Define your generation here. Generation What

جزر مصر المسلوبة: فضيحة نظام السيسي يشعر المصريون أن مستقبلهم يُسلب، والآن يشهدون تبديد أرضهم التاريخية

*نشر هذا المقال في نيويورك تايمز بالإنجليزية والعربية، وينشره «مدى مصر» بالاتفاق مع الكاتبة.

*رأيت أن أنوه للأصدقاء المصريين والعرب ببعض الأمور: كتبت هذا المقال أثناء النقاش البرلماني حول الجزر، ثم بدأ محررو نيويورك تايمز في مراجعته، وفي إثارة الأسئلة حول كل تفصيلة، والتحقق وطلب الإثباتات. وهذا إجراء جيد ومهني، لكنه في هذا الظرف كان صعبًا، فأشياء كثيرة من التي طلبوا براهين عليها لا توجد إلا بالعربية، وأحيانا لا توجد كتابةً بل على فيديو مثلا، أو على موقع ثم يُحجب الموقع، أو هي أشياء أعرفها لكني لا أستطيع إثباتها لهم (مثل جملة «المحامون ينتشرون في كل أماكن الاحتجاز المحتملة، متطوعي الإعاشة يبدأون في العمل، الكل يعمل على جمع الكفالات المنتظرة») -نحن نَمُرّ في كل هذا والأحداث بالطبع تتسارع فأضطر إلى إدخال تغييرات وتحديثات، وإثباتها. وبتغير الأحداث والأوضاع ومرور الأيام تصير «نغمة» المقال غير ملائمة- وهكذا.

في النهاية رأيت أني لا زلت أفضل أن ينشر المقال عن أن أسحبه، فها هو.

أما هذه النسخة العربية فهي في الحقيقة لا تضيف شيئًا إلى خطابنا العربي لكنها استمرار لموقف اتخذته يملي علىّ أني إن قلت شيئًا في الخارج أقوله في الداخل أيضًا.

‫*********‬

شهد هذا الشهر تصعيدًا خطيرًا في الأحداث والتداعيات التي نعيشها في مصر منذ يناير 2011.  في 11 يونيو رأينا الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها أجهزة الأمن حول مبنى البرلمان استعدادًا للبدء في مناقشة قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، وخلال ثلاثة أيام كان البرلمان قد انتهى من النقاش وقرر التنازل عن الجزر.

عملية التصويت في البرلمان سبقها تصعيدٌ أيضًا لنشاط الشرطة والأمن في أنحاء البلاد، فتسارعت وتيرة القبض على ناشطين وعلى شخصيات معروفة وأيضًا على شخصيات وأفراد لا يُعرف لهم أى نشاط أو انتماء. وجدنا أنفسنا على أرض نعرفها جيدًا: المحامون ينتشرون في كل أماكن الاحتجاز المحتملة، متطوعي الإعاشة يبدأون في العمل، الكل يعمل على جمع الكفالات المنتظرة -والكل يحاول في الوقت نفسه ألا يحيد بصره عن القضية الأساسية: قضية الجزيرتين.

اتخذت قضية الجزيرتين موقعًا محوريًا في اهتمامنا السياسي -ففيها تظهر عناصر كثيرة من مكونات الصراعات التي تحتدم في مصر الآن. ظهر لنا الأمر أول ما ظهر في أبريل 2016، حين زار الملك سلمان، ملك المملكة العربية السعودية، القاهرة، وانتهت الزيارة بالإعلان عن مشروعات وعقود قيل إن قيمتها تصل إلى عشرين بليون دولار، وفي الوقت نفسه أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، أنه قد اتخذ قرارًا بتسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية.

وفي شرح أسباب هذا القرار أعرب عن قناعته بأن الجزيرتين سعوديتين، وأن مصر كانت فقط مؤتمنة عليهما، كما أضاف أن السيدة والدته أوصته بألا يأخذ أبدًا ما للغير.

تقع جزيرتا تيران وصنافير شرق شبه جزيرة سيناء في الطرف الشمالي للبحر الأحمر. تيران، وهي الأكبر، تبلغ مساحتها نحو ثمانين كيلومتر مربع، وتبعد نحو 12 كيلومترًا عن ميناء شرم الشيخ. والمياه حول الجزيرتين غنية بالحياة البحرية وبالمرجان، وهي غاية مهمة للسياحة وبالذات لهواة الغطس، لكن الأهمية الحقيقية للجزيرتين أهمية ستراتيجية لأنهما تتحكمان في «مضايق تيران»، المدخل الوحيد إلى خليج العقبة على الحدود الشرقية لمصر.

