الانتخابات الرئاسية في إيران: حلفاء الحرية أطراف في عقد سلطوي عن فوز حسن روحاني الساحق لصالح الإصلاحيين في إيران

منذ الفوز الساحق لمحمد خاتمي عام 1997 تحولت الانتخابات الرئاسية في إيران إلى شأنٍ يتجاوز الاقتراع السياسي بكثير، لتصبح وسيلة لمقاومة السلطوية السياسية والدينية، حيث تقدم الانتخابات الأخيرة لإيران المجراة بتاريخ 19 مايو (وفاز فيها حسن روحاني لمدة ثانية بمجموع 23.5 مليون صوتٍ في مقابل أصوات خصمه إبراهيم رئيسي البالغ عددها 15.8 مليون صوتٍ)، لأجندة الإصلاح منصة قوية لمواجهة المتشددين بالبلد.

وتشير مستويات المشاركة العالية، خصوصًا من النساء، إلى الرغبة العامة في مجتمع أكثر حرية وعدالة. و«الحرية» كلمة محظورة قلما نطق بها المسؤولون منذ بدايات الثورة، لكنها خرجت علينا فجأة من فم روحاني أثناء حملته الأخيرة. وفيما يبدو، فقد تحولت هذه الكلمة السحرية إلى شعارٍ معتمد في هجومه على الأصوليين الإيرانيين.

يبدو أن روحاني اكتشف ما تتمتع به كلمة «الحرية» من قوة خارقة أمام ملايين الإيرانيين ممن تعرضوا إلى اعتداءات منهجية على يد البروباجندا الشعبية للأصوليين

تعهد روحاني بأن «طريقنا هو الطريق إلى الحرية» وأننا «لن نتوقف أبدًا في سعينا إلى الحرية»، ويبدو أنه اكتشف ما تتمتع به هذه الكلمة من قوة خارقة أمام ملايين الإيرانيين ممن تعرضوا إلى اعتداءات منهجية على يد البروباجندا الشعبية للأصوليين.

من منظور أغلبية الإيرانيين، لقد تخلى الأصوليون عن أصولهم في مقابل السلطة، وهذا سبب فشلهم مجددًا، رغم كل الدعم اللوجستي والحصص النسبية التي قدمتها مراكز القوى في الجمهورية الإسلامية، وخصوصًا حرس الثورة الإيرانية ومجلس صيانة الدستور.

والسؤال هنا إن كان روحاني يتعهد فعلًا بالحرية وبمجتمع أكثر حرية، أم أنها كانت وعودًا جوفاء يشتري بها المزيد من الأصوات؟ وكيف ستكون حال إيران بعد مدته الثانية؟

خطاب روحاني الحاد منطقي في سياق صراع انقسامي، ويبدو أن تأكيده على الحرية يستهدف المواطنين المتمردين بصفتهم حلفاءً محتملين في الصراعات المستقبلية. لكن هل حكومته قادرة على التعامل مع التناقضات بين الحكومة والمجتمع في إطار السلطوية المهيمنة على إيران؟

سيتعين على روحاني كذلك التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التهديد المتزايد من الثالوث الخطير الذي يشكله دونالد ترامب والسعودية وإسرائيل. مثل هذه التحديات ستتطلب إشراكًا مجتمعيًا وسياسة تشاركية.

حلفاء الحرية

تولّى روحاني الرئاسة عام 2013، حين كانت إيران على شفا أزمة سياسية واقتصادية بعد ثمانية أعوامٍ من حكومة أحمدي نجاد الكارثية. ونتيجة لذلك فقد ألزم نفسه بمحاولة إصلاح أجهزة الدولة خلال المدة الأولى، وبرفع العقوبات الدولية الموقعة على البلد بسبب مشاريعه النووية. لم يترك له ذلك متسعًا من الوقت للشؤون الدولية، مع أن برنامجه من أجل التطوير الاقتصادي كان يعتمد على الاستثمارات الأجنبية ونجاح خطة العمل الشاملة المشتركة.

تمّت صفقة إيران النووية بعدما أدرك حرس الثورة الإسلامية ما تبع العقوبات الدولية من عواقب وخيمة، فوافقوا على التفاوض

كانت العقوبات تشكّل عائقًا، لأنها استهدفت اقتصاد إيران القائم على النفط، والذي يعتمد البلد عليه اعتمادًا كبيرًا. وحتى بعد وقف العقوبات عام 2015، لم تطل الطبقات منخفضة الدخل في المجتمع الإيراني أي مزايا اقتصادية ملموسة من الصفقة النووية، بسبب العجز الحرج في عائدات الدولة. ونتيجة لذلك توالت الإضرابات والاحتجاجات من العمال والمعلمين، مطالبةً بأجور وظروف عمل أفضل. كما تميزت مدة حكم روحاني الأولى بعدد من العلل الهيكلية المتوارثة، مثل الفساد والبطالة، خصوصًا بين النساء.

لا يرجح أن تتحسن الأمور في مدته الثانية، ولا أن يرى العامة من الناس أي مزايا قيمة من الاستثمارات الأجنبية الموعودة أو الصفقة النووية.

