Define your generation here. Generation What

تاريخ صناعة الدواء في مصر وأزماته المتتالية

يمثل الحق في الدواء أحد مكونات الحق في الصحة، والتي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، حتى ينفذ ذلك الحق بصيغة تكاملية في حياة المواطنين، وهو كذلك يعد عنصرًا أساسيًا في منظومة الحقوق المتكاملة، إلى جانب الحق في التعليم والعمل وتوفير مستوى معيشي لائق وغيرها من الحقوق، حيث يقر القانون الدولي لحقوق الإنسان بحق الجميع في الحصول على الأدوية المقررة طبيًا بشكل منظم وآمن وبسعر في المتناول، على أن تتسم بمعايير الجودة والسلامة والفعالية، مع التأكيد على عدم حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من حقهم في الحصول على أية أدوية أساسية مقررة طبيًا، سواء على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي أو الأصل العرقي أو الاجتماعي، ومن ثم وجب عدم خضوع  الحق في الدواء لقواعد العرض والطلب، أو لقواعد الأسواق التجارية بشكل عام.

وللحق في الدواء معايير محددة يجب الالتزام بها، شأنها شأن باقي مكونات الحق في الصحة، كما أكدت ذلك المواثيق والاتفاقيات الدولية، وخاصة الإعلان رقم 14 للأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتشمل هذه المعايير:

1 – التوافر: وهو ما يعني توافر الدواء بالقدر الكافي لاحتياجات المواطنين.

2 – الإتاحة: وهو ما يعني سهولة الوصول إلى الدواء بما يمكّن الجميع من التداوي، ولهذا المعنى اشتراطات أربعة هي الإتاحة الجغرافية، أي إمكانية الوصول الجغرافي، والإتاحة الاقتصادية، أي إمكانية تحمل سعر الدواء، وإمكانية الحصول على المعلومات الخاصة بالدواء، وأخيرًا عدم التمييز بين المواطنين، سواء بناء على الجنس أو الدين أو بين سكان الريف والحضر، أو الأغنياء والفقراء وغيرهم.

3- المقبولية: وهي ما تشمل وجوب أن تكون الأدوية مناسبة ثقافيًا وأن تراعي متطلبات الجنسين ودورة الحياة والمجتمع.

4- الجودة: أي أن تكون الأدوية ذات جودة مناسبة من حيث التصنيع والتغليف والحفظ والتوزيع وغيره.

الجراح الفرنسي أمبرواز باري يخترع علاجًا لالتهابات ما بعد البتر

وبالنظر لأزمة الدواء الحالية نجد أنها نتجت عن عدم الإتاحة الجغرافية والاقتصادية بشكل يمكّن المواطن من تلقي العلاج، مع التزايد في عبء الأمراض غير المعدية، حيث وصلت إحصائيات أمراض السكري، في المسح الصحي السكاني لمصر لعام 2014، إلى 17% من السكان، بينما كانت نسبة المصابين بارتفاع ضغط الدم 40%. ويُعالَج معظمها بالمستشفيات الحكومية والجامعية، التي توقفت التوريدات الدوائية لعدد منها لمدة أشهر من نهاية العام الماضي 2016.

أي محاولة لإصلاح أزمة الدواء حاليًا، بدون إدراك مشاكل النظام الصحي بأكمله، قد تبوء بالفشل، إذ أن الإصلاح يجب أن يكون من خلال حلول هيكلية لنظام الصحة بأكمله

ووفقًا لما أعلنته وزارة الصحة والسكان، فقد أشارت الإحصائيات إلى التراجع النسبي لعبء الأمراض المعدية وزيادة عبء الأمراض غير المعدية. فمثلًا، معدل انتشار الالتهاب الكبدي الوبائي (سي) في مصر هو الأعلى في العالم، حيث يصل لقرابة 10% من السكان بين 15 و59 عامًا، بناءً على الإحصائيات الموجودة في خطة العمل للوقاية والعلاج من الالتهاب الكبدي الوبائي لمصر 2014- 2018، والصادرة في عام 2013، بينما يصل معدل الإصابة بالسرطان إلى حوالي 115-120 حالة بين كل مئة ألف حالة من السكان، وذلك بناءً على المسح التدريجي للأمراض غير المعدية لعام 2012-2013.

