Define your generation here. Generation What
«هذا المساء» لتامر محسن: محاولة لهجر المنظومة الرمضانية؟
 
 

يمكن رسم نمط متكرر لغالب الدراما التلفزيونية المصرية المعروضة في رمضان من كل عام. هي باختصار دراما تفتعل الحدث؛ هناك حدث أول في الحلقات الثلاث الأولى يراد منه جذب المشاهد، يطلبه منتجون يصارعون لبيع أعمالهم ولتلقي كم من الإعلانات في أيام العرض الأولى تحفظ لهم موقعهم في شراكات العرض الثاني مع قنوات أخرى، وفي مسلسلاتهم التي ينتجونها في الأعوام التالية. وهناك أيضًا الوجه الذي يبيعون به، النجم والنجمة، وهناك حلقات ثلاثون يجب ملؤها بأحداث مفتعلة متلاحقة، تمرِّر الوقت، إلى حين تقديم انقلابات في الحبكة غالبًا ما تكون متوقَّعة. تُضاف إلى ذلك كله منظومة الانتاج التي كانت -قبل وبعد الوضع الاقتصادي الحالي-  تبدأ بتنفيذ الأعمال متأخرة بحيث يتزامن التصوير مع العرض على الشاشة.

كل هذه العناصر، مضافًا إليها رقابة ضمنية، انتقلت مؤخرًا من قنوات الدولة لقنوات فضائية خاصة باتت لها منظومتها الرقابية المعتادة، يُنتِج ما نراه موسميًا من عام لعام، حتى أصبح العثور على عمل يصلح للمشاهدة (وإعادة المشاهدة)، ورغم كم الأعمال المعروضة، أصعب بما لا يقاس مما كان في السنين السابقة.

لكن «هذا المساء» ليس مسلسلًا يشبه باقي الأعمال التلفزيونية المعروضة في رمضان الحالي. المسلسل الذي كتبته ورشة كتابية أدارها محمد فريد عن قصة لمخرج العمل تامر محسن يبدو مغتربًا عن باقي الأعمال في السباق الرمضاني.

يبدأ هذا الاغتراب من الطريقة التي يقدم فيها المسلسل دخلته. فعلى عكس المسلسلات الرمضانية الأخرى التي تسعى لجذب المسلسل من خلال الحلقتين الأوليين برمي العقدة أو الحدث الأول، لا يهتم «هذا المساء» بخوض الصراع من هذا المدخل، فهذه الطريقة على الأرجح لا تشبهه ولا تشبه صناعه. وتتأكد هذه الفكرة أثناء متابعة حلقات المسلسل، مع مواصلة اغتراب المسلسل في صنعته وطريقة تقديمه لشخصياته وتشابك علاقاتها. لا حدث مفتعل يستدر عطف منظومة الإنتاج أو ما اعتاده المشاهد الرمضاني. بهذا المعنى، يستفيد المسلسل من منظومة إنتاجية وطريقة عرض موسمي، ويلعب ضمنهما دون الانسياق لما جرى فرضه -إنتاجًا وبالاستنساخ الضعيف-  في المرحلة التي تلت خروج الدراما المصرية من مرحلة الاستديو بالكاميرات الثلاثة المعتادة، ومن نصوص أصيلة، متفاوتة، لكنها ذات مشروع، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها أو هزأنا بها،  مع غياب أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبد القوي ومحمد صفاء عامر.

لكن عرّاب العمل، صاحب فكرته، كاتب قصته ومخرجه، آتٍ بنفسه من العمارة والسينما إلى التلفزيون. وهذه التفصيلة، مع واقع ما أنتجه على التوالي (مسلسلات «بدون ذكر أسماء»، و«تحت السيطرة»، و«هذا المساء») ينتج على الأغلب فهمًا مختلفًا للوسيط التلفزيوني أولًا، ولرؤيته للكيفية التي يجب أن يكون عليها العمل الفني ثانيًا: لا تستعرض التقنية، بل اعرض بالقدر المطلوب، واترك لعناصر أخرى، مثل المونتاج أو مراكمة التفاصيل أو إدارة الممثل أو عناصر الديكور أو الأصوات، أن تصنع المزاج العام وأن تقول ما تود قوله دون أن «تفرض» شيئًا.

