مسلسلات رمضان: خذ فكرة عما حدث في غيابك!
 
 

باقتراب شهر رمضان من نهايته، نقدم لكم انطباعاتنا عما حدث في مسلسلات رمضان. انطباعاتنا ذاتية وغير موضوعية ولكنها ربما تساعد مشاهدين على اللحاق بما فاتهم من أحداث، خاصة مع كثرة عدد المسلسلات وطول الفواصل الإعلانية التي تدفع المشاهدين طول الوقت لتغيير المحطة لمشاهدة مسلسل آخر غير الذي بدأوا مشاهدته فعلًا.

بحسب الأذواق والاهتمامات المختلفة لنا، قرر كل منا مشاهدة مسلسل يختلف عما شاهده الآخر، والعودة ليحكي لنا عما حدث حتى الآن. وصحيح أن الرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي يسير أكثر وأكثر باتجاه ألا مسلسلات جيدة في رمضان هذا العام، ولكن هذا لم يمنع المشاهدين، ومن ضمنهم فريق «مدى مصر» بالطبع، من الاستسلام لإغراء جهاز التليفزيون، الذي لا يزال حتى الآن واحدًا من أبرز عناصر شهر رمضان في مصر، مثله في ذلك مثل الشعائر الدينية والمقاهي والأطعمة المختلفة.

بعد جرعة درامية مكثفة في الحلقات الأولى، يتحول المسلسل إلى دراما متمحورة حول شخصية سلمى (غادة عبد الرازق)، كما لو كان بلغ ذروته قبل الأوان، ولكن لا يزال هناك أمل في عرض الأحداث القائمة على الشخصية الملتوية التي يقدمها السيناريست محمد عبد المعطي. بعد 13 حلقة، تطغى دراما العائلة والعرض الممل للأزمة على قصة اختطاف ياسين لطائرة سلمى، كما أن الاستخدام الزائد للخطاب الأخلاقي، جعل المسلسل أكثر تمحورًا حول عواقب قرار ياسين بدلًا من الجريمة نفسها، حيث نشاهد الأسرة تقع ضحية لعدد من الأحداث المؤسفة، بما فيها الابتزاز والبلطجة والاحتكاك بمهربين. ومع ذلك فإن المأساة العائلية تبدو شاحبة ومملة بالمقارنة بقصص المضيفات من زميلات سلمى في العمل، واللائي تتجمعن في شقة عصرية لمناقشة مأسي وتجارب حياتهن، فواحدة أُجبرت على الزواج من بلطجي تحت تهديد السلاح، وأخرى ابتُزت جنسيًا من قبل رجل خليجي خدّمت عليه في إحدى الرحلات. وفي كل من هذه المشاهد تدخل غادة لتغطي على الحوار بادعائها النسوي وملابسها المبالغ فيها.
تلقى المسلسل نصيبه من الانتقادات، حيث أصدرت النقابة العامة للضيافة الجوية المصرية بيانًا تدين فيه الصورة المغلوطة التي ينقلها المسلسل عن المضيفات، كما قدمت المضيفة والمدونة «Aimless woman.. امرأة بلا هدف» على قناتها على يوتيوب فيديو موجهًا لغادة شخصيًا، ينتقد المسلسل والتمثيل السلبي للمضيفات، وقد يكون هذا الفيديو هو أفضل ما أتى به المسلسل الذي يبقى حتى الآن متوسط المستوى.

يتواجد المسلسل باستمرار على قائمة Google Trends لأكثر الفيديوهات التي جرى البحث عنها على يوتيوب. يعرض مسلسل أحمد مكي بوضوح خطابًا كارهًا للمرأة مغلفًا في صيغة كوميديا مضحكة أحيانًا. رغم أننا لم نرشح المسلسل في «تكمّل ولا تبطل» انطباعات «مدى» عن مسلسلات رمضان 2017»، يصعب علينا تجاهله بسبب النسب العالية لمشاهدته وتنميطه الإشكالي للرجل والمرأة، بالإضافة لكم الإهانات الذكورية الفجة.

