شعب لا يكترث ببرلمانه وبرلمان لا يكترث بنفسه من الخبز واللبن وحتى «تيران وصنافير»

في عالم مواز، يمكننا أن نتخيل أنه عندما تطرح قضية «تيران وصنافير» على مائدة التفاوض، بين مصر والسعودية، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليوضح للجانب السعودي أنه يحتاج لاستشارة الشعب المصري ونوابه قبل الموافقة عليها رسميًا. كان السيسي ليدعو البرلمان المصري إلى جلسة علنية لمناقشة القضية، وقد تذاع على الهواء مباشرة على قناة البرلمان التليفزيونية. ومن ثم، يناقش نواب البرلمان الموضوع مع ممثلين عن دوائرهم الانتخابية. في النهاية، فأي قرار يُتخذ، كان ليصبح واضحًا للمواطنين، ولا يُترك لتخيلاتهم عن نوايا القيادة المصرية، التي وصلت –في العالم الحقيقي- إلى حد وصف الرئيس بـ«الخيانة» و«التفريط في التراب المصري».

كذلك، كنا لنتجنب أن تتعقّد الأمور بأحكام وإجراءات قضائية ما تزال مستمرة حتى الآن، ومناقشات تشريعية تتخللها تصريحات من رئيس البرلمان بأن أحكام القضاء «هي والعدم سواء».

كان يمكن أيضًا، حال اتباع تلك الإجراءات المتخيلة، أن تتجنب مصر «انتفاضة الخبز»، ومظاهرات «لبن الأطفال»، والعديد من المظاهرات ذات الخلفية الاقتصادية، والتي كان أحد الأسباب الرئيسية لاندلاعها، غياب دور نواب البرلمان كمشاركين في صنع قرارات الدولة المصرية وفي مناقشتها بين بعضهم البعض قبل تطبيقها من جانب الدولة، بوصفهم حلقة وصل، بين الدولة والمواطنين، لشرح أسباب تلك القرارات بشفافية.

في الواقع، لم يعكس مجلس النواب هذا الدور أو أيًا من مباديء الديموقراطية أو التوازن أو الشفافية التي تعكس طموحات الشعب المصري.

من فترة انعقاده الأولى، وحتى الآن، لم يكتف البرلمان بكونه «غير ديموقراطي»، من حيث تقبل آراء المواطنين والنخب السياسية المتباينة والتي تعكس بدورها تباين الرأي العام حول القضايا المختلفة التي تهم المواطن المصري، بل كان أيضًا غير ديموقراطي، بمعنى أنه لم يكن مسموحًا للبرلمانيين أنفسهم تناول آراء متباينة في أي قضية.

بالإضافة لذلك، لم يوف البرلمان بالتزاماته نحو الاحتياجات الملحة للبلاد، سواء كانت تشريعية أو اقتصادية أو اجتماعية.

وفقًا للإجراءات التي اتخذها القائمون على البرلمان المصري في فترة انعقاده الأولى، فإن معارضة قرارات الدولة تضر التشريع، أكثر مما يضره التعرض لشرف المواطنات المصريات.

كان انعقاد البرلمان للمرة الأولى في العاشر من يناير 2016، بمثابة إعلان انتهاء خارطة الطريق للفترة الانتقالية التي تلت إزاحة نظام جماعة الإخوان المسلمين. على الورق، ومن وحي نصوص دستور 2014، انتُخب البرلمان ليكون صوت الشعب المصري والمؤسسة المراقبة التي تقيس أداء الحكومة وفق معياري العدالة والديموقراطية، ومباديء «ثورتي 25 يناير 30 يونيو». وقد شرع «معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط» في مراقبة أداء البرلمان عن طريق متابعة التغطيات الصحفية للجلسات، وتوثيق الحوارات الصحفية مع النواب وتجميع وتسجيل البيانات الصادرة عن البرلمان، منتهيًا إلى إصدار تقرير يحتوي على تغطية لدور الانعقاد الأول (يناير- سبتمبر 2016)، متضمنًا تلك العناصر، التي تُظهر للأسف أن البرلمان لم يعمل بشكل جيد لخدمة الشعب المصري.