على رأس الخليج ميناء إيلات الإسرائيلي -الذي كان يومًا بلدة أم الرشراش المصرية. وفي حربي 1956 و1967 احتلت إسرائيل جزيرتي تيران وصنافير لكنها في المرتين اضطرت أن تعيدهما إلى مصر -في المرة الثانية بموجب معاهدات كامب ديفيد. وتتمركز على الجزيرتين مجموعة صغيرة من قوات حفظ السلام الدولية، وهم في الأغلب من الجنود المصريين والأمريكيين.

لم يقتنع الكثيرون في الحقيقة بقصة وصية الوالدة. هل تم بيع الجزيرتين؟ هل من صلاحيات أى حكومة أن تُعَيِّن قطعًا من أراضي البلاد تأخذها فتبيعها لدولة أخرى؟ الدستور يمنع هذا والحكومة تقول إنها لم تفعل. قامت مجموعة من المحامين الحقوقيين، بتوكيلات من نحو ثلاثمائة مواطن، برفع دعوى أمام محكمة القضاء الإداري ، للحكم في ما إذا كانت جزر تيران وصنافير مصرية أم سعودية.

تدفقت الوثائق من مختلف أنحاء العالم إلى فريق المحامين، وكانت تغطي نحو قرنين من الزمان. أحالت المحكمة الأوراق إلى هيئة المفوضين لدراستها، وفي يونيو 2016 حكمت بمصرية الجزيرتين. وحين استأنفت الحكومة الحكم أكدت المحكمة الإدارية العليا على مصرية الجزيرتين وحظرت على الحكومة القيام بما يمس سيادة مصر عليهما. وكان حكمها باتًا ونهائيًا وغير قابل للطعن.

وكان يجب أن تنتهي المسألة هنا، ولكن حكومة الرئيس السيسي قامت بفعل غريب، فقد رفعت دعوى أمام محكمة الأمور المستعجلة -وهي المحكمة الأقل مرتبة من الإدارية- تطلب منها وقف تنفيذ حكم الإدارية العليا (وهو الحكم ببطلان المعاهدة التي وقعها رئيس الحكومة المصرية في أبريل 2016بتسليم الجزيرتين). وحكمت الأمور المستعجلة فعلًا بإيقاف تنفيذ حكم الدستورية العليا (!!) فأصبح المسار أن تنتقل القضية إلى الدستورية للحكم بين المحكمتين. وهنا تقدمت الحكومة إلى البرلمان تطلب منه أن ينظر في المسألة.

في برلماننا عدد كبير من النواب الذين ينتمون إلى الأحزاب أو التكتلات التي كوَّنتها أجهزة النظام الأمنية والاستخباراتية منذ حوالي ثلاث سنوات استعدادا للانتخابات البرلمانية. عمت الفوضى في القاعة حيث حاول النواب المعارضون للمعاهدة تحذير زملائهم في المجلس أن حتى مناقشة موضوع يمس التنازل عن الأرض تعرضهم للاتهام بالخيانة العظمى، يطلب النواب المعارضون الكلمة فترفض طلباتهم، يطالبون بأن يكون التصويت على القرار بالإسم فيرفض الطلب، وفي اليوم الرابع، في مشهد عظيم من الفوضى، أقر البرلمان التنازل عن تيران وصنافير في تصويت مُجَهَّل، برفع اليد.

ما الذي يشعل حماسة الرئيس للتنازل عن أرض لها هكذا ثقل تاريخي واقتصادي واستراتيجي -حماسة لدرجة توريط الحكومة في تعديات من شأنها تدمير أى هيبة باقية لمؤسسات الدولة من قضاء وبرلمان، وإعلام وحتى الدستور؟ هل هو صراع إرادات يضطر السيسي أن يكسبه ليعلم الجميع أنه يفعل ما يريد وليست هناك قوة تستطيع أن تمنعه؟ أم أن الحكومة متورطة في صفقة لا تستطيع العدول عنها ولا تستطيع الإفصاح بمكوناتها الحقيقية؟

إعطاء الجزر للسعودية يجعل من المملكة طرفًا في اتفاقيات كامب ديفيد ويعطيها مبررًا لعلاقاتها النامية مع إسرائيل، وهي العلاقات التي لها زمن تديرها في الخفاء، لكنها الآن ومع محاولات ترسيخ أوضاع جديدة في المنطقة، ومحاولة تكوين تكتل ضد إيران -تكتل يشمل إسرائيل- تحتاج أن تخرج بها إلى العلن. فحدود المملكة الجديدة مع إسرائيل «تضطرها» لإقامة علاقات دبلوماسية معها.

