Define your generation here. Generation What
في «مقتل شيماء الصباغ».. الصورة تسجن ضابطًا عشر سنوات
 
 
المصدر: رسم لسلام يسري
 

جَسَدَت الصورة وجه شيماء الصباغ وقد غَرَقَ في الدماء في حين ظَهَر رجل يحاول منعها من السقوط، بينما كانت تحتضر. ومنذ التقاطها، في 24 يناير 2015، راجت الصورة بين فضاءات الإعلام المختلفة: مواقع التواصل الاجتماعي٬ والصحف٬ وعلى بعض حوائط المدينة.

وقد وجدت الصورة لنفسها أيضًا مكانًا في أروقة المحاكم.

كانت محكمة جنايات القاهرة قد أصدرت حُكمها الإثنين الماضي بمعاقبة ضابط الأمن المركزي ياسين حاتم صلاح بالسجن المُشدد لمدة عشر سنوات في تورطه بقتل عضوة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أثناء فضّ قوات الأمن لمسيرة بالورود كانت تشارك بها متوجهة إلى ميدان التحرير. وجاء الحكم بتخفيض مدة عقوبة الملازم من خمس عشرة سنة قضت بها محكمة سابقة في يونيو 2015، وذلك بعدما قضت محكمة النقض، في فبراير 2016، بإلغاء العقوبة الأولى، وإعادة محاكمته أمام دائرة جنائية جديدة.

تعود حكاية صورة المصور إسلام أسامة لمقتل «شيماء» إلى اليوم السابق على الذكرى الرابعة لثورة يناير، عندما كان عدد من أعضاء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي قد نظموا مسيرة بالورود إلى ميدان التحرير من أجل  التذكير بمَن سقطوا خلال المظاهرات. وكان «سلامة» يصوّر هذه المسيرة كجزء من عمله اليومي كمصور صحفي بجريدة اليوم السابع.

دليل إدانة قوي

لم تكن هذه المرة الأولى التي يصوّر فيها أسامة أحداثًا دامية، تحتوي على انتهاكات واشتباكات في الشوارع، لكنه لم يكن يُدرك أن هذه الصورة ستكون علامة فارقة في مسيرته الصحفية، وأنها ستستخدم كدليل مادي من محامي «الصباغ» لإدانة قاتلها.

في البداية حققت الصورة انتشارًا واسعًا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وعلى صفحات الجرائد وعبر وسائل الإعلام المحلية والدولية. كما توَسّع هذا التأثير إلى حملات عالمية للتنديد بمقتل شيماء، وقد وصل بعضها إلى إعادة تمثيل مشهد قتلها في إحدى مظاهرات التضامن في العاصمة الفرنسية باريس. تحوّل هذا التأثير إلى منحى آخر بعد بضعة أيام من انتشار الصورة حينما استُدعي «أسامة» إلى النيابة العامة للإدلاء بشهادته في القضية.


وقال «أسامة» لـ«مدى مصر»: «بعد مثولي أمام النيابة للإدلاء بشهادتي لمدة ثمان ساعات متصلة، استُدعيت ثلاث مرات للشهادة خلال المحاكمة. كما ذكرتُ في شهادتي أسماء اثنين من الزملاء المصورين للإدلاء بشهاداتهم أيضًا، وهو ما حدث بالفعل».


اعتبر المحامي محمد عبدالعزيز، عضو هيئة الإدعاء بالحق المدني عن «الصباغ»، أن المصورين الصحفيين، ومن بينهم «أسامة» كانوا أحد «أبطال» هذه القضية. ولعبت شهاداتهم والأدلة البصرية التي التقطوها دورًا «لا يقل أهمية عن دور تقرير الطب الشرعي في مسار القضية» على حد قوله.

وقال «عبدالعزيز» إن كل من النيابة العامة وهيئة المحكمة والطب الشرعي استخدموا شهادات المصورين الصحفيين وصورهم للوقفة في تحديد اتجاهات تصويب الرصاصة، وهو الأمر الذي أدان الضابط «صلاح» في القضية بشكل قاطع، وأضاف: «جاءت شهادة رئيس مصلحة الطب الشرعي هشام عبدالحميد في ذِكِر دور الصور الملتقطة لشيماء لتحديد اتجاهات التصويب عليها والذي تطابق مع اتجاه دخول الرصاصات التي أدت إلى مقتلها».