مع الإنتاج الجيد والأبطال الكوميديين للمسلسل (باستثناء دينا الشربيني التي يخلو آداؤها من أي ذرة كوميديا)، ففي حين أن المسلسل مبني على عالم مفترض فيه أن النساء يحددن مصيرهن، إلا أن الحقيقة غير ذلك. نجد شخصية مثل «حبوبي دبدوبي» المولود في قبيلة السيدات في بداية الحرب بين الجنسين، ورغم تعهده بالولاء للسيدات، إلا أنه يملك قدرًا لا بأس به من السلطة. وفي حين أن كارما (دينا الشربيني) تُصوَّر كقائدة جيش النساء، إلا أن حبوبي دبدوبي هو من يتخذ معظم القرارات الرشيدة، حيث تغلب على النساء العواطف وعدم المنطقية والانشغال بالمظهر. الأسوأ هو أنه حتى مع نهاية العالم والحرب الدائرة، لا تزال المرأة المصرية منمطة في كون اهتماماتها تتمحور حول اللاتيه ولون الشعر والسيلفي. في حين أن المسلسل مضحك في بعض الأحيان، فانتظروا عرضًا مطولًا حول تمثيل المرأة وربما أيضًا حول موسيقى المهرجانات التي يعرضها أعضاء فرقة «المدفعجية» – والذين ظهروا في المسلسل فقط بهدف السخرية من نفسهم.

يجسّد المسلسل كل القيود الموجودة في الإنتاج الدرامي في رمضان. الخلطة والتنفيذ ممتازان، فالقصة مأخوذة عن الرواية الحائزة على جوائز للروائي الكبير بهاء طاهر، وتحيي المخرجة كاملة أبو ذكري سيناريو مريم نعوم وأحمد بدوي (حتى الحلقة 16) وهالة الزغندي (بداية من الحلقة 16)، كما أن الإنتاج جدير بالتقدير، من حيث مواقع التصوير والديكور والملابس والمكياج، باستثناء محاولة تحويل منة شلبي إلى سيدة أيرلندية، بالإضافة إلى أداء الممثلين الرائع، خاصة خالد النبوي في دور «محمود»، وسيد رجب في دور «الشاويش إبراهيم»، والمبهر أحمد كمال في دور «الشيخ يحيى»، الذي كان جيدًا لدرجة أن التعرف عليه كان صعبًا.

أين المشكلة؟

نموذج الثلاثين حلقة: لست واثقة أنني كنت سأكمل مشاهدة الـ16 حلقة التالية، إذا لم يكن عملي يتطلب ذلك، لا لأن المسلسل نُفّذ بشكل سيء ولا لأن لديّ مشكلة سياسية مع العمل نفسه، بل على العكس، فالإشارات المستترة لواقعنا السياسي الحالي، من خلال عدسة تاريخ استعمار مصر، كانت مؤثرة في العديد من اللحظات، ولكن المشكلة أنه حتى يمكن عرض عشرات الإعلانات عالية الأجر في كل فاصل إعلاني، فعلى المخرجين، الذين يحتاجون لميزانية ضخمة في أعمالهم، الانحصار والالتزام بالإطار الضيق للدراما الرمضانية.

كان بإمكان «واحة الغروب»، أن يكون عملًا سينمائيًا بديعًا، أو مسلسلًا رائعًا من 12 حلقة؛ ولكن على صورته الحالية، فإن أحداث القصة كانت بطيئة جدًا ما جعل الانغماس في المسلسل صعبًا، كما أن هذا البطء ترك عناصر الإنتاج الممتازة عارية دون هيكل قوي يدعمها.

علق في ذهني على وجه الخصوص عنصران من عناصر الإنتاج: التصوير الذي قامت بيه نانسي عبد الفتاح («سجن النسا» و«واحد صفر») والذي حول كل لقطة إلى عمل فني مستقل، والذي يتماشى بتناغم مع موسيقى تامر كروان. رغم مجهود فريق العمل، فالصورة والموسيقى هما ما أنقذا المسلسل من سقطات القصة.

