Define your generation here. Generation What

فالتر بنيامين ومسألة التراث والتاريخ: «تمشيط التاريخ في الاتجاه المعاكس»

«الخلاص يعتمد على الصدع الصغير في الكارثة المستمرة»

فالتر بنيامين – سنترال بارك

في العام الأخير لحياته، كتب الفيلسوف والناقد الأدبي الألماني اليهودي فالتر بنيامين (1892-1940) مقالًا بعنوان «في مفهوم التاريخ». يقال إنه كتبه قبيل رحيله من فرنسا، حيث كان يقيم، إلى الحدود الأسبانية هربًا من زحف القوات النازية على القارة الأوروبية، وخوفًا من تسليمه للألمان وتحويله لمعسكرات التصفية النازية. وكأنه كان ينسج معظم هواجسه في أيامه الأخيرة بالمنفى قبل أن يضطر مجددًا إلى الهرب.

أمام إمكانية ترحيله إلى ألمانيا، انتحر بنيامين قبل يوم من السماح له بالعبور إلى أسبانيا، حيث كان ينوي الرحيل لأمريكا للالتحاق بأقرانه من مثقفي مدرسة فرانكفورت الفكرية الذين كان على معرفة وطيدة بهم.

كتب بنيامين ذلك المقال في أحلك فترة في التاريخ الأوروبي والعالمي أنذاك، بالتزامن مع توقيع الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية لميثاق عدم الاعتداء المتبادل عام 1939، ما مثّل بالنسبة له هزيمة آخر أمل لديه في التدخل السوفييتي لوقف الزحف النازي، كما مثّلت اللحظة على المستوى الشخصي تعرضه لخطر الموت في معسكرات التركيز حال القبض عليه.

«يود الملاك لو يمكث، ويوقظ الأموات، ويلحم الشظايا»، و لكن «تدفعه العاصفة بلا توقف نحو المستقبل الذي يوليه ظهره، بينما تنمو كومة الحطام أمامه صوب السماء. هذه العاصفة هي ما نطلق عليه التقدم.»

يتكون المقال من عدة أطروحات، أو «شذرات» كان يعيد كتابتها وتنقيحها عبر عدة نسخ ومقالات سابقة أثناء فترة عمله. في تلك الشذرات عبّر بنيامين عن تناقضات وضيق أفق تلك اللحظة الحالكة، ولكن أيضًا لمحاولة تجاوز محدوديتها في مسار التاريخ الخطي، وكأنه حاول خلال تلك الأطروحات اقتناص واستخلاص التاريخ الإنساني كله في ضوء ومضة اللحظة الراهنة.

استلهم بنيامين أحد أطروحاته من لوحة للرسام الشهير بول كلي التي تحمل عنوان «الملاك الجديد.. Angelus Novus» التي كان قد اشتراها من أحد معارض الفنان الألماني – السويسري في أوائل عشرينيات القرن الماضي.

استعان بنيامين بصورة كلي تحديدًا في أطروحته التاسعة حيث ظهر فيها ملاك التاريخ مفرود الجناحين، وعلى وجهه علامات ذعر في مواجهة عاصفة عاتية تطيح به. في مواجهة العاصفة يحاول الملاك التوقف لالتقاط أنفاسه وتأمل الحطام الناتج عن أثرها، فيولي وجهه شطر الماضي، ولكن شدة العاصفة لا تسمح له بذلك.

«ومن حيث تطالعنا نحن سلسلة من الأحداث، يرى هو فاجعة واحدة تراكم حطامًا فوق حطام وتلقي بها عند قدميه. يود الملاك لو يمكث، ويوقظ الأموات، ويلحم الشظايا»، و لكن «تدفعه العاصفة بلا توقف نحو المستقبل الذي يوليه ظهره، بينما تنمو كومة الحطام أمامه صوب السماء. هذه العاصفة هي ما نطلق عليه التقدم.»

«الملاك الجديد.. Angelus Novus»، بول كلي

لا يكتفي نقد بنيامين في المقال بتحليل أبعاد اللحظة الراهنة فقط، وإنما يمتد لكيفية سرد التاريخ ذاته، والإيقاع الزمني المبطن فيه الذي يحوله لسردية ذات معنى. ولذلك سعى لنقد أحد أهم المدارس الفكرية التي ساهمت في تشكيل وعينا المعاصر بالتاريخ، وهي «المدرسة التاريخانية».

