Define your generation here. Generation What

«الحساب يجمع»: هل تجد «النسوية الماركسية» سبيلًا للدراما؟

تدور أحداث مسلسل «الحساب يجمع» عن مجموعة من العاملات بالعمل المنزلي مدفوع الأجر، والقاطنات في «أرض الحافي» بالورّاق، وهي منطقة سكنية أهلية ضُمّت إلى محافظة الجيزة عام 2010. أدت الفنانة يُسرا دور نعيمة، العاملة المنزلية التي نجحت في تحويل مسار عملها عبر إقامة مشروع طبخ منزلي، وتوظيف نساء الحي كعاملات منزليات لدى عائلات الطبقات الأعلى.

تتزايد حدة الصراع عندما يُقتل الحاج فتحي الذي يُداين أغلب سكان الحي بوصولات أمانة، ووصول ابنه نور، كمستثمر صغير، ومحاولة مقايضة الأهالي المديونة على منازلهم مقابل الوصولات، لإقامة مشروع استثماري على الأرض.
يتأزّم الحال على نعيمة التي تسرق لتخليص الدين، وتتورط في عدة صراعات مع الحاج نور تتزعم فيها الأهالي وتقدم مشروعًا بديلًا، حتى يُحلّ الصراع في النهاية برحيل نور وانتصار الأهالي.

للوهلة الأولى، يبدو لنا المسلسل عاديًا، لكن من خلال السيناريو والإخراج وبراعة التمثيل، ينتقل بنا لرحلة إنسانية من نوع مختلف.

العمل المنزلي مدفوع الأجر

يُصوَّر العمل المنزلي باعتباره من الأعمال البسيطة غير المُنتجة؛ لأنها لا تحتك مباشرة برأس المال، بحسب نظرية كارل ماركس عن رأس المال.

في تحدٍ ناعم، تُشير نعيمة «المخدماتية» دائمًا إلى العمل المنزلي باعتباره «خدمة» ولكننا جميعًا «خدّامين لقمة العيش»

لأنها لا تتطلب مؤهلات خاصة، تُصنّف العمالة المنزلية باعتبارها عمالة رخيصة غير رسمية. انتقدت عدة نسويات ماركسيات نهج ماركس في وصف العمل المنزلي، واعتمد سجالهن على نظرة الرأسمالية للعمل المنزلي بوصفه ملازمًا للدور الاجتماعي للنساء ، وعلى تسخيرها القدرات الإنجابية للنساء لاستمرار نسل العمّال، وبالتالي استمرار علاقات رأس المال نفسها. كانت أولى محاولات الخروج بالعمل المنزلي من تصنيف «العمل البسيط» إلى تصنيف «العمل المُنتج»، هي تسميته باسم «العمل المنزلي»، أي أنه لا يُقدم كخدمة، ويتطلب ما تطلبه العمل غير المنزلي.

في تحدٍ ناعم، تُشير نعيمة «المخدماتية» دائمًا إلى العمل المنزلي باعتباره «خدمة» ولكننا جميعًا «خدّامين لقمة العيش». هُنا، وبهذه الجملة البسيطة، تضيف نعيمة روحًا نسوية ماركسية على الشاشة. فالعمل المنزلي الذي تستقبله الأغلبية كخدمة نسائية، وبالتالي يدفعون مقابلها ثمنًا أقل، هو علاقة مماثلة لكل علاقات العمل الموظّفة لحساب رأس المال. ولكن ما الذي يجعلها علاقة مميزة؟

في دراستها «الهجرة، العمل المنزلي، والمُحركات العاطفية»، تُشير إنكارثيون رودريجز، الأستاذة بجامعة مانشيستر، لكون العمل المنزلي ذا تصنيف معقد، كعمل خدمي، نسائي، طبقي وعرقي. وفقًا لهذا التصنيف، يجري التعامل مع العاملات المنزليات كعمالة رخيصة وغير رسمية، وبالتالي تصبحن أكثر عرضة للانتهاكات الجسدية والجنسية.
في مصر، أغلب العاملات المنزليات هن إما من النازحات داخليًا، أو من قاطنات المناطق غير الرسمية، من ذوات المؤهلات المتوسطة والطبقات الأقل. وتتنوع أعمارهن من الطفلة إلى الدادة، حسب تفضيل صاحبة العمل. لا يُمكننا تجاهل البُعدين، الطبقي والجندري، للعمل المنزلي، وكيف يُشكلان معًا واقع العاملات المنزليات.