ومن هنا فإن أي محاولة لإصلاح أزمة الدواء حاليًا، بدون إدراك مشاكل النظام الصحي بأكمله، قد تبوء بالفشل، إذ أن الإصلاح يجب أن يكون من خلال حلول هيكلية لنظام الصحة بأكمله، المفتقد إلى التكامل بسبب نموه غير المخطط والعشوائي عبر سياسات مختلفة، يعوزها التنسيق والرؤية، ما جعله يتسم بالتفتت في محاوره المختلفة بين الإدارة والتنظيم والتمويل وتقديم الخدمات، حيث تُقدم الخدمات الصحية في مصر حاليًا من خلال منافذ عامة أو خاصة أو أهلية. كما أن المنشآت التابعة لوزارة الصحة في جميع المحافظات بها  العديد من المشاكل، كارتفاع التكلفة وغياب جودة الخدمات الصحية المقدمة، والتي من المفترض أن تكون مدعومة أو مجانية، بما في ذلك الدواء.

كما تفتقد الخدمات، التي قد يوفرها التأمين الصحي، للجودة، وبالتالي إلى ثقة المواطنين. وتشير الإحصائيات في المسح الصحي السكاني لمصر في عام 2008 إلى تحمل المواطنين، من جيوبهم الخاصة، لحوالي 72% من إجمالي الإنفاق الصحي، كما تشير مؤشرات بحث الدخل والإنفاق للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2011 لكون الإنفاق على المنتجات الدوائية والأجهزة الصحية يبلغ 54.3% من الإنفاق الإجمالي على الصحة.

1974.. بداية المشكلة

رغم ازدهار قطاع الدواء في مصر في القرن الماضي، عندما تأسست شركة مصر للدواء عام 1939 إلى جانب شركات أخرى، ورغم أن صناعة الدواء المحلية كانت تغطي 84% من الأدوية التي يحتاجها المواطن المصري عام 1973، لكن هذا تغير مع بداية عام 1974، حيث بدأ عصر الانفتاح الاقتصادي، وبالتالي تراجعت الصناعة المحلية، ومنذ ذلك الحين يشهد قطاع الدواء مشاكل كثيرة أدت إلى الكثير من الفوضى والتخبط.

من «القانون في الطب» لابن سينا، ترجمة لاتينية، 1484

تمنعنا الحالة التي وصل إليها سوق الدواء في مصر حاليًا من القدرة على التنبؤ بما قد تأتي به رياح التغيير العاتية، وتتجلى خطورة هذا الوضع في ضوء الزيادات غير المسبوقة في معدل الأمراض غير المعدية، كالأمراض السرطانية والأورام وأمراض السكري والقلب والمخ والكبد، ففي نوفمبر الماضي شهد سوق الدواء نقصًا في أدوية علاج الأورام، ومنها «أندوكسان»، «هولكسان»، «إريناثول»، وغيرها من أدوية حيوية مثل «فاكتور» لمرضى الهيموفيليا، حقن «أنتي آر اتش» للولادة، «أرتامين» للكبد، «كيتواستريل» للفشل الكلوي، وغيرها، لدرجة أن حصر نقابة الصيادلة في نهاية نوفمبر الماضي أشار إلى اختفاء 1688 صنفًا دوائيًا من الأسواق، وكان ذلك نتيجة لقرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف الجنيه، ما أدى إلى وقف شركات الأدوية الاستيراد.

يثير نظام «المرجعية الخارجية للتسعير» عددًا من الأسئلة مثل: «من أين لنا اليقين في وجوب ربط دولة معينة لسعر الدواء فيها بسعر الدواء في دولة أخرى؟ هل تشبهنا تلك الدول على الصعيد الاقتصادي؟»

مع هذا، لا يجوز حصر الأزمة الدوائية الحالية في العلاقة الطردية بين تعويم الجنيه وغلاء الأسعار،  فقبل صدور القرار الوزاري الأخير بتحريك السعر بشكل تدريجي كل ستة أشهر ولمدة عامين، يتحتم علينا النظر إلى المعركة التي دارت بين الصيادلة والشركات ووزارة الصحة، حيث كان تأثير تطبيق سياسة السعرين مدمرًا ومسببًا لتآكل رأس مال الصيدليات، لأن قيمة الطلبية الجديدة أصبحت ضعف القديمة، ما اضطر الصيدلي للإنفاق من رأس المال الأساسي لشراء الأدوية الجديدة. كما أن هناك حوالي 12 ألف صنف دواء في مصر، فيما لا يزيد المتداول فعليًا عن 5 آلاف صنف، وطال الغلاء معظم الأدوية المتداولة، وهو ما أدى لصدور قرار نقابة الصيادلة بالإضراب في نوفمبر الماضي.