تأثير تلك المدرسة الفكرية متشعب ومعقد، ويمتد للاهوت والعلوم الإنسانية والاجتماعية، منذ القرن الثامن العشر وحتى أوائل القرن العشرين.

تكونت الخطوط الفكرية العامة لـ«التاريخانية» في القرن الثامن عشر، وتطورت على يد مجموعة من الفلاسفة والمؤرخين وعلماء الطبيعة الأوروبيين، أبرزهم هردر وهومبولت وموسر ورانكه. في البدء اهتمت تلك المدرسة الفكرية بالعمل على تأسيس «علم التاريخ»، في مقابل ميراث القرون الوسطي ورؤيته المسيحية للتاريخ، والقائمة على سردية تعبر عن الإرادة والنعمة الإلهية، أي كسردية مرتبطة بغاية نهائية تسبغ علي الزمن معنى شاملًا.

يرتكز نقد بنيامين لتلك المدرسة الفكرية على عدة نقاط مستمدة من مفاهيمها الرئيسية، أهمها الرغبة في تأسيس نظرية لتاريخ شامل للإنسانية يرتبط بقوانين وسنن عامة، في محاكاة لمنهجية العلوم الطبيعية في القرن الثامن عشر والأقرب للنماذج المكانيكية، (رغم محاولة التاريخانية المتأخرة التخلص من تأثير تلك الميكانيكية).

أما النقطة الثانية فتتعلق برؤية التاريخ من خلال تصور خطي للزمن، بحيث يبدو التاريخ كسيرورة متجهة من الماضي إلى المستقبل تقوم على وحدات زمنية متتالية تتخللها دراما بشرية.

كل شيء مبرر باسم «التقدم»

وترتبط النقطة الأخيرة بمركزية فكرة «التقدم» في التاريخ، وهي الفكرة التي كان بنيامين يراها الفكرة المؤسسة لتماهي أجيال مختلفة من المنتصرين مع سرديات التاريخ، وسندًا لشرعية تلك السرديات من وجهة نظر البرجوازية أو المنتصرين الجدد.

في الأطروحة السابعة، يصف بنيامين وظيفة المؤرخ من منظور التاريخانية، بكونه يسعى لمعايشة عصرٍ ماضٍ من خلال محو «كل ما جرى في مسار التاريخ لاحقًا من ذهنه»، وكأن أحد مهام المؤرخ فصل ذاته وحياته الداخلية وتعاطفه مع الأفراد أو الجماعات السابقة عن كل ما يتعلق بتوترات اللحظة الأنية. فهو يكتب عن الأحداث التاريخية، وكأنه مشاهد محايد يحاول البحث عن روح العصر، من خلال شكل من أشكال التقمص الفكري البارد، ويسعى إلى تصور اللحظة الماضية كما تعي ذاتها، وكأنه يكتب من موقع غير مرئي في التاريخ.

لذلك يشاهد المؤرخ سير التاريخ من منظور بانورامي متعال ومنفصل، في حالة أشبه بحالة الفتور الروحي، فيرى الماضي يدور في فضاء مغلق بلا أي ظلال على الحاضر. أي بصيغة أخرى، فالتاريخانية تبحث عن الصورة المتجمدة والأبدية للماضي، ويقوم منهجها على استعادة روح عصر تاريخي ما «كما يرى ذاته».

يلعب مفهوم التقدم دورًا رئيسيًا في الفكر التاريخاني، حيث كل مظالم المهمشين وأثار حطامهم عبر مسار التاريخ مبررة باسم «ثمن التقدم» أو «ضرورته»

التاريخانية ومتبعوها يرون الظواهر التاريخية كظواهر محملة بـ«البضائع الثقافية» في مشهد احتفالي. ويحوّل المؤرخ تلك الظواهر إلى «بضائع» قابلة للاستهلاك ولإثارة اللذة الفكرية في محاكاة لآليات استمتاع الطبقة البرجوازية بمنتجات الكادحين بعد محو علامات كدهم عنها.