منافع متبادلة: النساء في سوق العمل

بإدماج عدد أكبر من العمالة النسائية حول العالم، وبالتطبيع مع الصورة الليبرالية عن عمالة النساء كأداة لتحقيق الذات، تفاقمت أزمة العمل المنزلي كمسؤولية مُلقاة على عاتق النساء، إضافة إلى وظائفهن، وتُستقدم العاملات المنزليات للتغلب على هذه الأزمة. ولكن يظل الإشراف على العاملة المنزلية مسؤولية صاحبة العمل، كما رأينا مع مروة وسلوى ودينا وشهيرة في المسلسل. وينحصر دور الشركاء الرجال في تلطيف الأجواء من حين لآخر بين الزوجة والعاملة المنزلية.

«آه ياغريبة، ولا ليش حبيبة فيكو يانا.. والنبي يمّا ماتجوزوني غريب. »

غنّت يسرا هذه الكلمات بصوتها وهي تضُفّر شعر إحدى الفتيات التي أرسلها والدها من البلد للعمل في المنازل، وتُقلّم أظافر أختها الصغرى، في مشهد حميمي توعّيهما فيه بطبيعة العمل والوصمة الاجتماعية المحيطة به، وبحقوقهما لدى صاحبات العمل، مثلما بواجباتهما.
هُنا، ومن خلال الدندنة، تنتقل بنا يُسرا من مرحلة الزواج المُبكر الذي عانت منه الطفلات في المناطق الريفية لعقود، ولا يزلن، إلى مرحلة ضخ هؤلاء الفتيات لسوق العمل كعاملات منزليات. قد تنقذ المرتبات الضئيلة لهؤلاء أسرهن في القرى، للتغلب على الفقر المدقع الذي يُعانون منه بفعل مركزية الدولة وتركز رأس المال في أيدي الطبقات التي يعملن لديها.
سابقًا، كان أحد دوافع الزواج المُبكر هو التخلص من المسؤولية الاقتصادية للطفلة، ولكن مع سياسات النيوليبرالية وتهميش كل ما هو خارج العاصمة، تزايد عدد الأسر التي ترسل طفلاتها للعمل المنزلي في القاهرة، مع اعتبارهن مصدرًا لدَخل للأسرة، وبالتالي أصبح الزواج في هذه الحالة غير مُجد، مقارنة بتواجد الطفلات في سوق العمل.
في هذا المشهد، وبسلاسة، ينتقل بنا صُنّاع العمل من الزواج المبكر إلى عمالة الأطفال، والبُعد الإقتصادي السياسي لهذه العمالة متقاطعًا مع النوع الاجتماعي.

 هل العمل المنزلي عمل بسيط؟

بالطبع لا. تواصل رودريجز قائلة إن العمل المنزلي لا يتوقف عند التنظيف والطبخ، بل يرتكز على توظيف المشاعر الإنسانية أيضًا.

«لسانكم جوّة بقكم، وعنيكم ماتشوفش إلا شغل البيت وبس.»

في نصائح نعيمة للفتيات، تُنبّه عليهن ألا يتفاعلن إنسانيًا إلا للعمل، رغم كونهن يختبرن حياة جديدة، وقد يكون شعورهن بالدهشة أو الإغتراب أمرًا عاديًا. لكن في العمل المنزلي، لا ترى العين إلا ما يجب أن تراه، في قَسَم يشابه هذا الذي يقسمه الطبيب قبل مزاولة المهنة. ما يحدث داخل المنزل هو أمر شديد الخصوصية، ووجود عاملة منزلية يكسر هذه الخصوصية بدرجة ما، والحل هو أن تؤدب العاملة حواسها ومشاعرها، بما فيها الشعور بالاشمئزاز من تنظيف الحمام أو شعورها بعدم جدوى تكرار وضع الأشياء في أماكنها، أو الوقوع تحت ضغط احتمال عصبية أصحاب المنزل.
يمتد الشعور بوجود جسم غريب في المساحة الخاصة ليُشكل علاقة معقدة بين امرأتين؛ صاحبة العمل والعاملة المنزلية، كما حدث مع مروة التي ضبطت سماح «تتخيل» أنها ترتدي فُستانها، فتشاجرت معها.