يفضي تتبُّع أعمال تامر محسن إلى الخلاصة بأننا أمام جهد حقيقي يتحقق كل عامين. البداية كانت مع كاتب سينمائي أكثر منه تليفزيونيًا، معروف، هو وحيد حامد، ومشروع لتأريخ حقبة الثمانينيّات -حتى في مشاهدها الخارجية- في مسلسل «بدون ذكر أسماء» (٢٠١٣).  رغم وجود حامد وسهولة طغيان وجوده على صناعة العمل، كان من الممكن أن نلاحظ أن هناك صانعًا حقيقيًا للعمل، هو مخرجه، ما جعل المسلسل – إضافةً لـ«موجة حارة» المُنتَج في العام نفسه، وأخرجه محمد ياسين الذي عمل تامر محسن معه مخرجًا للوحدة الثانية من مسلسل «الجماعة» – عَمَلًا يعاد ذكره ومشاهدته في لائحة الأعمال الباقية في ذاكرة الدراما التلفزيونية في السنوات القليلة الماضية.

تلا ذلك تعاون مع مريم نعوم في «تحت السيطرة» (٢٠١٥ – قصة محسن أيضًا)، لكن التجربة شابها التكرار ومط وغياب للحدث في ظل سوء رسم الشخصيات أو الاتكاء على بعدها الواحد، وزادها أخطاءً ظهور التجربة كأنها عمل مسؤولية اجتماعية هادف يجمع بين التوعية من المخدرات وإلقاء الضوء على معاناة المرأة.

لكن في «هذا المساء»، يصل محسن إلى عمل يصبح فيه صانعه الأول، فلا نعود نعرف إن كانت الكتابة تتبع التصوير والإخراج، أم أن الأخيرين يتبعان ورشة الكتابة، إن كان كل ما رأيناه على الشاشة مكتوبًا على الورق أم أنَّ نظام الورشة قد امتد لأماكن التصوير والنقاشات مع الممثلين. أيًّا كانت الطريقة التي نُفِّذ بها العمل، فنحن أمام اعتناء رهيب برسم الشخصيات التي تفارق الأبعاد الواحدة والتبسيطية المعتادة في أعمال رمضان.

يقوم العمل على ثيمة الفضول، وينجح في تصدير هذا الفضول إلى المشاهد. يعرف المشاهد ألا أسرار قادمة، لكنه ينتظر «كيف» سيحدث ما يتوقعه وفِي أي سياق. وهذا أصعب ما يمكن العمل عليه؛ أن تكشف كل خطوطك وتنجح في إبقاء انتظار الكيفية التي ستحدث بها الأشياء، وهي كيفية تساعد عليها طريقة رسم الشخصيات الجلفة (أي القوية)، وانتظار كيف يمكنها التصرف إذا ما التقت أو عرفت عن بعضها ما لا تعرفه.

كان يمكن لهذه الجلافة أن تتبدى في الانحياز لطبقة على حساب أخرى في المسلسل. إذ يبدو واضحًا وجود الطبقة الفقيرة أو الشعبية بمستويين (عائلة سمير، وصاحبه سوني الذي بلا عائلة)، والطبقة المتوسطة العليا (أكرم)، والطبقة البرجوازية (عائلة نايلة). لكنَّ هذا لا يحدث، بل إنَّ هناك دائًما أكثر من مستوى لدى مقاربة كل طبقة. الحرية الجنسية عند نساء الحارة «المدينية» تقابلها رؤية مغايرة لدى الفتاة الوافدة من الإسماعيلية (تقى)، التي تنظر إلى تجربتها الجنسية كغلطة، والبرود الجنسي المرحلي عند نايلة يقابله مزاج مغامر لأختها نادين. وبين الطبقتين يصعد مستر أكرم السلم، فيذهب ويعود بين عبلة المرأة المتحققة مهنةً، ونايلة التي تحقق له مهنته عبر أبيها.

لكن الطبقتين، الفقيرة والبرجوازية، لا تتحادثان فقط عبر مستر أكرم (إياد نصار)، فهناك تُقى (أسماء أبو اليزيد) التي تنسجم مع نادين (هدى المفتي) وتتخانق مع المذيع التلفزيوني (هاني عادل)، الذي يحاول فرض وصايته الأخلاقية (الطبقية؟) عليها، وكلا الشخصين من الطبقة البرجوازية نفسها.