هكذا يجد بنيامين الصلة أو التواطؤ الخفي بين منهجية التاريخانية والمنتصرين الجدد (البرجوازية) في العمل على سردية تعكس الرؤية البرجوازية للعالم. يلعب مفهوم التقدم دورًا رئيسيًا في الفكر التاريخاني، حيث كل مظالم المهمشين وأثار حطامهم عبر مسار التاريخ مبررة باسم «ثمن التقدم» أو «ضرورته». بتعبير آخر، فالتاريخانية تؤسس للنسيان أكثر مما تؤسس لمحاولات التذكر. ولذلك يطالبنا بنيامين في الأطروحة السابعة بـ«تمشيط التاريخ في الاتجاه المعاكس له».

في مواجهة التاريخانية، يرسم بنيامين ملامح عامة لمنهجية تاريخية مغايرة (منهجية المادية التاريخية) المستمدة من التراث الماركسي، ويسعى من خلالها لاستعادة سِيَر المهمشين في التاريخ والتي جرى طمسها في السرديات التاريخية الرسمية، القومية منها والبرجوازية، ولكن مع طرح مهمة الاستعادة تلك بوصفها إشكالية في حد ذاتها.

المؤرخ المادي، أو المؤرخ الذي يريده بنيامين، أشبه بشخص يدق طبول الحرب لإيقاظ أرواح المحاربين القدامي

المؤرخ المادي، أو المؤرخ الذي يريده بنيامين، أشبه بشخص يدق طبول الحرب لإيقاظ أرواح المحاربين القدامي ولاستدعاء الحلقات المنسية من التاريخ، في مواجهة الروايات التاريخية الرسمية. ولذلك تكمن مهمته في مراقبة عمل التفسير التاريخاني من بعيد، إدراكًا منه لكون «البضائع الثقافية» تحمل تاريخًا سريًا من الدم. يذكرنا ذلك التصور بأصداء الفكرة الماركسية عن كيفية فصل العمال عن منتجاتهم النهائية، رغم حملها لآثارعملهم.

يسعى المؤرخ «المادي التاريخي» لنزع صفة القداسة عن ذلك المشهد الاستعراضي، عبر مساءلة فرضيات الرواية التاريخية الرسمية، وعيًا منه بأن أي «توثيق للثقافة هو بالضرورة توثيق للهمجية في الوقت ذاته».

بصيغة أخرى، يعي المؤرخ أن كل «البضائع الثقافية» جاءت على حساب المهزومين في التاريخ، ولذلك، وللكشف عن المظلوميات المتراكمة والكامنة داخل تلك السرديات التاريخية الرسمية، يقوم بـ«تمشيط التاريخ في الاتجاه المعاكس». ولكن هل يعني ذلك أن المؤرخ المادي يقلب الرواية التاريخية الرسمية على رأسها بشكل مبسط، أو يخلق رواية مضادة ينتصر فيها للمظلومين والمهزومين عبر التاريخ؟ بصيغة أخرى: هل هناك تراث من الحكي يخص مرويات المهزومين؟ وما معالم ذلك التراث في تصور بنيامين؟

لا يكتفي المؤرخ المادي باستدعاء اللحظة الماضية في الحاضر بشكل سببي بسيط، وإنما يكون بمثابة تفخيخ لثغرة زمنية، كأنها جسر يومض (لينطفئ سريعًا) ما بين لحظتين متفردتين

في اشتباكه مع السرديات التاريخية، يوقظ المؤرخ المادي الموتى وينفض التراب عن المعارك المنسية، ليس بهدف تمجيد صيغة ماضوية صافية وإنما لرؤية الحاضر كأفق مفتوح يكون فيه الماضي مدادًا لمظلوميات سابقة وكاشفًا عن تراكمات لاحقة. بمعنى آخر، فمفهوم بنيامين عن اللحظة الآنية لا يستعيد الماضي باعتباره صيغة ثابتة أومكتملة في ذاتها. الحاضر باحتمالاته يجعلنا نرى أبعادًا في الماضي لم تكن ظاهرة لمن مروا به.

في التواشج اللحظي، أو «النجمي» بتعبيره، بين اللحظة الآنية والحدث الماضي، يتجدد الماضي في الحاضر ليصبح ماضيًا حيًا. بتعبير أوضح فليس هناك ماض ثابت في الزمن يمكن استدعاؤه وإنما ماض تُكتشف فيه أبعاد جديدة في ضوء الزمن الآني والأخطار المحيطة بالحاضر.

