Define your generation here. Generation What
حول العملاق الذي لم يدغدغه باسم يوسف!
 
 

منذ ثلاث سنوات، بالتحديد في مساء الثلاثاء 18 يونيو 2014، وفي مشهد كاريكاتوري، كنت أقف وحيدًا أمام مسرح راديو بوسط البلد حاملًا لافتة تندد بوقف برنامج باسم يوسف الشهير، «البرنامج».

قبل تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر في 8 يونيو 2014 بعدة أسابيع، بدأ التضييق الشديد على البرنامج، حيث تكرّر التشويش على قناة «إم بي سي مصر» التي كانت تذيعه في هذه الفترة، وبدأت جماهير غاضبة من «المواطنين الشرفاء» في محاصرة المسرح بالتزامن مع موعد تسجيل وإذاعة كل حلقة، وتناثرت شائعات حول تعرض باسم وبعض أفراد فريق برنامجه للتهديد المباشر، وهو ما لم يثر الدهشة، خاصة أن والد طارق القزاز منتج البرنامج، كان قد اعتقل قبلها بشهور بتهم ملفقة، وكان من الواضح إن الاعتقال جرى لإرسال رسالة ضغط لباسم.

كان قانون التظاهر قد صدر منذ فترة غير طويلة، في نوفمبر 2013، وعلى إثره اعتُقل عشرات المحتجين السلميين، ومنهم على سبيل المثال سناء سيف (21 عامًا وقتها)، ابنة المحامي الحقوقي أحمد سيف الإسلام، والدكتورة ليلى سويف أستاذة الرياضيات بجامعة القاهرة.

ما هي المشكلة بالضبط في جيلنا؟ في لحظة ما كان شباب هذا الجيل يقدمون أرواحهم وعيونهم وأطرافهم ومستقبلهم فداء للوطن، وفي لحظة أخرى قررنا هجر الحلم والمضي، كلٌ منا إلى سبيله. هل نحن أبطال أم أشباه أبطال؟ لماذا عدنا للوطن في لحظة ما، ولماذ قررنا مغادرته، حقيقة أو مجازًا، في لحظة أخرى؟

قبل وقفتي الإنفرادية بأيام، كنت قد قرأت قانون التظاهر جيدًا، وفهمت أن التظاهر يستلزم «إخطار» الأجهزة الأمنية، لا «موافقتها» كما كان شائعًا وقتها. وبعد استشارة مجموعة من الأصدقاء المتحمسين لباسم وبرنامجه، وبعد الاتفاق على الوقفة الاحتجاجية، تقدمت بطلب لقسم شرطة قصر النيل وأعطيتهم بيانات الوقفة: متى، أين، لماذا، كيف، وما هو العدد المتوقع.

أخبروني هناك أنه في حالة ظهور ما قد يعيق الوقفة فسيهاتفونني قبلها بـ24 ساعة. لم يتصلوا، وبالتالي طبعت مئات المنشورات التي توعي الناس بحق باسم، وبحقهم الدستوري، في إبداء الرأي (كان الدستور الجديد قد صيغ وأُقر في مطلع العام)، وجهزتُ عدة لافتات تحمل عبارات استنكارية ضد وقف البرنامج.

من ضمن مئات الأصدقاء الذين دعوتهم للمشاركة في الوقفة، ومنهم عشرات أبدوا حماسًا بالغًا، لم يحضر سوى صديق واحد، وبعد موعد الوقفة المحدد بساعتين. اختفى الجميع.. تبخروا!

البون الشاسع بين شجاعتنا وثقتنا وأملنا أثناء فترة الـ 18 يومًا المجيدة، وبين ما وصلنا إليه من عجز ويأس وإحباط إبان عودة الجيش للحكم، كان دائمًا ما يشكل تساؤلًا كبيرًا لي؛ ترى ما هي المشكلة بالضبط في جيلنا؟ في لحظة ما كان شباب هذا الجيل يقدمون أرواحهم وعيونهم وأطرافهم ومستقبلهم فداء للوطن، وفي لحظة أخرى قررنا هجر الحلم والمضي، كلٌ منا إلى سبيله. هل نحن أبطال أم أشباه أبطال؟ لماذا عدنا للوطن في لحظة ما، ولماذ قررنا مغادرته، حقيقة أو مجازًا، في لحظة أخرى؟

***

في الفيلم الوثائقي الصادر مؤخرًا «دغدغة العماليق.. Tickling Giants»، ساعدتني كاتبة الفيلم ومخرجته الأمريكية، سارة تاكسلر، على محاولة الإجابة على هذا السؤال بخصوص إعادة النظر في تلك الحقبة تحديدًا؛ منذ 25 يناير وحتى عشية تنصيب السيسي رئيسًا، وذلك عبر تتبع قصة موازية تكاد تشبه المرآة التي ينعكس عليها كل ما يجري في مصر، ولكن بشكل ساخر.