  • وانتي يا ختي هتستحملي الشقا دا؟ انتي فاكراها حاجة سهلة كداهو زي ما بتنضفي بيتكو؟
  • هتفرق إيه يعني يا نعيمة؟ مش هكنس وأطبخ وأمسح وخلصنا؟
  • لأ. دا فرق كبير قوي.

في ثلاث جُمل متبادّلة بين نعيمة وعبير، أحيت الشاشة تفصيلة غير مرئية من العمل المنزلي، وهي تأديب النفس.
تُشير الباحثة النسوية كاثي ويكس، في كتابها «إشكالية العمل: النسوية، الماركسية، سياسات الامتناع وتصورات ما بعد العمل»، لكون العمل المنزلي لا يقوم فقط على التحكّم في العاملة المنزلية، وإنما أيضًا على قدرة العاملة المنزلية نفسها على السيطرة على مشاعرها الإنسانية. هذا يتضمن الاشمئزاز، التكرار، التهديد بالطرد، العنف النفسي، العنف الجنسي، والدونية الناتجة عن تصوّر العمل المنزلي كعمل بسيط وغير مُنتج، وفقًا لرودريجز.

على الشاشة، نرى رجلًا وامرأة يتشاجران بالأيدي والأرجل، في مشهد حي يجعلنا نُراجع تصوراتنا عن العنف ضد النساء في المناطق الشعبية

في هذا الصدد، تتعرض عبير لمحاولة تحرش جنسي من زوج شهيرة. كانت هذه اللفتة لتبدو إكليشيهية قبل أن تكتشف أنه يصوّرها يوميًا أثناء تبديل ملابسها، كما يصوّر مريضاته في العيادة، وزوجته أثناء ممارسة الجنس معها، دون موافقتهن، ثم يحتفظ بالفيديوهات.

توازنات مختلفة لعلاقات القوة بين الرجال والنساء

قُدّم الرجال في «الحساب يجمع» بحيادية وبمعالجة درامية حساسة تجاه النوع الاجتماعي. فمثلًا، لم يقتصر الابتزاز الرقمي على رجال الطبقات العاملة. قُدّم المُبتز الرقمي في شخصية الدكتور ذي المركز المرموق اجتماعيًا، كما قُدّم في شخصية كرم ابن المنطقة الشعبية. تعرضت نساء الطبقات العليا إما للتهديد بالفضيحة، أو للتصوير دون موافقة، وكذلك كان الحال مع نساء الطبقات الأدني.

لم يُقدّم رجال «أرض الحافي» كـ«بلطجية» كما شاع تمثيلهم دراميًا في العقدين الماضيين. العنف في «الحساب يجمع» كان بحساب وبقدر وبمعقولية. فرغم نفوذ الحاج نور ورغبته في تهجير أهالي الحي لبناء مشروعه الاستثماري، إلا أنه لم يعتدِ عليهم بالضرب، ولم يلفق التهم لهم، وإنما اقتصر نفوذه على التهديد بتسليم وصولات الأمانة، والمساومة على التهجير. وظل دور رجاله هو حمايته شخصيًا.

أما العنف ضد النساء، فلم يُمارسه رجال «أرض الحافي» بإسراف نمطي. فلم يضرب طه زوجته وأخته إلا عندما شك في سلوك الأولى. أما حودة سائق التوكتوك، فكان ضربه لسماح، يُقابل دائمًا بضرب سماح له. على الشاشة، نرى رجلًا وامرأة يتشاجران بالأيدي والأرجل، في مشهد حي يجعلنا نُراجع تصوراتنا عن العنف ضد النساء في المناطق الشعبية. هل كل نساء الطبقات العاملة مُعنّفات، وكل الرجوليات مُهيمنة؟

حسنًا، في مشهد خفيف، يستمع فيه الحاج نور إلى ناضورجي المنطقة، تقتحم زوجته منصورة المكتب، وتأمره بطرد الناضورجي. يتذمر الناضورجي ويسأله بغضب «ينفع كدة ياحاج؟»، فيأمره نور بالمغادرة فورًا. ثم يطلب من زوجته عدم تكرار الموقف، بدلًا من تعنيفها، أو التلميح لكونها لم توفِ رجولته قدرها، بإحراجه أمام الناضورجي وإظهاره في صورة الرجل التابع لزوجته.