ملاحظة هامة: رغم عرض «واحة الغروب» على شاشات DMC ودبي TV، يُنصح بمتابعة المسلسل على قناة الشركة المنتجة (العدل جروب) بعد أن حذفت القنوات الأخرى بعض المشاهد لأسباب سياسية، أو بافتراض وجود مشاهد خارجة.

بعد أن ترددت في متابعة هذا المسلسل، تطور «الحساب يجمع» ليصبح شديد التسلية، فرغم وجود كم لا بأس به من الدراما الرمضانية التقليدية (خناقات الأزواج والخيانة والحياة الجنسية والطبقية وحتى سرقة الآثار) إلا أن المسلسل يستحق التحية على نجاحه في تقديم أزمة المرأة التي تحاول العيش في مجتمع يحكمه الرجل. فمشروع نعيمة (يسرا) يقوم على جلب خادمات البيوت من حي فقير للعمل في منازل أسر غنية، وينتهي بنا الحال لمشاهدة العالم من أعين هؤلاء السيدات، بدايةً من يسرا نفسها، التي ربت بناتها بمفردها بعد وفاة زوجها، مرورًا بعبير (ندى موسى)، التي تخفي طبيعة عملها في البيوت عن زوجها، الرافض لهذا العمل، لكي تتمكن من كسب المال لكي تعيش، وهو ما يجعلها في صراع دائم مع نفسها، وشخصية سماح السوقية (بوسي)، التي تعتمد على ذكائها الاجتماعي وشجاعتها كي تعيش، حيث أنها بلا أهل ولا مال.

هكذا قُدّمت النساء في المسلسل باعتبارهن واسعات الحيلة وقويات الإرادة، بينما صُوّر الرجال باعتبارهم كذابين أو سخفاء أو مجرد انتهازيين.

لن ندعى أنه «مسلسل نسوي»، ولكن من المنعش أن نشاهد هذا العدد من الشخصيات النسائية القوية في حلقة مدتها 30 دقيقة. وبينما قد تكون أحداث المسلسل غير واقعية، إلا أن الإيقاع السريع وتطور الأحداث، بالإضافة إلى الديكور والملابس، جعلتنا نستمر في متابعة المسلسل.

 ملاحظة: ما ينقذ شخصيات الرجال في المسلسل هو النجم كريم فهمي (الأخ الأصغر للفنان أحمد فهمي، المشهور بأدواره في أفلام مثل «سمير وشهير وبهير» و«الحرب العالمية الثالثة» المأخوذ من الفيلم الأمريكي « Night at the Museum.. ليلة في المتحف»).

ظهر فهمي في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية في الأعوام السابقة ولكنه لم يحظ باهتمامنا إلا من قريب، فبالإضافة لموهبته، يجب ألا ننسى وسامته.

بعد البداية المفككة والضعيفة للمسلسل، وعدم نجاحه في تقديم القصة والشخصيات بشكل يسمح للمشاهد بالتعرف على الشخصيات المحورية للقصة، استطاع مسلسل «هذا المساء» تغيير وضعه.

انطلاقًا من العلاقة بين رجل الأعمال أكرم (إياد نصار)، وسائقه سمير (أحمد داود)، تخرج خيوط مختلفة متشابكة كلها تتمحور حول علاقة الرجال والنساء، فمعظم الشخصيات الثانوية تطرح هذا الموضوع بطريقة أو بأخرى، بداية من الإعلامي حازم (هاني عادل)، صديق أكرم، الذي يبرر علاقته بفنانة المكياج في الستوديو بقوله إنها تساعده على أن يكون أكثر حضورًا مع زوجته، وهي «أهم شيء في حياته»، أو شخصية نايلة، أم زوجة أكرم، التي تواجه رفض ابنتها للقاءاتها الغرامية. ولكن بعض هذه القصص الفرعية تبقى مربكة وصعبة الابتلاع في الأجزاء الأولى من المسلسل.

تبقى القصة الأكثر تشويقًا قصة تقى (التي أدتها بشكل رائع أسماء أبو اليزيد)، وهي امرأة جرى الاستيلاء على محتويات هاتفها المحمول، وتُبتز من خلال مكالمات هاتفية من شخص يطلب منها مقابلته، وإلا سرّب على الإنترنت فيديو لها في الفراش مع آخر. وفي لحظة يأس، ترمي بنفسها أمام سيارة، وهكذا تقابل سمير الذي يأخذها إلى المستشفى ويقع في غرامها.