تلك القصة كانت تخص برنامجًا شهيرًا، وكان بطل القصة، ومقدم البرنامج، هو جراح القلب السابق باسم يوسف.

بوستر الفيلم الذي رسمه فنان الكاريكاتير والكوميكس أنديل صوّر باسم ممسكًا بريشة يدغدغ بها قدم وحش عملاق موشك على دهسه. وعبر ما يقرب من ساعتين يروي باسم بنفسه، وبإنجليزية رشيقة بلكنة مصرية محببة، قصة تجربته مع السخرية السياسية، منذ أن أطلق برنامجه الأول «باسم يوسف شو» على يوتيوب في 8 مارس 2011، على غرار برنامج مثله الأعلى وأستاذه جون ستيورات، «العرض اليومي مع جون ستيوارت.. The Daily Show with John Stewart»، ثم انتقاله إلى الفضائيات بعلامة جديدة تحمل اسمه «البرنامج»، من خلال سلسلة قنوات منها On TV و CBC و MBC، عبر ثلاث سنوات وأربعة مواسم و153 حلقة، وعدة استدعاءات للنائب العام، وقضية رفعتها عليه CBC تطالبه فيها بدفع 100 مليون جنيه.

يرى باسم أن مهنته الجديدة، تقديم البرامج الساخرة، هي امتداد لمهنته الأساسية، كجراح يشق أحشاء مرضاه ويصلح أعطاب قلوبهم، إلا أنه في البرنامج يشق باطن المجتمع ويعري ما بداخله دون الاضطرار لإسالة قطرة دم واحدة. كنت أدرك هذا، مثلي مثل ملايين المشاهدين في مصر والعالم العربي، وكنت أرى باسم أكثر من ذلك؛ سياسيًا ومناضلًا وبطلًا، ونموذجًا يستحق التطلع إليه.

في الفيلم بدا باسم هشًا للغاية، خائفًا وقلقًا على نفسه وأسرته ومستقبله وطاقم عمل برنامجه. لم يحاول تقديم نفسه إطلاقًا كشخص مناضل أو مصلح أو ذي رؤية أو أجندة

إلا أنه ومن خلال الفيلم، كان باسم يحاول أن يقدم لنا نفسه كإنسان، وأن ينزع عن نفسه أي بطولة لم يطلبها. كان، مع المخرجة، يحاولان بجهد كبير نقل الصورة من وجهة نظر أخرى؛ شخص مهنته «التهريج» من أجل «التهريج»، أوقعه الحظ في لحظة استثنائية جعلته يحظى بخمسين مليون مشاهد للحلقة الواحدة، في وقت كان مشاهدو برنامج جون ستيوارت نفسه لا يتجاوزون المليوني فرد للحلقة.

في الفيلم بدا باسم هشًا للغاية، خائفًا وقلقًا على نفسه وأسرته ومستقبله وطاقم عمل برنامجه. لم يحاول تقديم نفسه إطلاقًا كشخص مناضل أو مصلح أو ذي رؤية أو أجندة، شخص يحاول استثمار تلك اللحظة الاستثنائية في الاستمتاع بالنجاح والشهرة والاهتمام للحد الذي لا يتجاوز خط الخطر. كان لديه حد أقصى وخط أحمر، بينما لم يكن للثوار وذوي الرؤى خطوط حمراء، وإنما كان لديهم دائمًا الاستعداد للالتفاف حول أي عائق، والمضي قدمًا نحو أهدافهم، مهما كانت النتائج ومهما كانت التضحيات عظيمة. لم يكن باسم يوسف كذلك، ولم يدع يومًا كونه واحدًا منهم.

كانت تلك النقطة الأولى التي لفتت انتباهي، وشكلت بالنسبة لي أول خيط لفهم ما جرى معنا وما جرى للثورة. إن كنا ننتظر جيفارا أو غاندي أو مانديلا، فباسم ليس كذلك ولم يدع هذا.