بالنسبة لمصر فصحيح أن اتفاقيات كامب ديفيد تشترط أن تكون مضايق تيران مفتوحة أمام كل السفن -والمعني بالذات بالطبع السفن الإسرائيلية- لكن هذا الشرط يسري فقط في أحوال السلم وفي ظروف «المرور البرئ». وطالما ظلت المضايق تحت السيطرة المصرية فإن مصر تستطيع إغلاقها في حالة الحرب أو لو اشتمت نوايا سيئة للسفن المارة. أما في حالة التنازل عن الجزر للسعودية فتصبح مياه مضايق تيران مياه دولية وليس لمصر أى حكم عليها في السلم أو في الحرب -أي أن حدودنا الشرقية بطول سيناء تصبح مكشوفة أمام أي اعتداء.

من الهام جدًا أن نلحظ أن هذا الصراع حول الجزر يحدث على خلفية قاتمة. الأغلبية الكبيرة من المصريين يعيشون إحساسًا بالتهديد في حياتهم ومستقبلهم وأرزاقهم منذ عقود، لكننا الآن نشعر بتهديد وجودي. فأساس«مصريتنا» التي نحيا بها هو إحساسنا بأن بلادنا -منذ خلقت من آلاف السنين- لها شكل وروح لم تتغير كثيرا -أى أننا إن أتيناها في أي عصر سنجد أنفسنا متعرفين عليها. نشعر الآن بما قد يقوض هذا الأساس.

حصة مصر من مياه النيل يهددها سد يوشك جيراننا في الجنوب على إتمامه، تربة الوادي مجهدة، ومواردنا عموما مستهلكة، كثيرون منا مرضى، أطفالنا يعانون من التقزم، هواء مدننا ملوث. سنوات وسنوات من الحكم غير الرشيد.

أما المجتمع المصري فهو منقسم وعدائي بشكل لم نعرفه من قبل، وربما لأول مرة في تاريخها تجد مصر لا ترحب بالنازحين واللاجئين، وطاردة حتى لأولادها الذين يقذفون بأنفسهم في الصحارى والبحار هربًا منها. لم يكن أي من هذا حتميًا، بل هو نتاج عقود من الحكم الفاسد والمُفسِد.

ثورة يناير 2011 كانت استجابة ورد فعل لهذا التهديد الوجودي، ولهذا خرج إليها الملايين من الشباب والكبار، والأغنياء والفقراء، وذوي المرجعية السياسية الدينية وذوي المرجعية السياسية المدنية، وغيرهم. الكل يريد إنقاذ البلاد وإنقاذ نفسه. ومهما قيل حول الفرص الحقيقية لنجاح هذه الثورة فمن المؤكد أنها كانت تعبيرًا عن إرادة عارمة نحو الحياة؛ نحو نفض الركود، والفساد، واليأس، وأثناء الثورة احتفى الناس بإيجابياتهم، بقدراتهم وإبداعهم، وغيريتهم، وشراكتهم، وتنوعهم.

الثورة المضادة التي بدأت منذ تنحى الرئيس المعزول حسني مبارك، في فبراير 2011، فشلت تمامًا في (أو رفضت تمامًا) مواجهة هموم وشواغل المصريين. في كل شكل من الأشكال التي اتخذتها كان تركيزها على التمكن من السلطة والاستفراد بها، والقضاء على كل ما تتصور أنه يمكن أن يهددها -أي على معاقبة أي بادرة للروح الثورية، روح الغيرية والتمكن، والتشاركية والإبداع.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة ظل في الحكم عامًا، وكذلك الإخوان المسلمون، أما اليوم فلنا أكثر من ثلاثة سنوات تحت حكم نظام عبد الفتاح السيسي، وهي مدة تكفي لنحصي آثارها. اليوم يشعر المصريون بخطورة وخسارة وعار فقد تيران وصنافير. وليس هذا كل ما عانوه. النقابات أصدرت بيانات، ومظاهرات مفاجئة قامت هنا وهناك. رد الحكومة هو حجب المواقع الإخبارية والقبض على أعداد أكبر واحتجازهم. لكن هذه المعارضة مستمرة ولن تتوقف. لن نصمت.

اعلان