محمد فراج، صديق سمير، تمثيله جيد بشكل نادر. هو يعمل بمحل تليفونات، وهو الآخر يبتز السيدات لمعاشرتهن، وتبدو علاقته بالنساء سادية، فهو مهتم بممارسة السلطة على النساء أكثر من اهتمامه بإشباع رغبة جسدية معينة. كما نشاهد أنانية أكرم مع كل النساء في حياته، وهو أكثر الرجال إحساسًا بالتفوق الأخلاقي فيما يتعلق بخيانة الزوجات وضربهن.

لا تزال معالجة العلاقة بين الرجال والنساء ينقصها شيء ما، ففي حين أننا نشاهد الثواني الأولى مثلًا من فيديو تقى، والذي يضع فيه شابٌ الكاميرا في الغرفة قبل وصولها، فإن مسألة الموافقة على هذا لم تطرح بعد؛ وعندما تستخدم تقى أخيرًا نبرة التحدي لترد على اتهامها بالقذارة، تقول إنها ألقت بنفسها أمام سيارة لأن شرفها أهم من حياتها.

التمثيل ممتاز على طول الخط، والقصة مقنعة ولكن متذبذبة بعض الشيء. أداء فريق العمل القوي يجعلنا نرشح هذا المسلسل للمتابعة.

هذا المسلسل مخيب للأمل، فأداء آسر ياسين هو وحده المقنع فيه، أما بقية الشخصيات فليست سوى صور كاريكاتورية غريبة ومفتعلة (خصوصًا زوجته تغريد التي تقدمها إنجي المقدم)، أما تقديم باسل الخياط لشخصية سامح/ توفيق، المريض النفسي العبقري الذي يجري تجربة علمية على الطبيب النفسي آسر ياسين، فبغيضة جدًا.

بدت غرابة سامح ساحرة في بداية المسلسل، فاعتقدت في الحلقات الأولى أن بإمكاني التغاضي عن أدائه النمطي لشخصية «المجنون»، أو عن إعلانه المفتعل لحبه لموسيقى الجاز أو حتى عن وضع يده ليمثل أنه رجل شرير، ولكن أصبح من الصعب أخذ أدائه بجدية، خصوصًا بسبب ملابسه السوداء وحبه المرضي للجاز وصدى الصوت المتردد بعد ضحكته. لم ينجح الخياط في تقديم شخصية الشرير (إلا إذا كان مقياس النجاح هو تقديم شخصية مستفزة وغير واقعية)، كما أن مشاهد الخياط وهو يلعب الساكسوفون في البارات أثناء تخطيطه لتدمير حياة ياسين غير مبررة رغم تكررها.

رغم أن بطل المسلسل يقع في أزمة مختلفة (وكارثية أحيانًا) كل حلقة، إلا أن المسلسل يبقى مملًا لحد كبير، فحتى اللحظات الدرامية ليست شيقة. وفي حين أن أداء آسر ياسين مقبول إلا أنه ليس مميزًا بأي شكل، فحتى وسامته لم تنقذ المسلسل، الذي لا يعد سوى محاولة تائهة لتقديم مسلسل إثارة نفسية.

ملحوظة: الجاز يدمر المسلسل.

قررت متابعة مسلسل «كفر دلهاب» هذا العام لأشبع فضولي لمعرفة كيف يمكن لصناع الدراما المصريين تنفيذ مسلسل رعب من ثلاثين حلقة. بدأت متوجسة خوفًا من تكرار مشاهدة دراما مشابهة لمسلسل «ساحرة الجنوب» الذي اقتصرت مشاهد الرعب فيه على مشاهد البطلة وهي تصرخ بصوت رجولي جهوري للعفريت الذي تلبسها. وبينما لا أزال أرى أن الرعب في «كفر دلهاب» لم يرق بعد للمستويات الهوليودية، نظرًا لكوننا حديثي عهد تمامًا بهذا الفن، إلا أن «كفر دلهاب» أثبت أنه بعيد تمامًا عن أجواء الرعب المضحكة في «ساحرة الجنوب».