لا يكتفي المؤرخ المادي باستدعاء اللحظة الماضية في الحاضر بشكل سببي بسيط، وإنما يكون بمثابة تفخيخ لثغرة زمنية، كأنها جسر يومض (لينطفئ سريعًا) ما بين لحظتين متفردتين، لا يتبين للوهلة الأولى أن ثمة علاقة منطقية بينهما. تشق تلك الثغرة التراتب الزمني الخطي وتضع اللحظتين وجهًا لوجه للمرة الأولى، رغم القطيعة الزمنية الواضحة بينهما. بصيغة أخرى، فاللحظة الآنية ليست جسرًا خاويًا يمتد بين الماضي والمستقبل، وإنما يراها بنيامين كبوابة قد يأتي منها المسيح في أي لحظة، فكل ساعة هي ساعة قيامة وخلاص. ومن ذلك المنظور، لا يأتي الخلاص عند نهاية التاريخ أو يكون تتمة له، ولكنه كامن في كل لحظة آنية قد يدلف منها ليشق التاريخ ويمنحه الخلاص.

يكتسب الحاضر بعدًا خلاصيًا في فكر بنيامين، فنراه كساحة للاحتمالات المفتوحة للخلاص والانعتاق دومًا، على عكس الرؤية التاريخانية التي تصادر على الحاضر باحتمالاته وبمظلوميات كامنة فيه باسم «المستقبل المبشر»، وكأننا مختطفون لحساب مستقبل معدٍّ سلفًا باسم «التقدم اللامتناهي».

الحكاية والحكّاء

هنا يأتي دور الحديث عن التفسير المغاير لمفهوم التراث، حيث يراه بنيامين أرضية للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، فللمنتصرين تراثهم المرتبط بسيرورته القائمة على الاستمرارية التاريخية. في نظر بنيامين، فالتراث ليس ثوريًا في حد ذاته، ولذلك ميّز ما بين مفهومي «التراث» و«الموروث»، والأخير أشبه بتصور لتركة مكتملة ومنمقة قابلة للتوريث في صورتها الأصلية المحفوظة عبر الأجيال، أما «التراث» فيرتبط بفكرة القطيعة ما بين الأجيال، أو بفجوة الموت التي تفصل بين الآباء والأبناء، والتي تجعل التراث قابلا للتوارث بالأساس.

التراث يتحجر لو جرى تعيينه في زمانية خطية، كأننا نعي ضمنًا بانفصاله عنا بينما نسعى لإحيائه «كما هو»

في مقال لبنيامين بعنوان «الحكّاء»، يوضح لنا فكرة مغزى مفهوم «الزمانية» للتفكير في كتابة مغايرة للتاريخ.

لدى إلقائه حكايته على مستمعيه، أو قرائه، لا يفصل الحكواتي حكايته الشخصية عن مجمل السير التي ورثها عن أجيال من الحكائين السابقين، فالسير تحمل أيضًا إضافاته الذاتية، ولذلك يصعب فصل سيرة المؤلف عن عمله الأدبي، كما يصعب فصل العمل الأصلي عن إضافات اللاحقين عليه، وهوامشهم وأثار محوهم. تصبح السير قابلة لتكثيف العديد من الأزمنة والوجوه والأصوات في ثناياها كما تسمح بدخول المزيد من سير الحكائين الآخرين أيضًا، كما أن «القابلية للحكي» في متن الحكاية بدورها تسمح للحاضرين أو المستمعين الجدد بسماع أصداء سيرهم الشخصية في الحكايات المروية أمامهم، ما قد يفتح «العمل» أمام نقاط التواشج مع الحياة.

من تلك الزاوية، يمكننا القول إن التراث يتحجر لو جرى تعيينه في زمانية خطية، كأننا نعي ضمنًا بانفصاله عنا بينما نسعى لإحيائه «كما هو»، أو كما نتخيله في ممارسة الأقدمين له. من الصعب أن نمسك بأول خيوط الزمن في الأصل التاريخي للحكاية، بل قد يكون ذلك مستحيلًا، فالحكاية أشبه بكائن متناه في الزمان والمكان، ولكنه مثقل بزمانيات وأصوات ومظلوميات عدة كمرايا للأبدية.

اعلان
 
 
فؤاد حلبوني