لا ضمانة لعمل البرلمان على أداء واجباته تجاه الشعب المصري، بشكل قريب من العالم المتخيل الذي أشرنا إليه، إلا أن يكون ديموقراطيًا، وأن تكون لديه سلطة حقيقية، وأن يعمل جاهدًا كما يتمنى أن يرى المصريون. لكن، وللأسف الشديد، لم يحقق البرلمان أيًا من تلك العناصر، فنواب مثل توفيق عكاشة ومحمد أنور السادات، أُسقطت عضويتهم من البرلمان لأنهم ببساطة أبدوا آراء معارضة للحكومة، رغم استخدام حجة «عقد اجتماعات مع مسؤولين دوليين» لتمرير قرارات إسقاطهم. وبنفس المنطق، فقد جرى إسكات آراء أخرى معارضة من قبل رئيس البرلمان.

ومن ناحية أخرى، وعلى سبيل المثال، كانت هناك تقارير تفيد بأن نوابًا مؤيدين للنظام يدافعون عن ختان الإناث، أو يبررون عمليات التحرش الجنسي المستمرة ضد المصريات دون الوصول إلى عقوبات رادعة للمتحرشين. وفقًا للإجراءات التي اتخذها القائمون على البرلمان المصري في فترة انعقاده الأولى، فإن معارضة قرارات الدولة تضر التشريع، أكثر مما يضره التعرض لشرف المواطنات المصريات.

من ناحية أخرى، لم يمتلك البرلمان سلطة التشريع بشكل كامل، كما ينبغي أن يكون الحال، فمن أصل 27 قانونًا صدر في الفترة التشريعية الأولى، لم يصغ البرلمان سوى قانونين اثنين، ولم يتغير الحال في الفترة التشريعية الثانية، حيث صاغ البرلمانيون ثمانية قوانين من أصل 21 قانونًا حتى بداية مايو 2017. وهذا على الرغم من تقدم النواب بـ 146 مشروع قانون من أصل 245 جرى رصدها حتى الثاني من مايو، وهو ما يذكرنا بسياسات نظام مبارك البرلمانية، حين أن 94٪ و99% و100% من القوانين مصاغة من خارج البرلمان في الأعوام 1984 و1987 و1996-1997 على التوالي.

الآن، يمرّر تحالف الأغلبية في البرلمان الحالي تلك القوانين بسرعة ودون مناقشة جادة، عن طريق التصويت بالوقوف، أو برفع الأيدي في حالة الموافقة، وهي الطريقة التي تجعل من توثيق التصويت أمرًا مستحيلًا، ما يصعب بدوره من إمكانية مساءلة النائب عن تصويته في دائرته.

ورغم الدعوات المستمرة من النواب للعودة إلى التصويت الإلكتروني، إلا أن رئاسة البرلمان ترفض، إما لعدم الاكتراث بأهمية شفافية التصويت،  أو لعدم الاكتراث بأهمية أدائها لدورها في مراجعة قرارات السلطة التنفيذية. على العكس، يوافق المجلس بالأغلبية المطلوبة على قرارات الحكومة والرئاسة، كما حدث اليوم في اتفاقية ترسيم الحدود، وما سيترتب عليها من تسليم جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية.