في هذا المشهد، تتشابك الطبقة مع النوع الاجتماعي. فالسيدة هنا من طبقة أعلى من طبقة الناضورجي، الذي شعر بالإهانة من طردها له، لكنه لن يجرؤ حتى على رد الإهانة. أما الزوج، فلم يغضب لرجوليته، قدر ما غضب من عبارة زوجته: «أنا بحميك من نفسك ياحاج»، تلك العبارة البسيطة التي تكررت مرة أخرى لتنهي الصراع وينسدل منها ستار العمل في الحلقة الأخيرة.

قُدّمت رجولية كرم أيضًا بشكل مختلف. بعد زواجه من منّة، تخرج الأخيرة للعمل، ويبقى كرم في المنزل، غير متضرر وغير متأفف، رغم تورّطه في جريمتي شرف؛ قتل زوج عمته نعيمة، وشروعه في قتل زوجته.

كرم هو مثال للرجل المُحمّل بأثقال المجتمع الذي نشأنا جميعًا فيه. صحيح أن كرم غيّر من مفهوم الأدوار الاجتماعية داخل المنزل وخارجه، لكنه ظل مُثقلًا بمفاهيم الشرف.

هذه التوازنات في علاقات القوة بين الرجال والنساء، كانت تدور في المجال العام كما في المجال الخاص. في مشهد خارجي يطلب الحاج نور من نعيمة الحديث معها، يتدخل كرم، ويرُد عليه الحاج نور في إشارة واضحة لكون الحالة الوحيدة التي سيقبل فيها تدخل كرم «الرجولي»، هو أن يكون هو مالك العقار، وليس لمجرد كونه رجلًا.

كرم: في البيع، الكلام مع الرجالة.
نور: عمتك هي صاحبة البيت، وانت لا ليك ورق ولا بيت. أتكلم معاك ليه؟
نعيمة: روّح يا كرم.

الرجال يبكون. بكى نور وبكى كرم لأسباب مختلفة. رأينا دموعهم، وتفاعلنا مع تعبيرهم عن مشاعرهم دون عبارات أبوية عن التماسك والاحتمال، في تفكيك ذكي لنمطية الرجل الشعبي البلطجي المعتدي.

أنسنة الشر: الجريمة للنجاة

من خلال التعقيد الإنساني بين أسباب الشر ونتائجه، قُدم الشر في سياقه الإنساني. كل جريمة ارتُكبت لها بُعد إنساني يضعها في سياقها الأكبر ويربطها بصراعات الشخصيات مع نفسها ومع بعضها ومع المنظومة.

نعيمة وسماح تشاركتا في سرقة مروة للخروج من أزمة التهجير. وقتل كرم زوج عمته نعيمة لأنه كان طفلًا موصومًا بسلوك أمه الراقصة التي تقيم علاقة جنسية مع زوج نعيمة. وتسترت نعيمة على الجريمة لإنقاذ كرم من جحيم دار إعادة تأهيل الأطفال مرتكبي الجرائم (الأحداث).

الحاج نور هو ترسٌ في آلة الرأسمالية، وإذا لم يلجأ إلى تهجير أهالي الحي لصالح المستثمرين، فسيتعرض هو شخصيًا للسجن

نعيمة نفسها تبتز الدكتور المُبتز، وتساومه على عدم الإبلاغ عنه مقابل مبلغ مادي، خطّطت لاستخدامه في تسديد ديون أهالي الحي ووقف عمليات التهجير، وبدء مشروع مطعم، في مواجهة محاولات سيطرة الحاج نور على الحي.

أما الحاج نور نفسه، فهو ترسٌ في آلة الرأسمالية، وإذا لم يلجأ إلى تهجير أهالي الحي لصالح المستثمرين، فسيتعرض هو شخصيًا للسجن. يقول كارل ماركس في «مخطوطات فلسفية واقتصادية.. 1844»: «كلما ازداد تراكم رأس المال، كلما دُمّر المستثمرون الأصغر على أيدي الرأسماليين الأكبر». الدافع الإنساني للتهجير، هو نجاة نور نفسه كرأسمالي صغير، من المستثمرين. هنا، وبتوحُّش الرأسمالية وبالانسحاق التام في النظام الإقتصادي، ندور سويًا من خلال الشخصيات في دائرة الشر الإنساني، والجريمة للنجاة.