بعد تدخل الأجهزة الكبرى في الدولة، قررت النقابة ما يمكن تلخيصه في رفض التسعير العشوائي الذي أصدرته وزارة الصحة، والمطالبة بعدم المساس بأسعار أدوية الأمراض المزمنة، ورفع هامش الربح وتقديم آليات أكثر تسامحًا لارتجاع الأدوية منتهية الصلاحية، والمطالبة بمحاسبة كل من أساء للصيادلة واتهمهم بالتلاعب، بالإضافة إلى إقالة وزير الصحة.

من كل هذه المطالب لم يُنفَّذ سوى الأول فقط، وهو الخاص بالتسعير، مع المماطلة في تنفيذ الباقي.

وكانت الشركات ترفض الاتهامات الموجهة إليها بالجشع والتربح من أزمة الدواء، مبررة ذلك بارتفاع أسعار كل السلع، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار أجور العمالة، وبالتالي فإن كل مدخلات الصناعة ارتفعت أسعارها. لكن بغض النظر عن ارتفاع سعر استيراد المادة الخام، فإن نظام تسعير الدواء ذاته هو ما قد يشكّل معضلة، حيث يطبِّق قرار 499 لعام 2012 لتسعير الدواء نظام «المرجعية الخارجية للتسعير»، أي الرجوع إلى أسعار الدواء في دول أخرى من أجل تحديد أسعار الدواء محليًا، والتفاوض عليها مع لجنة تسعير الدواء. وفي بداية عام 2017 صدر القرار رقم 23 لسنة 2017 والخاص بإعادة تسعير 15% من الأدوية المحلية و20% من الأدوية المستوردة، وتطبيقه على المنتجات الدوائية حديثة الإنتاج.

يثير هذا عددًا من الأسئلة مثل: «من أين لنا اليقين في وجوب ربط دولة معينة لسعر الدواء فيها بسعر الدواء في دولة أخرى؟ هل تشبهنا تلك الدول على الصعيد الاقتصادي؟» أو «هل يُعوَّض المرضى في تلك الدول عن الإنفاق الدوائي من خلال أنظمة التأمين الصحي بها، أم يتحمل المرضى تكلفة علاجهم من مالهم الخاص كما يحدث هنا؟»

في الأغلب يقتصر هذا النظام على تسعير المنتجات الواقعة تحت حماية حقوق الملكية الفكرية في الدول الصناعية الكبرى، بينما تطبقه الدول النامية على كل من المنتجات المحمية وفق اتفاقية الـ«أكتا»، وتلك التي انتهت فترة حمايتها، أي تلك المتوفرة كأصناف جنيسة (نفس المادة الفعالة، ولكن باسم تجاري آخر، ومُصنع محليًا). كما لا يفرق القرار بوضوح بين الأدوية تحت الترخيص المُنتَجة محليًا والأدوية الجنيسة المُنتَجة محليًا، والأدوية الجنيسة المستوردة.

الصراع التاريخي مع الشركات العملاقة

بناءً على مقال للدكتورة ناهد يوسف، نُشر في جريدة «الشروق»، ففي أربعينيات القرن العشرين، أنشأ طلعت حرب شركة «مصر للمستحضرات»، وأنشأ الدكتور نصري بدران شركة «ممفيس للأدوية»، بالإضافة لغيرها من المصانع الصغيرة، وكانت «مؤسسة الأدوية» تحمي صناعة الأدوية من محاولات شركات الدواء العملاقة المستميتة لإفشالها، وهي الشركات التي كانت مصر تستورد منها معظم احتياجاتها من الأدوية والخامات. وأصبحت مصر تنتج بالفعل 85% من الأدوية وبعض خاماتها، وبجميع الأشكال الصيدلية، من احتياجات السوق المصري، باستخدام آلات حديثة ودقيقة، مع الالتزام بأدق المعايير العالمية.

التراجع التدريجي لصالح الشركات الدولية العملاقة بدأ منذ أول سبعينيات  القرن الماضي، حتى اليوم، مرورًا بعصر مبارك، الذي أصبح فيه 40% من الاحتياجات المحلية تُصنَّع في مصانع أدوية مصرية لحساب الشركات الأجنبية

لكن الآن، وبعد أكثر من خمسين عامًا، عدنا لنسبة تغطية محلية تُقدر بـ 5% فقط من احتياجات سوق الدواء المصري، رغم وجود نحو 120 مصنعًا للدواء.

هذا التراجع التدريجي لصالح الشركات الدولية العملاقة بدأ منذ أول سبعينيات  القرن الماضي، حتى اليوم، مرورًا بعصر مبارك، الذي أصبح فيه 40% من الاحتياجات المحلية تُصنَّع في مصانع أدوية مصرية لحساب الشركات الأجنبية تحت الترخيص، وذلك دون أن تبني هذه الشركات مصنعًا واحدًا، ولم تُصنَّع المنتجات المستوردة من الخارج، كأدوية السرطان على سبيل المثال، بل كان معظمها أدوية منافسة للمنتجات المحلية.