تشير الأرقام كذلك إلى أن البرلمان لم يكن يعمل بشكل جاد في فترتي انعقاده الأولى والثانية، فعدم اكتمال النصاب القانوني كان مشكلة مستمرة في عملية التصويت، كما جرى تأجيل ٣٠٪ من الجلسات العامة في فترة الانعقاد الثانية، ما أدى بدوره لتأجيل إصدار العديد من القوانين وإلغاء العديد من الجلسات، وذلك لعدم وجود النواب المفترض وجودهم للعمل من أجل ناخبيهم، وحتى لدى تواجدهم فهم لا يطالبون بمحاسبة الحكومة ولا يوفون بمهامهم الدستورية. حتى أن العديد من الوزراء يتجاهلون طلبات النواب للحضور للمجلس لسؤالهم، وفي نفس الوقت يبدو المجلس غير قادر على ممارسة حقه الدستوري في تغيير هؤلاء الوزراء الذين يخذلون طموحات الشعب. فرغم تتابع الأزمات التي تعرض لها المصريون في 2016، لم يجر تغيير إلا وزير واحد بواسطة المجلس. كما فشل البرلمان في اتباع المادة 241 من الدستور، والتي تنص على وجوب إصدار قانون العدالة الانتقالية في الفترة التشريعية الأولي، ويُتوقع أن يستمر هذا التأجيل غير القانوني لمناقشة القانون حتى فترة الانعقاد الثالثة.

توحي كل تلك المؤشرات بأن البرلمان لم يكن أكثر من مجرد أداة تشريعية في يد رئاسة الجمهورية. ومن أهم الأدلة على ذلك، عدم ثقة المصريين في عرض طلباتهم على ممثليهم حال اندلاع الأزمات، بل على العكس، فالمصريون حين يتظاهرون يطالبون الرئيس بالتدخل، كما حدث في أزمتي الخبز ولبن الأطفال. يرغب المصريون في إيصال أصواتهم للشخص الوحيد الذي يعرفون أنه قادر على تغيير كل شيء: الرئيس. كما يبدو من قلة عدد الحضور في جلسات البرلمان إدراك النواب لتفاهة دورهم في تمثيل دوائرهم. مع وصولنا إلى تلك الحالة السياسية، فمن الصعب توقع أي تغير في أداء البرلمان في المستقبل القريب دون توافر إرادة شعبية مصحوبة بإرادة سياسية حقيقية من النظام.

من المعقول جدًا، أن يحاول الناس الوصول إلى رئيس الجمهورية إذا استدعت الأمور، ولكن ينبغي أن يشعر النواب بالمسؤولية تجاه ناخبيهم

وبينما نراقب أداء البرلمان في معهد التحرير، فإننا نطالب الشعب المصري عمومًا، والمنشغلين بالمجال العام خصوصًا، بالسعي لمعرفة ما يحدث في البرلمان ومناقشة فعاليته، للضغط المشروع على النواب لكي يحققوا المطلوب منهم.

من المعقول جدًا، أن يحاول الناس الوصول إلى رئيس الجمهورية إذا استدعت الأمور، ولكن ينبغي أن يشعر النواب بالمسؤولية تجاه ناخبيهم. يُظهر لنا خوف النواب من الرجوع إلى ناخبيهم عند إقرار «تعويم العملة» مثلًا، أن النواب لا تمكنهم العودة إلى دوائرهم إلا عندما يكونون على دراية بأبعاد القرارات المتخذة. مع استمرار الضغط على النواب ليمارسوا تمثيلًا حقيقيًا لناخبيهم، سيشجعهم ذلك على ممارسة حقوقهم الدستورية في محاسبة الحكومة وفي إقرار القوانين التي تنفع الناخبين.

كذلك، على رئيس الجمهورية التعبير عن أهمية دور البرلمان في بناء دولة ديموقراطية حديثة، من خلال تركه ليلعب دوره المستقل في التشريع وتمثيل المواطنين وصياغة وإقرار القوانين، حتى وإن كانت مناقضة لآرائه الشخصية. على الرئيس التضحية بما يعتقد به شخصيًا من أجل فتح المجال للحوار المجتمعي، الذي ينبغي أن يشرف عليه البرلمان، لمناقشة احتياجات المواطن المصري.

وحتى يتحقق ذلك، سيظل هذا البرلمان غير ديموقراطي، وغير ممثل للشعب المصري.

اعلان
 
 
برادلي يونجبلود 
محمد سلامة آدم  @elsheikhadam