مختلفاً عن هواة التجول ثم يلتقيان مرة أخرى في المخيم.
يتوقف البدو لكي يخبروا المشاركين عن الحياة البرية في الجبال، وتحدث مسلم عن اعتقاد الكثير من البدو بالقدرة الشفائية للنباتات، وأكّد أنها لن تشفي إلا من يؤمن بقدرتها على الشفاء، «ألا تتناولون الأدوية وأنتم تعتقدون في قدرتها على الشفاء أيضاً؟»، يتساءل مسلم.
ضوء المساء سريع الزوال يقطع الطريق بين الجبال قبل دقائق من غروب الشمس.
لا يوجد الكثير من أبراج هواتف المحمول في وسط سيناء، ولكن يمكن للمشاركين التقاط إشارة إن تسلقوا جبلاً، ويمكنهم حينها إجراء مكالمات أو تصفح بريدهم الإلكتروني. ولقد اكتسب المرشدون خبرة تحديد مرتفعات الجبال التي يمكن التقاط إشارة هاتف عليها. وتبرز أهمية هذه المهارة عند مرض أحد المتدربين واستدعاء من ينقله من الدرب.
«مشروع درب سيناء» هو أحد المشروعات القليلة التي تتشارك فيها قبائل مختلفة، ويجتاز مناطق قبائل الترابين والمزينة والجبالية. ولا يوجد اختلاط بين القبائل الثلاث عادة، على الرغم من حالة السلام بينهم. ويتعاون المرشدون الكبار والمتدربين وأصحاب الجمال من القبائل الثلاث معاً. في هذه الصورة، يقف مسلم وأبو فراج (إلى اليسار) من قبيلة الترابين، ونصر منصور (إلى اليمين) من قبيلة الجبالية.
يتناول المشاركون في الرحلة ثلاث وجبات بسيطة يومياً، ولكن مذاقها مدهش، وتتكون عادة من الخبز الطازج والخضراوات والحساء، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من السلطة، وتعتمد على مكونات غنية بالكربوهيدرات، لكي تزود المشاركين بالطاقة.
«النواميس» هي مجموعة من المباني الدائرية، تقع بالقرب من الطريق الرئيسي الذي يربط بين نويبع وسانت كاترين. ويعتقد البعض أن تاريخ هذه المباني يرجع إلى مصر القديمة، ولكن لا تتوفر معلومات حول طبيعتها أو من الذي شيدها.
في منتصف الطريق إلى جبل موسى، ارتجل كل من جولي باترسون ونيك ريدمين صالون حلاقة، باستخدام سكين سويسري وشال.
عند السير بين سلاسل الجبال، سترى مختلف أنواع التضاريس، من الممرات الصخرية الصلبة إلى السهول الرملية الشاسعة.
الشيخ أحمد أبو راشد، من قبيلة الجبالية، والمتحدث الرسمي باسم مشروع «درب سيناء»، يلتقي بالمشاركين في الرحلة. وعلى الرغم من جهود ممثلي البدو من أجل التواصل مع مسؤولي وزارة السياحة من أجل وضع كل مناطق سيناء ضمن حملات الترويج السياحي، لكنهم لم يحصلوا على أي رد من الوزارة إلا بعد فوزه في مسابقة أفضل مشروع سياحي التي نظمتها الجمعية البريطانية للكتاب السياحيين، في نهاية 2016.
بعد الوصول إلى قمة جبل موسى (جبل سيناء)، في اليوم العاشر للرحلة، نزل المشاركون 300 متر فقط، وأقاموا مخيماً في منطقة «فرش إلياس». كان البرد قارصاً، فتجمعوا حول نار المخيم ليستريحوا قبل استئناف الرحلة.
في الأيام الأخيرة من الرحلة، احتفل بعض المشاركين لقدرتهم على احتمال الرحلة الشاقة، في حين جلس البعض في هدوء، وهم يتأملون جلال المشهد، وعُمق الصمت.
Read in English
 
 
اعلان
 
 
More from Panorama