كل هذه المحادثات والانسجامات والمشاحنات تدور على إيقاع موسيقي وصوتي وحركي ولوني لا يمكن إغفاله. يُمكننا ملاحظة اختلاف المادة التلفزيونية التي تُبَث في بيت سمير (أحمد داوود) مقارنةً ببيت أكرم ونايلة (أروى جودة). أما الأغاني فتُوظَّف في مشاهد يخرج فيها التصوير من البيوت، أو يبقى فيها بصمت، لتريح الإيقاع وتقطع الزمن وتبطئه وتوقفه وتجعل المشاهد ينظر إلى ما يحدث بعين الواقف خارج الفقاعة. هذه الموسيقى التي تتوزع بين كلاسيكيات وأغاني پوپ وأخرى شعبية وحتى صوفية، تحقق في هذه المشاهد مقاربة أخرى لما حاول تامر محسن صناعته في مسلسله الأول «بدون ذكر أسماء». فالاستقطاعات الأرشيفية التي كانت خطًّا مستقلًا موازيًا في المسلسل الأول صارت من صلب العمل في «هذا المساء»، بل إنه حتى ينجح بالإيحاء بأن بعض الديكورات والممثلين ينتمون لهذا الخط الأرشيفي.

الحركة بدورها تلعب دورًا أساسيًّا في قول ما لم يقَل في الحوار عن الشخصيات. مثال أول هو تغير مشية عبلة (حنان مطاوع) قبل الزواج، وبعده، وبعد طلب أكرم منها إجهاض الطفل. مثال ثاني هو الطريقة التي يلمس بها أكرم كتفه أثناء فترات توتره. مثال ثالث هو الثبات الحركي في العلاقة المعتمدة على النظرات بين سمير وتقى. والأهم، الطريقة التي يتحرَّك بها سوني (محمد فراج) بين معظم الشخصيات، من ناحية تعابير الوجه وحركة الجسد واستخدام الألفاظ وطريقة النطق. أما الألوان فيبدو اختلافها واضحًا في مشاهد أكرم ونايلة في فترات برودهما الجنسي، مقارنًا بالألوان الحارة والمختلفة عن حرارة مشاهد الحارة في مشاهد عبلة وأكرم الأولى بعد الزواج، والتي ما تلبث أن تبهت أو تعود لألوانها الحقيقية كأنها تفارق حلم عبلة بـ«الطبطبة».

على أن «هذا المساء»، ورغم تميزه، يعاني، شأنه شأن مسلسلات أخرى، من أزمة الحلقات الثلاثين (وإن كان بدرجة أقل، ويساعده في ذلك إيقاعه الذي لا يستدعي أي أحداث «كبيرة»). هناك أزمة الثلث الثاني، التي تتضح أكثر مع الحلقات الممتدة من الحلقة ١٥ حتى الحلقة ٢٠، ما يؤدي على الأغلب لإضافة خطوط لم تكن جاذبة، مثل خط أخ أكرم (باسل الزارو)، أو خط المذيع التلفزيوني (هاني عادل).

موسمًا إثر موسم، ومع ملاحظة بدء تغير تجربة المستخدم ولجوئه لخدمات «الستريمنج» والفيديو عبر الطلب، لا يمكن إلا التفكير في مدى ملاءمة مثل هذا العمل، أو أعمال قادمة للمخرج أو فريق العمل نفسه، للعرض في منظومات تختلف عن العرض الرمضاني الموسمي بشروطه الحالية، مثل «نتفليكس» وغيره من الخدمات الشبيهة. هل تتمكن شركات الانتاج من اللحاق بتغيُّر تجربة المستخدمين؟ وهل تعود هذه التجارب بعائدات يمكنها أن تبرّر وتتيح صناعة لاحقة من المسلسلات المصغرة ومتوسطة الطول؟

الإجابة على مثل هذه الأسئلة مشروطة بالانتظار، وبمدى تغير التفكير الإنتاجي البطيء عادةً وغير المغامر، والأمل بألا تواصل الأعمال التلفزيونية، في انسياقها للمنظومة الإنتاجية، إمدادنا بصورة بلا مضمون حقيقي، فتصير كالسينما المهجورة في «هذا المساء»؛ جميلة لكن غير مستخدمة، لا يمكن دخولها من بابها الأمامي، ولا يعبر إليها إلا أشخاص معدودون بحكم قربهم منها، ليس إلا.

وهذا تحديدًا ما لا يجب أن يحدث لأعمال مثل «هذا المساء»، عرضًا ومشاهدةً.

اعلان
 
 
هلال شومان