شخصيًا، أتابع «كفر دلهاب» كمسلسل تشويقي أكثر من أي شيء آخر، وبالنسبة لمشاهدة توقفت عن مشاهدة دراما رمضان منذ سنوات طويلة مضت، فقد نجح المسلسل في جذب انتباهي ووجدت نفسي انتظر ظهور كل حلقة جديدة على موقع يوتيوب في تمام التاسعة مساء يوميًا. نجح المؤلف وكاتب السيناريو عمرو سمير عاطف والمخرج أحمد نادر جلال في رسم قصة درامية تشويقية، تدور أحداثها في «كفر دلهاب» الذي تحل به لعنة بسبب حادثة قتل تسبب فيها أبناء كبار البلد بحق فتاة فقيرة، فتعود روح «ريحانة» للانتقام، في حين يحاول الطبيب سعد إزالة اللعنة وكشف لغز قاتليها. لا يتوقف عمرو سمير عاطف عن إبهار المشاهدين بمفاجآت جديدة في كل حلقة، واكتشاف أجزاء جديدة في قصة مقتل ريحانة بشكل شديد الإتقان، مع وجود جرعة مكثفة من الرمزية والاسقاطات السياسية القوية المرتبطة بالوضع السياسي في مصر، وانتصارات الثورة وانتكاساتها.

بعد ١٧ حلقة من «كفر دلهاب» عرفنا أن اللعنة، والتي شاهدنا توابعها منذ بداية المسلسل، لم تبدأ بعد، إيذانًا بتطورات جديدة في القصة، وكأن لسان حال صناع المسلسل يقول لنا: «إنتو لسا ماشفتوش حاجة»، ولا أدري إن كان هذا يقتصر على «كفر دلهاب» فقط أم يمتد لنطاقات أوسع في حياتنا.

الحب والحب والحب. عالم يدور بأكمله حول العلاقات العاطفية لعائلة من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة، بإخراج  يشبه فلاتر إنستجرام. بدا المسلسل واعدًا في الحلقات الأولى خاصة وأنه مأخوذ عن نص روائي شهير عولج سينمائيًا وتلفزيونيًا من قبل، ولكن مع تقدم الحلقات ومع الاستهلاك الكثيف للمشاهد الرومانسية ذات الحوارات السطحية وجد الملل طريقه إلى المسلسل الذي أخذت حلقاته تكرر نفسها في دوائر لا نهائية.

«لا تطفئ الشمس»، أحد المسلسلات التي نالت النصيب الأكبر من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء باقتباس جمل حوارية تلائم صفحات المراهقين، أو بإثارته البلبلة بظهور لقطة تظهر فيها عبارة «سيسي خائن»، أو بالانفعال العنيف تجاه مصائر أبطاله مثلما حدث مع شخصية آدم أو بالإشادة ببعض الممثلين كأحمد مالك الذي أدى دوره، وريهام عبد الغفور، و محمد ممدوح (شخصيًا يضايقني اعتماده على مدرسة كلاسيكية في الانفعالات).

يرسم المسلسل علاقات عاطفية إشكالية يجد أبطالها فيها أنفسهم وجهًا لوجه ضد «قيم المجتمع والعائلة والطبقة»، يبدأ بداية يشجع فيها ضمنيًا للتمرد عليهم، ولكن مع مرور الحلقات فإنه يسحب كلامه، ويدفعهم لخلق مواءمات واتخاذ حلول وسط  ترضي جميع الأطراف (يعود آدم و يطلب من أهله السماح فيُوبَّخ ويُجازَى على التمرد، وتنهي آية علاقتها بمدرسها المتزوج وتطور مشاعر ناحية زميلها الملائم عمريًا). بالإضافة إلى أن النزعة التي اعتبرها البعض تقدمية بظهور شخصيات متحررة اجتماعياً نسبيًا (تشرب الكحول وترقص في الملهى) تبدو نابعة من مجرد الولع بإبراز نمط حياة شريحة اجتماعية غنية.