وفي صدد الماركسية ذات الطابع النسوي الراديكالي، تعتلي نعيمة سلم منزلها أثناء زفاف ابنتها لتلقي خطابًا تُعلن فيه أنها ستبدّل اسم الحي باسمها، وستوفّر فرص عمل لأهالي المنطقة رجالًا ونساءً، حتى لو كانت تقسيمة العمل داخل المشروع جندرية.

«الفرح دا مش فرح بنتي بس، دة فرحنا كلنا. من هنا ورايح المنطقة دي، بالشارع، بالمرسى، بالسوق، مش هتبقى منطقة الحاج فتحي. لأه، هتبقى منطقة طبليّة أم منّة. [….] محدش فيكم هيشتغل عندي. إحنا كلنا شُركا. أنا محتاجاكم أكتر مانتو محتاجيني. »

يأتي توصيف المشهد بـ«الماركسي»، في إشارة بسيطة لاتحاد القوى العاملة في مواجهة رأس المال، المُتمثل أولًا في الحاج فتحي الذي امتلك الأرض بوضع اليد وداينَ الأهالي، وثانيًا في ابنه الحاج نور الذي يعبر عن قوة رأسمالية أكبر من الحاج فتحي تنتزع الأرض من الأهالي المديونة، وثالثًا في المستثمرين المهيمنين على نور نفسه.

أما عن توصيفه بـ«النسوية الراديكالية»، فلأن القوة المواجهة امرأة وعاملة. في النظام الأبوي المُنتزع للأرض مُصوّرًا في الحاج فتحي وابنه نور، تقف نعيمة كامرأة، في رمزية مواجهة النظام الأبوي الرأسمالي.

الدولة: الغائب الحاضر

قُدمت الدولة في المسلسل كالشبح؛ موجود لكننا لا نراه إلا في الظلام، داخل أقسام الشرطة، ورشاوى موظفي الحي، وارتفاع سعر الدولار، وقبلها في المركزية ونهج اقتصاديات السوق الحُر.
تشهد الدولة صحوّة في التدخل لوقف المشروع الاستثماري، ليس بدافع تأمين الأهالي من التهجير، ولكن بموجب كونها أراضي الدولة المأخوذة من الأهالي بوضع اليد. فيصبح الحال أن وقف المشروع الإستثماري يعيد للدولة ملكية الأرض.

وتظل الرمزية في ظهور «أرض الحافي» هي التوازي مع عمليات تهجير الأهالي من «مثلث ماسبيرو» لصالح المستثمرين، بالإجبار والاعتقال والتعتيم الإعلامي على انتهاكات الدولة في حق الأهالي.

التضامن النسوي وتمكين الشخصيات النسائية

مثّلت شخصية نعيمة محورًا لعلاقات النساء في المسلسل، فهي حلقة الوصل بين نساء الطبقات العُليا والخدّامات، وحولها تلتف كل نساء منطقتها، ومن خلالها يتم تمكينهن.

تفتح نعيمة بيتها لسماح، التي حملت وصمة كونها طفلة غير شرعية، وكذلك لأم كمال العاملة المنزلية الأكبر سنًا والنازحة من محافظتها. أما الفتاتان، انتصار ورضا، فتفهمت نعيمة موقف أسرتيهما بالكامل، وقدمت حلًا واقعيًا لأزمة تواجدهما في سوق العمل بتوعيتهما بحقوقهما في البداية، وفي النهاية بقبول التحاقهما بمدرسة للمشغولات اليدوية بدلًا من العمل المنزلي تحت إشراف دينا، التي لم تتفهم الوضع جيدًا في الحلقات الأولى، وأقبلت على حل وسط بتعليم الطفلتين حرفة غير العمل المنزلي، للهروب من وصمة الدونية اللاصقة به، وفي نفس الوقت لمساعدة أسرتيهما.

أما عبير التي صُدمت من الدكتور الذي يصوّرها، هي وأخريات، دون موافقتهن، فتلجأ لنعيمة التي تساوم الدكتور على الفيديوهات مقابل ثلاثة ملايين جنيًها خطّطت لاستخدامها في حل أزمة التهجير. لم تسأل نعيمة إن كانت عبير ترغب في المساومة، ولكن في الحلقة الأخيرة تنوي نعيمة إعادة المبلغ، وتأذن لها عبير بالإبقاء عليه لإقامة المشروع.