تمّت صفقة إيران النووية بعدما أدرك حرس الثورة الإسلامية ما تبع العقوبات الدولية من عواقب وخيمة، فوافقوا على التفاوض. في ذلك الوقت كان روحاني يتمتع بدعمٍ مشروط من الأصوليين، الذين كانوا يحتاجون إلى عائدات النفط من أجل الاستمرار. لكن ذلك كان يتطلب تنازلات، فأمور مثل البطالة أو الهجرة أو التمييز الاجتماعي لم تكن على رأس اهتمامات الأصوليين وحرس الثورة الإسلامية، بل كان على رأسها الحفاظ على السلطة بأي طريقة، حتى وإن كان ذلك يعني التحالف مع أعداء إيران.

ومن المرجح أن يتمادى استعداء الأصوليين في مدة حكم روحاني الثانية، ما سيكون له أثر على الاستثمارات الأجنبية. ونتيجة لذلك قد تصبح جهوده من أجل الفوز بدعم عوام الإيرانيين أكثر من مجرد وعود جوفاء. ومع ذلك لا يمكن التغاضي عن السياق السلطوي الذي يتحتم على حكومة روحاني العمل بداخله.

العقد السلطوي

«العقد السلطوي» هو اتفاق بين قطاعات مختارة من المجتمع وحكومة سلطوية قادرة على شراء ولاء رعاياها من خلال إعادة توزيع أموال الإيجار ووعود بالأمن. فأموال إيجار النفط على سبيل المثال تسمح للحكومة بشراء ولاء مواطنيها في مقابل الرعاية الاجتماعية والأمن.

وقد ساهم صعود موجات التطرف وانعدام الأمن في المنطقة مساهمة كبيرة في تبرير هذا العقد السلطوي.

الواضح حتى الآن أن «العقد السلطوي» غير ملائم للتعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية والدولية. ونفس الشروط التي استلزمت تأصيل السلطة وإنشاء العقد السلطوي في عام 2013 تحتم الآن منهجًا يشرك قطاعات أكثر

ردًا على السلطوية والتزوير والفساد والقمع والتمييز، اندلع التحرك الأخضر الإيراني عام 2009. لكن كما حدث مع ثورة يناير 2011 في مصر، وفي ما يشبه التحركات في السعودية والبحرين وليبيا وسوريا، لم تكن النتيجة حكمًا ديمقراطيًا، بل عقدًا سلطويًا. وكانت الرغبة في ظروف أفضل للطبقتين المتوسطة والدنيا، اللتين دمرهما الحكم الاستبدادي لأحمدي نجاد، هي ما دفعتهما إلى التصويت لروحاني لعله يكون المنقذ.

تقوم السلطوية على الخوف؛ وتلزمها رغبة من المواطنين في بيع تصوراتهم عن مستقبل أفضل وحريتهم لصالح استبدال وعود الأمن. كما يلزمها أيضًا تكوين تحالفات مع أفراد المجتمع المستعدين لقبول هذه التسوية.

كان ذلك يعني صمت أغلبية الإيرانيين حيال سياسات إيران الخارجية، خصوصًا تورط البلد في حربي سوريا واليمن، وكذلك قبول تراجع الاحتجاجات السياسية منذ 2013.

وفي 2017، وبينما مثّل الأصوليون الحرب وانعدام الأمن والخوف والفوضى، مثّل روحاني وحلفاؤه السلام والأمن والرعاية الاجتماعية والسعادة. ومع أن منهج روحاني في العموم بالفعل أكثر سلمية من خصومه الأصوليين، إلا أنه لا يمكن تفسير سياساته بنفس القدر من البساطة.

الواضح حتى الآن أن «العقد السلطوي» غير ملائم للتعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية والدولية. ونفس الشروط التي استلزمت تأصيل السلطة وإنشاء العقد السلطوي في عام 2013 تحتم الآن منهجًا يشرك قطاعات أكثر.

لكن تناقضات سياسات روحاني لا تقتصر عليه فقط، بل تكمن في قلب كل سياسات ما بعد الثورة، وعادة ما ينتج عنها تمييز بين المواطنين على أساس الجنس والطبقة والدين. ولا بد من أن نضع في الاعتبار قدرة الدول على تجديد عقدها السلطوي مع المواطنين من خلال الخوف وانعدام الأمن.

ونتيجة لذلك، رأى المهتمون بالعقد السلطوي وآثاره المدمرة أن الانتخابات في إيران لم تكن وسيلة للتحالف مع الإصلاحيين وحسب، بل كانت أيضًا فرصة لتمكين قطاعات من المجتمع لبناء طريق ثالث يتجاوز الإصلاحيين والأصوليين.

ما يزال محتوى هذا الطريق الثالث وشكله غير محددين، لكنه سيتضمن غالبًا استرجاع الحكم الجمهوري كسمة من السمات الرئيسية للثورة الإيرانية عام 1979، وقد هُمّش تهميشًا بالغًا لينحصر في الأسلمة والليبرالية الجديدة في سياسات إيران بعد الثورة.

_____________________

ترجمة: أميرة المصري

اعلان
 
 
فاطمة صادغي