فكرة المواجهة مع قيم المجتمع كانت لها رمزية سياسية في النص الأصلي، المكتوب في الخمسينات وسط حالة تجييش إعلامي عاتٍ، هدف لتعبئة المواطنين وتجنيدهم للإيمان بالدولة الجديدة بعد مآل الحكم للضباط عام 1952، فجرى تصويرها في شكل الصراع النفسي الذي يعيشه الابن الكبير أحمد، التائه بين أن يكون نفسه أو أن يصير نسخة من أبيه أو خاله، بينما مثّلت شخصية أخيه الأصغر قيم التمرد المحمود على العهد البائد، فجرى تقديمه كشخصية متفائلة مرحة تؤمن بالعمل والإنتاج ولا تعترف بالفوارق الطبقية وتخلو من التردد بما يتوافق وشعارات «نحن في حالة بناء» و«المستقبل المشرق أمامنا» وغير ذلك من دعاية الدولة الوليدة.

وفيما ارتكزت الرواية على المونولوجات النفسية الطويلة لشخصية أحمد، الابن الكبير للعائلة ، نال كل من أفراد الأسرة نصيبه بالتساوي إلى حد ما في المعالجة المعاصرة، كما اشتغل  تامر حبيب على شخصية الابن الصغير، محتفظًا بالإعجاب المبطن لها كفاكهة العائلة، وضخ فيها تفاصيل الشاب الناجح «المعجباني» المعاصر: غني لكنه يعتمد على نفسه، مرح لكن مسؤول، اجتماعي لكن قراراته من رأسه، منفتح في حياته الجنسية لكن مؤمن بالحب والإخلاص، ما جعلها الشخصية المفضلة للمشاهدين. ورغم أن هناك خيوط  وشخصيات جديدة مضافة للمسلسل، إلا أن ذلك لم ينقذه من كونه بدأ يصبح حلقة طويلة من «أنا والنجوم وهواك».

بعد تركيزها على الصراعات النفسية في المسلسلات شديدة الدرامية في السنوات الأخيرة، كانت بداية حلقات مسلسل «لأعلى سعر» مبشرة بعودة نيللي كريم للدراما الاجتماعية الأخف، والتي توقعتُ أن تسفر عن عمل ممتع، رغم سطحية المعالجة التي كانت ظاهرة منذ بداية المسلسل، إلا أن أحداث المسلسل استقرت في مرحلة من الجمود جعلتها أقرب للمسلسلات التركية التي اكتسبت شعبية كبيرة في السنوات الأخيرة في البلاد العربية، حيث تتوالى الأحداث ولا يحدث شيء فعليًا، سوى أن الشخصيات تعيد إثبات انتمائها لمعسكر الخير أو الشر المحددين بشكل مطلق.

النصف الأول من المسلسل يحكي عن تقوقع جميلة (نيللي كريم) أكثر فأكثر في دور الضحية، مع تزايد شر زوجها السابق (أحمد فهمي) وصديقتها الحميمة (زينة) التي لم تكتف بخطف زوجها ولكن أخذت ابنتها منها أيضًا، لتتركها معدمة ومطرودة من شقتها. تنتقل جميلة للإقامة مع والدها (نبيل الحلفاوي)، رفيقها في تمثيل الفن الجميل والخير المطلق في المسلسل، بينما تتخلى عنها أمها وإخوتها لارتباطهم بمصالح مادية مع زوجها السابق، في تصالح شديد مع النفس وبلا أي مظهر من مظاهر الصراع الداخلي. جاءت لحظة التحول باهتة بسبب غياب التصاعد الدرامي المؤدي لها، وترقص فيها جميلة الباليه وهي تخلع النقاب الذي ارتدته في بداية الحلقات كأحد أعراض تخليها عن ذاتها من أجل أسرتها.

رغم هذا التحول الذي ينذر بتغير في الأحداث إلا أني لا أتوقع أن يخرج عن سياق التطور التقليدي لصراع الخير والشر، وعليه فلا أنصح بمتابعة المسلسل.

 

اعلان