يدخلنا الفيلم في كواليس عمل فريق البرنامج، عبر سلسلة مقابلات مع أفراد الفريق من باحثين ومحررين وكتّاب سيناريو وممثلين ومنتجين. أغلبهم وجد في البرنامج فرصة لتطوير مسيرته المهنية في مجال الإعلام الساخر، وأغلبهم بعد وقف البرنامج انتقل للعمل في برامج ساخرة أخرى، حقق بعضها نجاحًا كبيرًا، مثل «أبلة فاهيتا» و«أشرف يقدمه أيمن» و«ساترداي نايت لايف بالعربي»، برامج لا تتطرق للسياسة وجرت تعبئتها لتغرق المشهد الإعلامي المصري بمحتوى ترفيهي مُبستر له حدود واضحة لا يتخطاها، بحيث يُبعد المشاهد عن الجدل السياسي والانتقاد المباشر للسلطة وعن تقديم إعلام مقاوم أو ذي قيمة توعوية.

سمحت تلك السلطة لباسم بمواجهة العماليق الإسلاميين، مع برنامجه وطاقمه، دون مضايقات أثناء فترة حكم الإخوان المسلمين، والتي ظن فيها الإسلاميون، من الإخوان والسلفيين، أن الأمور قد آلت إليهم، وظننا نحن بعدها أن باسم وبرنامجه كانا بمثابة كعب أخيل بالنسبة لنظام محمد مرسي، وأنه كان العامل الأساسي لسقوطه.

كانت هذه هي نفس السلطة التي حاولت التلاعب بجميع الأطراف المشاركة في الثورة من أجل تحقيق أهدافها الذاتية، وحماية أركانها، وتبرئة رموزها التاريخية من الشخصيات التي شهدت محاكمات هزلية خرجت منها غالبًا ببراءات، بعد أن اختفت أدلة إداناتهم أو دُمرت في ظروف غامضة. كانت تلك النقطة الثانية التي لفتت انتباهي.

في الفيلم تسترجع المخرجة مشاهد ما قبل الثورة في شريط سينمائي يرجع للخلف، كل شيء يتحرك بالتصوير البطيء للخلف، راجعًا إلى أصله السلبي ما قبل الثورة، فيما يبدو وكأنه يمحو ثلاث سنوات من عمر الثورة، وكأنها لم تكن، وكأنها ذهبت بلا أثر.

بعدها مباشرة تسلط الكاميرا الضوء على نادية، ابنة باسم التي تكاد تخطو خطواتها الأولى، والتي تظهر مبتسمة في وسط الكادر، وكأن مجرد استدعاء صور الأجيال الناشئة من الأطفال، يستدعي معه أطنانًا من مشاعر الأمل والموساة والإيمان بأن التغيير قادم لا محالة على أيادي هؤلاء. النقطة الثالثة.

***

أمسك باسم يوسف في برنامجه ريشة السخرية السياسية، محاولًا بها دغدغة ثلاثة عماليق (أو «وحوش»، على حسب نظرتك إليهم)، النظام القديم، والإسلاميين، ثم النظام القديم في شكله الجديد بعد 30 يونيو، والذي لم يسمح له هذه المرة بالاستمرار، وأطاح به مباشرة مستغلًا عودة الدعم الشعبي الكاسح للسيسي كـ«بطل مغوار» لا مجال لمن يقارعه، وخصوصا إذا كان مجرد «مهرج».

مشكلة باسم والبرنامج أنهما لم يحاولا دغدغة العملاق الأهم من كل هؤلاء

 العملاق الذي أشعل الثورة.

العملاق الذي كان يبحث عن قائد ومرشد ملهم ذي رؤية، فلم يجده، وصمت البرنامج أمام ذلك.

العملاق الذي كان الجميع يتلاعبون به ببطء وخبث، فلم يحذره البرنامج من ذلك.

العملاق الذي أُريد له محو ذاكرته وتشويه تجربته في أسرع وقت ممكن، فلم يجد البرنامج ليذكره بقومته وليشير إليه ليكمل الطريق.

لم يجازف باسم ويتحدث مباشرة إلى الملايين التي تشاهده ويوجه سخريته وانتقاده إليهم!

كان ذلك ليصنع الكثير، لكنه لم يحدث.

كان يمكن لباسم استغلال الظروف الاستثنائية التي صنعت من برنامجه منصة إعلامية لا نظير لها، ليضع هدفًا وبرنامجًا محددين لفريق عمله، كان يمكنه استخدام السخرية السياسية في خدمة أهداف الثورة الحقيقية، ورفع الوعي الثوري، وتنوير طريق الثوار التائهين.

لكنه، ولنلتمس له العذر هنا، بدا تائهًا مثلهم، لا يعلم إلى أين يمضي ولا كيف، ومع أول تهديد حقيقي له ولأسرته آثر السلامة والابتعاد. وعلى العموم، لنتذكر أنه كان حريصًا على أن يدفع عن نفسه «تهمة البطولة»، في الفيلم. هو ليس «زعيمًا سياسيًا».