طبيب أفريقي يعالج مريضين

كل تلك العوامل متداخلةٌ مع بعضها، بدايةً من احتكار الشركات الدولية العملاقة للسوق، لإهمال صناعة الدواء المحلية لمدة عقود، إلى عدم الاهتمام بضرورة البحث العلمي للحثِّ على تطوير صناعة الدواء باستمرار، وبالتالي عدم الاحتياج إلى المثيل المكلف الأجنبي.

لكن يبدو أن هناك تقاعسًا من وزارة الصحة وغرفة صناعة الدواء، والتي أثارت الكثير من اللغط في الشهرين الآخرين من العام الماضي 2016 بسبب اتهام رئيسها أحمد العزبي، المالك لأشهر سلسلة صيدليات في مصر، بحيازة 220 صنفًا مهربًا، في سابقة هي الأولى من نوعها. وذكر مصدر مسؤول سابقًا للصحفي عماد الدين حسين، في حوار صحفي بجريدة «الشروق»، أن خمس قضايا قد حُرّرت ضده بالفعل، ولكنه دائمًا ما كان يخرج بالكفالة، وأضاف المصدر أن الوزارة تفكر في الذهاب بالملف إلى مجلس النواب. كل هذا بجانب احتمالية انتشار الأدوية المزورة أو المزيفة عند بعض الصيدليات أو الأطباء، مما يضر بالصحة العامة.

الحل.. سياسة شاملة

بناءً على المادة رقم 18 في الدستور الصادر في عام 2013، تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة، لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي وتتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

وبالتالي، ولحل تلك الأزمة الحالية للدواء، يجب علينا وضع سياسة وطنية شاملة ومدفوعة من منطلق تنموي، تتسم ببعد النظر والرؤية للقضايا المتعلقة بالدواء في مصر، كالرقابة على الدواء في السوق المصرية، والبحث والتطوير، وتسعير الدواء، والصناعة الدوائية المحلية. على أن تُنفّذ تلك السياسة من خلال ثلاثة محاور أساسية، أولها ضمان حق المواطن في الحصول على الدواء الأساسي دون أعباء مالية، وقد يتحقق ذلك من خلال منظومة التأمين الصحي بشكلها الجديد المقترح والمفترض إلزامه على جميع المواطنين.

علينا تعديل سياسات تسعير الدواء بحيث تأخذ في عين الاعتبار مستويات الدخل الحقيقية، لا المعلن عنها والتي تكون غالبًا بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المواطن المصري

وثانيها، دعم التطوير والبحث وصناعة الدواء المحلية، خاصةً في حالة مواجهة الأمراض الوبائية والمهددة للصحة العامة مثل الالتهاب الكبدي الوبائي بأنواعه، وحينها يجب استخدام آليات الترخيص الإجباري، أي المباشرة بصناعة الدواء محليًا دون تفويض أو تصريح أو ترخيص من مالك الاختراع، وهذا الترخيص يكون وفقًا للحالات التي تحددها القوانين واللوائح الوطنية، ووفق مبررات لابد من توفرها وضوابط لابد من مراعاتها، كظروف الطواريء والضرورات القومية القصوى كما في حالات الوباء، على أن يكون استخدام الاختراع غير تجاري وموجهًا لأغراض عامة ولعلاج آثارها، وغير ذلك من الحالات التي حددتها الاتفاقية من المادة (31) من «اتفاقية التريبس»، كما يجب تقنين سرعة بدء صناعة الأدوية المثيلة محليًا على أن تكون بفعالية وجودة مقبولتين، بحيث لا يكون هناك دواء واحد محتكرًا للسوق.

وثالثًا، تعديل سياسات تسعير الدواء بحيث تأخذ في عين الاعتبار مستويات الدخل الحقيقية، لا المعلن عنها والتي تكون غالبًا بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المواطن المصري. وبالتالي، يجب إجراء العديد من الدراسات قبل وضع سياسات التسعير، ويجب العلم بأن أنظمة التسعير المختلفة يجري اختيارها بناءً على احتياجات الدولة وظروفها، وحينها يمكن دمج سياسة تسعير أخرى مع نظام المرجعية الخارجية الحالي، مثل سياسة الإعفاء الضريبي عن الأدوية، والتي يمكن تطبيقها في حالة الأدوية الأساسية للحياة، كالأدوية المستخدمة في حالات الطوارئ، والأدوية المعالجة للأمراض المزمنة على سبيل المثال.

اعلان
 
 
سجدة ممدوح عبد المجيد