كانت لفتات التضامن النسوي أكثر اللحظات إنسانية على الشاشة. أحضان نعيمة كانت مليئة بالتفهّم والدعم والتضامن الصادق، لأنها هي مَن اختبرت المواقف مع هؤلاء النسوة. تعلم نعيمة جيًدا ما يتطلبه العمل المنزلي، وكونه ليس عملًا بسيطًا كما أشار ماركس، وكما تجادل النسويات مع اليسار طيلة عقود، وتتصرف مع العاملات المنزليات من هذا المُنطلق. تلقت نعيمة نفسها تضامنًا نسويًا من النساء، مثل أم كمال وعبير وسماح وأم مروة. في أحد المشاهد الحميمية، تقتسم انتصار الحلوى مع أختها رضا، رغم أن رضا مُرفهة، لأن دينا تتبناها وتُعفيها من العمل المنزلي، بينما ظلت انتصار تعمل بشقاء عند سلوى.

النهاية التي تتضافر فيها الجهود النسائية لحسم الصراع، لم تكن سعيدة فقط لأنهن نساء، ولكن لأنها خرجت من إكليشيه «المرأة الحديدية» لما هو أكثر واقعية

في مفارقة لطيفة، تظهر الفتاتان في عيد ميلاد ابن سلوى المقيمة في التجمع الخامس، خلف الجدار تشاهدان الاحتفال في صمت، منبوذتين تمامًا. بينما في الحلقات الأولى، ترقصان مع نعيمة وبناتها ونساء الحي في «أرض الحافي» احتفاء ببراءة نعيمة، رغم كونهما من الوافدات الجُدد. ويظل مشهد نصائح نعيمة لهما أكثر المشاهد حميمية.

على غرار أفلام مثل «ألعاب الجوع» و«ماد ماكس»، تتجلى الشخصية النسائية التي تحسم الصراع الرجولي على السلطة. في البداية كانت نعيمة. لكن منصورة، الزوجة السابقة لنور، لعبت الدور بتميُّز. وبإبلاغها «الحكومة» عن المشروع الاستثماري، أعفت طليقها من التزامه تجاه المُستثمرين، وبالتالي أخرجته وأخرجت أهالي الحي، بما فيهم نعيمة، من أزمة التهجير.

النهاية التي تتضافر فيها الجهود النسائية لحسم الصراع، لم تكن سعيدة فقط لأنهن نساء، ولكن لأنها خرجت من إكليشيه «المرأة الحديدية» لما هو أكثر واقعية، فكل واحدة منهن كان دورها محوريًا في الانتصار على قوة رأس المال.
نعيمة صاحبة فكرة المشروع، عبير ممولة المشروع، ومنصورة التي أفسحت المجال أمام عبير ونعيمة لإتمام المشروع. ويتضمن ذلك دور سماح في السرقة، ودور منّة في إخراج نعيمة من تهمة السرقة.

ولتزداد النهاية الأخلاقية نسبيًا سعادة، ففي السيناريو الأصلي يعود كرم للعمل في المطعم، وتتصالح سماح مع نعيمة.
يظل العمل واحدًا من أهم الأعمال الدرامية التي ألقت الضوء بحرفيّة على عالم «المخدّماتية»، بعيون هؤلاء النساء، ومن خلال صراعاتهن.

تساؤلات عن التصنيف الأيديولوجي

في تصريح لـ«مدى مصر» قال السيناريست محمد رجاء إنه لا يتبع أي أيديولوجية سياسية، وأنه لا يكتب إلا ما يشعُر به تجاه الشخصيات.

في الحقيقة، وضعني هذا التصريح شخصيًا في مأزق جدلي، بصفتي أكاديمية أو ناشطة أو امرأة: هل يحق لي توصيفُ المسلسل بأنه «نسوي ماركسي»، إن كان صنّاع العمل أنفسهم لا يصنّفونه كذلك؟ وما هو محل ما يقع خارج التصنيف الأكاديمي والتوصيف المعرفي لشيء ما؟

هذه المعضلة أبدية، لا حل لها سوى أن نقبل بما هو خارج تصنيفاتنا، كما هو، ودون محاولات صبغه ليلقى رواجًا في أوساطنا.

أطلق التوصيف اليوم، مُعترفة أنه توصيف شخصي، من خارج التصنيف، وفي صُلبه.

اعلان