***

لاحقًا، وفي الولايات المتحدة، حاول باسم الدخول في تجارب أنضج، منها برنامج «دليل الديمقراطية مع باسم يوسف.. Democracy Handbook with Bassem Youssef»، الذي أذيع على يوتيوب العام الماضي، بالتزامن مع حملة الانتخابات الرئاسية الشرسة بين المرشحين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب. تمتع البرنامج بأجندة سياسية واضحة، حيث كان يركز بشكل أساسي على التعريف بمساوئ برنامج ترامب وحملته، والهجوم بشكل ساخر على معاداة ترامب للأقليات، واستخدامه للتخويف، ومهاجمته للإسلام.

وقتها شعرت بدهشة شديدة، لماذا يقرر باسم مخاطبة المشاهد الأمريكي ويترك المشاهد المصري الذي هو في أشد حاجة إليه؟ لماذا لا يطور أجندة ثورية بأهداف توعوية واضحة يخاطب بها ملايين ستسعدهم العودة للاستماع إليهم مجددًا عبر يوتيوب أو ساوند كلاود، أو أي وسيلة تواصل عابرة للقارات والقيود والمضايقات؟

الحقيقة لا أعلم السبب، ولا أحكم على باسم ولا على مسيرته المهنية التي هو حر في اختيارها، فقط أخشى ضياع المزيد من الفرص التي تتاح لنا في ظروف استثنائية، فنتردد ونتركها تمضي دون أن نحاول استغلالها. ولا أتمنى لنفسي ولباسم وللأجيال التي عاصرت وتأثرت بالثورة إلا أن نلقي نظرة من حين لآخر على منحنى تعلمنا، ونسأل أنفسنا: هل نتعلم بشكل سريع؟ هل استفدنا من الأخطاء؟ هل عدّلنا مسارنا؟ هل نحن متأكدون أننا نستثمر أنفسنا في أفضل قضية ممكنة؟

يحتاج العقم للعمل على إعادة الخصوبة، الخصوبة العقلية والفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية، وكل ما يلزم لإعادة فتح المجال العام بأي وسيلة ممكنة

فيلم «دغدغة العماليق»، موجود بنسخة إنجليزية على موقع «نتفليكس»، ولم تصدر منه نسخة مدبلجة بالعربية، وهو غير متداول بشكل قانوني على أي منصات عربية للأسف أو على أقراص دي في دي متوفرة في المكتبات والمنافذ الثقافية والترفيهية الأخرى، التي امتلأت بها مصر مؤخرًا لحسن الحظ، وكأنه يستهدف الخارج دون الداخل، لدرجة أني قبل كتابتي لهذا المقال حاولت استشارة بعض الأصدقاء من المفكرين والصحفيين حول عدة أمور تخص الفيلم، وفوجئت أن أغلبهم لم يسمع عنه، أما من سمع عنه فلم يشاهده بعد!

***

في مقال نشر مؤخرًا، ذكر الكاتب الصحفي عبد العظيم حماد أن أجيال الضباط، منذ عهد 52 قامت بـ«تعقيم» المجال العام، وليس بـ«تجريفه»، على حسب تعبير محمد حسنين هيكل، فالتعقيم كان الهدف منه استئصال وخنق أي مساحة اجتماعية حقيقية للتفكير والتعبير، ولذلك حلّت السلطات المتتابعة أي تنظيم اجتماعي مؤثر، في النقابات والجامعات والجوامع والكنائس، بل وحتى الجمعيات الخيرية وجمعيات الكومباوندات السكنية.

يفسر هذا كل شيء: يفسر لماذا فشل باسم، ولماذا فشلنا، على الأقل مؤقتًا، فمن رحم «العقم» ولدت ثورتنا مبتسرة، وولد البرنامج بشكل غير مكتمل.

يحتاج العقم للعمل على إعادة الخصوبة، الخصوبة العقلية والفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية، وكل ما يلزم لإعادة فتح المجال العام بأي وسيلة ممكنة. وقد يحتاج الأمر لسنوات طويلة، ولمحاولات عديدة قد يفشل بعضها، لكن في النهاية سيخرج من رحمها جيل جديد من العماليق، سيعرفون حينها من يواجهون، وإلى أين يذهبون، وسيقبلون وقتها بدفع أي ثمن في مقابل الحرية.

حينها لن يتركهم الباقون وحدهم، وسيتبعونهم حتى النهاية.

اعلان