وعلى الرغم من الاستخدام المتكرر للأدلة المصورة كأحد القرائن المهمة في قضايا قتل المتظاهرين على مدار الأعوام الماضية، إلا أن «عبدالعزيز» قال إن الصورة لعبت دورًا هامًا وأكثر حيوية في هذه القضية. وأضاف شارحًا: «لم تكن الأدلة المصورة المتاحة في قضايا قتل المتظاهرين واضحة مثل صورة استشهاد شيماء. كانت الواقعة محددة بمكان وزمان معروفين، ولها ضحية واحدة معروفة وقاتل يعرفه الجميع، على عكس باقي الصور في الحوادث الأخرى التي اُلتقطت من مسافات بعيدة. كما أن رمزية الصورة وقوة رسالتها كان لها تأثيرها القوي داخل وخارج قاعة المحكمة».


وقد وجهت لـ«صلاح» تهمة الضرب المُفضي إلى الموت بأنه «عقد العزم وبَيَّتَ النية علي إيذاء المتظاهرين والتي كانت (شيماء الصباغ) من بينهم ، وأعد لتنفيذ مأربه  طلقات خرطوش ذخر بها سلاحه وما أن ظفر بهم حتى أطلق صوبهم عيارًا ناريًا من سلاحه» بحسب ما جاء في محاضر التحقيقات.


وقد ثبت مقتل «الصباغ» إثر إصابتها من مسافة قريبة بطلقات في الظهر أدت لحدوث تهتك بالرئتين والقلب ونزيف غزير بالصدر، بحسب تقرير الطب الشرعي.

آثار سلبية

وعلى الرغم من الصدى القوي لـ«مقتل الصباغ» الذي تُوَّجَ بحصول «أسامة» على جائزة شوكان للتصوير الصحفي في يناير  2016، إلا أن الصورة كان لها آثارًا سلبية على مصورها الذي قال لـ«مدى مصر»: «لَامَني الكثير من الناس على اكتفائي بتصوير شيماء دون محاولة إنقاذها. لكنهم لا يعرفون أنه لم يكن لديّ القدرة على منع حدوث ذلك. تركي للكاميرا في هذه اللحظة ربما كان قد يتسبب في ضياع دليل هام على قتلها».


بعد مرور أكثر من سنتين على هذه الواقعة تَرَكَ أسامة العمل الصحفي مكتفيًا بالتقاط الصور لأغراض تسويقية وترفيهية. وقال لـ«مدى مصر» إنه لن يحتمل أن يواجه مصيرًا يشابه حبس المصور الصحفي محمود أبو زيد «شوكان» منذ أغسطس 2013 على ذمة قضية فض اعتصام رابعة العدوية. كما أوضح أسامة: «أشاهد يوميًا زملاء من المصورين، منهم من يبلغون من العمر خمسين سنة، وهم يُضربون ويُهانون بشكل يومي أثناء العمل الميداني من المواطنين والشرطة وكل الأطراف. أستطيع تقبل هذا في شبابي، لكن لا أملك أن أتقبل ذلك حينما يتقدم بي العمر. بسبب الضغوط النفسية التي عانيتها نتيجة لطبيعة مهنتنا أصبحت غير قادر على حمل الكاميرا في الشارع.. هذا الوضع لا يسمح بالاستمرار».

لم تكن صورة مقتل «الصباغ» الأولى التي تجسد انتهاكًا موجهًا من جانب السلطة إلى المواطنين٬ فقد سبق أن حملت صور اتهامات على انتهاكات السلطة لأجساد المواطنين، ربما كان أشهرها صورة خالد سعيد بعد مقتله في 2010. وقد استخدمت صورة للشاب قبل وفاته وأخرى لوجهه وهو يحمل علامات التعذيب.


الصورتان معًا دلتا على ما تعرض له على أيدي قوات الأمن حتى قُتل، وكانت محكمة النقض قد أيدت، في مارس 2015، حُكمًا بحبس أمين ورقيب شرطة بالسجن المشدد لعشر سنوات لتعذيبهما «سعيد» بلا مبرر، في يونيو 2010، وضربه حتى الموت في منطقة كليوباترا بالإسكندرية. وكانت الجنايات قد أصدرت حكمًا سابقًا بحبسهما لمدة 7 سنوات، قبل أن تقضي محكمة النقض بإعادة محاكمتهما، وتصدر حكمها بالسجن المشدد عشر سنوات.  

لكن مسار الإدانة لقاتلي «سعيد» كان عبر التشكيك في صحة وحيادية تقارير الطب الشرعي، قبل الثورة وبعدها، وليس من خلال الاستشهاد بالصور.

هناك أيضًا صورة فتاة ميدان التحرير، قبل ما يزيد عن خمس سنوات، وقد جُردت من ملابسها أثناء فضّ اعتصام بحوار مجلس الوزراء في ديسمبر 2011. ولاقت صورة الفتاة ذات العباءة السوداء تعاطفًا وتضامنًا غير مسبوقين إلا أن صاحبتها لم تنل ما تستحقه من عدالة.

اعلان
 
 
مي شمس الدين